#adsense

الصحافة المكتوبة في خبر كان – 2

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1700

الصحافة المكتوبة في خبر كان

أسماء صارت مانشيت في الذاكرة والزمن (2)

هي ليست بأزمة محلية فالصحافة المكتوبة في العالم دخلت عصر الإضمحلال لمصلحة الصحافة الإلكترونية… إلى هنا كلنا متفقون. لكن الدخول في قراءة الأسباب التي تؤدي إلى إقفال «إمبراطوريات» إعلامية خاضت كل مراحل الحرب اللبنانية وما قبلها من أزمات، ومن يقرأ في عيون الصحافيين الذين باتوا بين ليلة وضحاها في عداد قوافل العاطلين من العمل بعدما كتبوا بالحبر والدم كلمات ليست كالكلمات… كل هذا يحتم السؤال عن مصير الصحافة التي لازمت قيام دولة لبنان الكبير. فهل يكون شح المال السياسي وانحسار وهج السوق الإعلانية وراء إسدال الستارة على إمبراطوريات كتبت بالحبر الأحمر سطور تاريخ لبنان الحديث؟ أم أن الأسباب تتوقف على تسونامي الإعلام الإلكتروني؟ ما هي المسؤولية التي تتحملها وزارة الإعلام الملغاة لجهة دعم الإعلام الورقي والحفاظ على ما أمكن من ذاكرة وطن وشعب؟ وأين الدور الذي تلعبه نقابتا الصحافة والمحررين لضمان حقوق الإعلاميين الذين احترفوا تأريخ الأحداث ليصبحوا بين ليلة وضحاها الحدث على عمود مانشيت أسود.

أيًا تكن الأسباب النهايات كُتبت وأُسدلت الستارة على «إمبراطوريات» إعلامية لتصبح في خبر كان.

 

قد يكون الحراك مفيدا في محطات أقله إذا جاء تحت غطاء نقابي وهذا ما تبيّن مع الصحافيين الذين تم صرفهم من جريدة «المستقبل» ويقول القصيفي:»واكبنا هذه القضية ودخلنا في مفاوضات شاقة مع الإدارة بالتضامن والتكافل مع الإتحاد العمالي العام وتمكنا من الوصول إلى إتفاق برعاية وزير العمل كميل أبو سليمان الذي ساهم في دفع القضية إلى الأمام وأوصل الأمور إلى خواتيمها الإيجابية».

لكن ماذا بعد هذا الحراك؟ وما هو مصير الصحافيين الذين أمضوا العمر وهم يصيغون الأحداث وينقلون الحدث غير آبهين بالمخاطر التي تزنر مهنة الصحافة لا سيما في مرحلة الحرب؟ وهل يمكن بهذه البساطة الإستغناء عن خدماتهم بين ليلة وضحاها بحجة «أزمة مالية وسيطرة الإعلام الإلكتروني»؟ لماذا لا يُصار مثلا إلى الإستفادة من خبراتهم في المؤسسات الصحافية القائمة وحتى تلك التي افتتحت حديثا؟

يؤكد القصيفي أن النقابة تقف إلى جانب كل صحافي تم صرفه من مؤسسته بحجة إقفالها لأسباب مادية. ويستطرد: «لا أعتقد أن هناك مؤسسة إعلامية أقفلت بسبب وجود أزمة مالية إنما بسبب وقوع أصحابها في أزمة مالية أو لخلاف ما بين الورثة متجاهلين أن الثروات والشهرة كانت بفضل جهد الصحافيين الذين تم صرفهم ولم يحصلوا على حقهم الطبيعي من التعويض وبعرق وإبداعات كبارها.

إنطلاقا من هذا الواقع اتخذت النقابة سلسلة خطوات إنقاذية مع التشديد على ضرورة تطبيقها  لإنقاذ واقع الإعلام في لبنان. وتتمثل هذه الخطوات بالتالي:

– وضع قانون عصري للصحافة والإعلام يستجيب للتحديات الراهنة ويؤسس للمستقبل.

