إميل إده.. الرئاسة الصعبة قبل الإستقلال (2)

 

كتبت نجاح بو منصف في “المسيرة” – العدد 1701

إميل إده.. الرئاسة الصعبة قبل الإستقلال

إنتخاب وتعيين وعزلة ومعارضة ونوبة قلبية (2)

هي الذكرى المئوية لإعلان دولة لبنان الكبير تتزامن وسبعين وفاة الرئيس الراحل إميل إده، أحد مهندسي حدود لبنان الكبير.. هو لبنان إميل إده سعى له قويا بحياده، لا للشرق ولا للغرب، بل لبنان أولا مع أفضل العلاقات شرقا وغربا، هو زعيم كبير من بلادنا من زمن سياسي جميل، من رجالات كبار صنعوا تاريخ لبنان الحديث، كان إميل إده في طليعتهم، أحب لبنان كثيرا، أعطى له الكثير الكثير، أخطأ مرة، لكن ثمن إخطاء الكبار كبير، المحامي اللامع أخفق في الدفاع عن نفسه، وعهده المثير للجدل قيل عنه وفيه الكثير..  حورب، ظُلم، غُيِّب كثيرا، عُتم كثيرا على إنجازاته، وما أُنصف، لكنه التاريخ يحكي..

إستقالة الرئيس

بعدها، كان لنشوب الحرب العالمية الثانية، وخسارة فرنسا وموقفها الضعيف تجاه البريطانيين، تأثير هام على صعيد الوضع والقوى المتواجدة في لبنان، ما دفع الرئيس إده إلى الإستقالة .

ففي 3 أيلول 1939 بدأت الحرب، فعلّق المفوض السامي الجديد الدستور وأصدر قرارا بحلّ المجلس النيابي والوزارة، أما رئيس الجمهورية فغدا محدود الصلاحيات لأن البلاد أصبحت في ظل حكم إستثنائي موقت.

تساءل كثيرون يومذاك عن سبب قبول إده بهذا الواقع وبقائه في الحكم بعد تقليص صلاحياته، أما هو فبقي صامتاً، لكن المقربين إليه نقلوا عنه أنه «لم يشأ التخلي عن قيادة السفينة وان يترك لبنان في ذلك الخضم المخيف في مرحلة دقيقة وخطرة».

خشي إده إن استقال ان يسند المنصب بعده الى شخص «غير لبناني العقيدة، فيفرط بحقوق بلاده ويقذف بها الى الهاوية.. فبقي في الحكم على مضض»، هكذا قال المقربون منه.

لكن صموده في الحكم ما استمر طويلا، فمع خسارة فرنسا الحرب  ونشوء أزمات عدة في لبنان، ولئلا تُنسب إليه قرارات وأخطاء إتخذتها حكومة فيشي وما كان مسؤولا عنها، قدم إده إستقالته في 4 نيسان1941 موجّها كتابا الى المفوض السامي الجنرال دانتز يبلغه فيه تنحيه من دون ذكر الأسباب.

واعتبر يومذاك ان في كلامه «أعطي إستقالتي» بدل «أقدم»، دلالة على إيمانه ان المفوض السامي ليس المرجع الصالح لقبول إستقالة رئيس الجمهورية اللبنانية المنتخب، وأجابه دانتز مستعملا التعابير نفسها.

الخطأ الكبير

وكان العام 1943، عام الثأر بين بشارة الخوري وإميل إده، بين الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية، ليشهد أيضا معركة الثأر بين الإنكليز والفرنسيين. دعم الإنكليز الشيخ بشارة بكل قواهم، ونشط الفرنسيون بدورهم لإيصال إميل إده، فيما وضع العرب في العراق ومصر وسوريا كل ثقلهم في كفة بشارة الخوري.. وكان لهم ما أرادوا…

في 21 أيلول 1943 إنتُخب الشيخ بشارة الخوري رئيسا للبنان،

وبقي في الحكم  لغاية 11 تشرين الثاني 1943، عندما حاول أن يلغي من الدستور موادا كانت تتناقض مع الإستقلال، فاعتقلته على أثرها سلطات الإنتداب الفرنسي مع الرئيس رياض الصلح وعدد من أعضاء الحكومة في قلعة راشيا.

في ذاك اليوم التاريخي، وعند الثامنة والنصف صباحا ألقى المندوب السامي الفرنسي في لبنان من راديو الشرق خطابا عنيفا أعلن فيه حلّ المجلس النيابي وتعليق الدستور وتعيين إميل إده رئيسا للجمهورية.

وقامت القيامة في لبنان، ثار اللبنانيون غضبا ورفضا.. إضرابات وتظاهرات عمّت بيروت وسائر المدن، ما أجبر الفرنسيين آخر المطاف على الإفراج عن المعتقلين والإعتراف باستقلال لبنان في 22  تشرين الثاني 1943، ليبقى بعدها بشارة الخوري رئيساً للجمهورية وكان بذلك أول رئيس للبنان بعد الإستقلال.

وما كان إميل إده يومذاك بموقف يحسد عليه، إتُهم كثيرًا، خوّن كثيرا.. وبقي صامتاً، وبقي السؤال كيف رضي إده بتعيينه رئيساً موقتاً في الوقت الذي كان رجال الإستقلال يقبعون في أقبية سجون قلعة راشيا؟

في موقف إميل إده ذاك قيل الكثير الكثير.. قيل إن خوفه على مصير الوطن دفعه للمضي في أهون الشرين، وقيل إنه وافق لأنه كان يخشى من أن ينتقل لبنان إلى السيطرة البريطانية والتي كانت ستؤدي وفقا لاعتقاده إلى زيادة التدخلات الأجنبية على حساب إستقلال لبنان.

لكن إميل إده «أخطأ حتما التقدير وإن كان محقا في خلفيات قبوله الرئاسة بالتعيين» يقول البروفسور ألكسندر أبي يونس واضع كتاب «إميل إده 1883 – 1949 قدّة الجمهورية اللبنانية»، مشيرا الى ان هاجس إميل إده الأوحد كان إستقلال لبنان الكبير وصونه بمعاهدة دفاعية مع فرنسا تحمي لبنان من سوريا ومن الحركة الصهيونية بعيدا كل البعد عن أي نية في بناء وطن قومي مسيحي يتخلى عن نسيجه المختلط وعن محيطه العربي.

ويبقى السؤال ما سرّ صمت إميل إده المطبق؟ ولماذا لم يدافع عن موقفه؟

نعم بقي إده صامتا، طلب منه الأصدقاء ان يشرح