– دعم قطاع الصحافة والاعلام والعاملين فيه عبر مشروع يموّل من الموازنة العامة.

– إنشاء صندوقين تعاضدي وتقاعدي للصحافيين والإعلاميين والعاملين في وسائل الإعلام كافة تموّل إنطلاقتهما من خزانة الدولة ريثما يصبحان قادرين على الإقلاع.

– إدخال جميع المحررين والعاملين في المؤسسات الإعلامية غير المشمولين بخدمات الضمان الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي – فرع المرض والأمومة الى حين العمل بصندوقي التعاضد والتقاعد.

– حل مسألة الرسوم البلدية المتراكمة والناتجة من قرارات التريث التي لم يعد يسري عليها مرور الزمن.

– إعادة ما إنتزع من المنتسبين إلى النقابة بغفلة من الزمن، وبشحطة قلم من تقديمات كانت من حق المنتسبين منذ ستينيات القرن المنصرم.

– الطلب من الحكومة الإفراج عن مشروع القانون المتعلق بتعديل أحكام في قانون المطبوعات يتصل بنقابة المحررين، وإرساله الى المجلس النيابي كما ورد من وزارة الإعلام من دون أي حذف أو إضافة، أو تحوير.

– الطلب من مجلس القضاء الأعلى حث محاكم العمل على الإسراع في بت الدعاوى المرفوعة من زميلات وزملاء صرفوا كيفيا من مؤسساتهم لقاء تعويضات مجحفة.

– العفو عن جميع مخالفات النشر وجرائم المطبوعات. المنصوص عنها في المواد 2 الى 25 من قانون المطبوعات الصادر بالمرسوم الاشتراعي الرقم 104/77 وتعديلاته».

وختم القصيفي: «حرصا منا على وحدة الصف الصحافي والإعلامي، وللدلالة على تمسكنا بهذه الوحدة، فإن هذه المطالب ستكون موضوع بحث في خلوة مشتركة مع نقابة الصحافة للإتفاق على لائحة ترفع الى المسؤولين المعنيين لصوغها في إقتراحات ومشاريع قوانين تمهيدا لإقرارها. آن الأوان لأن تبدأ ورشة جادة، اليوم قبل الغد، لإنقاذ الصحافيين والاعلاميين من براثن البطالة والجوع».

من دون أدنى شك، الموضوع وجودي وكياني لضمان إستمرارية العمل الإعلامي وتثبيت مفهوم الحرية فيه، وليس في الكلام مبالغة إذا ما سلمنا بأن لبنان والحرية الإعلامية توأمان. من هنا ضرورة التحرك سريعا لإنقاذ الوضع بعيدا من الكلام المنمق، وقذف الإتهامات على ما يقول صحافي تم صرفه من إحدى المؤسسات الإعلامية ورأى أن «المطلوب من نقابتي المحررين والصحافة والمؤسسات الإعلامية وكذلك مؤسسات الدولة تنظيم ورش عمل وعقد مؤتمر إعلامي وطني لمناقشة هذه القضايا وإيجاد الحلول، وفي ما يتعلق بالإعلاميين حثهم على متابعة مسيرة المطالبة بحقوقهم وعدم الإستسلام أو الوقوع في شباك اليأس والإحباط». ولفت الى ان «الدولة تتحمل جزءا من الحل فقط، أما المؤسسات الإعلامية فيقع عليها الجزء الأكبر من المسؤولية».

مع بعد مرور 75 عاما على صدورها أعلنت إدارة «دار الصياد» عن توقف  جريدة «الأنوار» عن الصدور صباح 28 أيلول 2018 وهي الجريدة الثانية بعد «النهار» من حيث الأقدمية، والثالثة التي ختمت مسيرتها بالشمع الأحمر خلال عامي 2017 و2018 بعد جريدتي «السفير» (1/1/2017) و»الحياة» (30/6/2018). فهل من أفق في فضاء الصحافة الورقية في لبنان يساهم في وقف النزف وانزلاقها نحو التلاشي والإندثار؟ في أدراج وزارة الإعلام أكثر من محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الصحف المتبقية على الساحة. ففي تشرين الأول 2018، أعلن وزير الإعلام السابق ملحم الرياشي عن دعم الإعلام المكتوب والتقليل من الأعباء المالية المترتبة عليهوذلك ضمن خطة عمل متكاملة بالتعاون مع مسؤولي الصحف ومختصينلكن كيف يمكن لدولة مأزومة ومديونة أن تغطّي أجزاء من نفقات الصحافة المهولة؟ وكيف يمكن لدولة تعاني وسائل إعلامها الرسمية من أزمات خانقة، أن تنجح في إنقاذ الصحف غير المملوكة لها؟ ما مدى فاعلية إستمرار الصحف الورقية وسط تردّي الجو الثقافي والفكري العام؟

هذا الواقع يقودنا  نحو حقيقة تشير إلى انفراط عقد القراء وفسخ عقودهم المعنوية مع الصحيفة التي تعوّدوا على رائحة ورقها بعدما تبدلت أحوالها وغاب عنها كتابهم المفضلون، حيث باتت غالبية المواد التي تنشرها الصحف اليوم تقوم على الإستهلاك الإخباري السريع، لا على التفكير المعمّق والتحليل وإثارة النقاش العام حول قضايا سياسية أو اقتصادية أو ثقافية ضمن حدود واسعة جداً، كما كانت عليه الحال سابقاً.

«هناك منابر مهمة من المفترض أنها مكرسة لحرية التعبير وطرح هموم الناس وانتقاد السلطة تتساقط تباعا في لبنان… أنا خائف على حرية التعبير وعلى لبنان من يوم أسود تنتهي فيه أكشاك الصحف الورقية من البلاد، بينما تنصبّ هموم السياسيين على تقاسم السلطة وتحديد أحجامهم فيها»، قالها وزير الإعلام الأسبق في حكومة الرئيس تمام سلام رمزي جريج. وفي تفسير لتجاهل الأسباب من قبل المسؤولين قال وزير الإعلام السابق ملحم رياشي: «الدولة تكره الإعلام الحر، وهم لا يريدونه إلا بوقاً وموظفاً عندهم».

وكان تقدم الوزير الأسبق جريج بمبادرة ترتكز على خطوات اعتمدتها واقع الصحافة المطبوعة عالمياً. ففي فرنسا مثلا تدفع الدولة الفرنسية نحو 700 مليون يورو سنوياً لدعم الصحافة مباشرة وبشكل غير مباشر. ونصت المبادرة على تخصيص الصحف الصادرة فعلياً مبلغ 500 ليرة لبنانية عن كل عدد مباع، مصحوب بوضع آلية لمراقبة المبيعات وصحة أرقامها، تأمين قروض طويلة الأجل للصحف يتبناها مصرف لبنان، إتخاذ سلسلة إجراءات وحوافز أخرى لمساعدة المؤسسات الصحفية كإعادة جدولة ديونها لدى المصارف وإعفائها من الرسوم على ما تستورده من إحتياجات لمطبوعاتها، والسعي لإنشاء صندوق وطني لدعم الصحافة بشكل مؤسسة عامة ذات شخصية معنوية مستقلة ماليا وإدارياً، على أن يتولى مجلس الوزراء تأمين الدعم من الموازنة بانتظار إقرار الصندوق. وعلى رغم ذلك «غصت» الحكومة اللبنانية بنحو عشرة ملايين دولار هي مجمل تكلفة الدعم المباشر وغير المباشر المتأتي عن مبادرة دعم الإعلام المكتوب. والجدير ذكره أن الوزير السابق الرياشي تبنى مبادرة السلف مع بعض التعديلات، بالإضافة إلى مشروع قانون خاص بتطوير نقابة المحررين مع سلة من التسهيلات لإنقاذ الإعلام المكتوب والتخفيف من أعباء المرئي، وضمان حقوق الصحافيين والإعلاميين. ومن هذه البنود، رفع تكلفة الإعلانات الرسمية في الصحف إلى 11 ألف ليرة بدلا من 3 آلاف على السطر، وتحديده بست كلمات، وإعفاء الصحف من الضريبة على القيمة المضافة على مستورداتها وما تستخدمه في عملية الطباعة والإنتاج، وكذلك من ضريبة الدخل والقيمة التأجيرية للإعلاميين ووسائل الإعلام، والرسم البلدي على الأملاك، وعلى تنفيذ الأعمال والمشاريع وعلى المجارير والأرصفة، والرسم على الإفادات والبيانات وغيرها. وتشمل هذه الإعفاءات الإعلاميين والصحافيين في محاولة لتحرير هؤلاء من بعض الأعباء لتخليصهم من التبعية أو هشاشة الأوضاع.

وحمّل رياشي في مشروع القانون الدولة مصاريف الضمان الاجتماعي عن جميع موظفي الصحف المطبوعة، وعلى الإعلاميين فقط في المؤسسات الإعلامية غير المطبوعة، وإعفاء وسائل الإعلام من الرسوم المفروضة عليها  لوزارة الإعلام بنسبة 70 في المئة  والتي تأتي على شكل ضريبة سنوية والمتراكمة عليهم كمتأخرات، وتقسيط الباقي على سنتين.

إلى ذلك تقدم الوزير السابق بمشروع قانون  نص على تعديل الفصل الثالث والرابع والخامس والسادس من قانون المطبوعات، لجهة تطوير نقابة المحررين لتصير نقابة الإعلاميين لكل الإعلاميين في لبنان. وتضمن حقوقاً أساسية ضمن شروط خاصة للإنتسابات تلحظ أصحاب الخبرة ممن ليسوا من حملة شهادة إعلام من جهة، على أن تتوقف عن قبول منتسبين جدد غير إعلاميين، مع وضع شروط لقبول غير الإعلاميين من أصحاب الإختصاصات الإنسانية (علوم سياسية واجتماعية وآداب…) لديهم سنوات خبرة محددة في الإعلام، بينما ينتسب خريج الإعلام مباشرة للنقابة بعد سنتي خبرة.

ولحظت التعديلات «ضمان سقف الحد الأدنى للتعاقد مع مؤسسات الإعلام المكتوبة والمرئية والإلكترونية، والحصانة النقابية حيث يُمنع إستدعاء صحافي دون المرور بنقابته على غرار نقابة المحامين مثلاً، تشريع مجلس النواب طابع شهداء الصحافة بقيمة ثلاثة آلاف ليرة لوضعه على كل معاملات الدولة ويعود ريعه لنقابة المحررين». في المقابل، تؤمن نقابة المحررين دفع ضعفي الحد الأدنى للأجور للعاطلين على العمل من المنتسبين إليها بانتظار إيجاد عمل جديد.

في الدول المتقدمة تقدم الدولة  الدعم المالي واللوجستي والعيني للمطبوعات لتأمين استمراريتها انطلاقا من قيمتها الفكرية والتاريخية كونها تشكل الذاكرة الثقافية والتاريخ اليومي لكل بلد، ومثل هذا الإجراء يساعد الصحيفة على الإستغناء عن الدعم الخارجي، والإرتباط بأجندات خارجية. أما بالنسبة إلى قانون المطبوعات فهناك «محكمة عليا» مؤلفة من نقابة الصحفايين ونقابة الناشرين، وهناك «مدونة سلوك» يصار من خلالها إلى مراقبة عمل الصحف والصحفيين. بينما لا نزال في لبنان بمحاكم مطبوعات عفا عليها الزمن.

والظاهر أن الزمن وحده سيذكر أنه كانت هناك صحافة رائدة في لبنان وصحافيون كتبوا ذاكرة وطن وطرزوا أحداثه وانتهوا أسماء في مانشيت الذاكرة.

(انتهى)

اقرأ أيضاً: الصحافة المكتوبة في خبر كان – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل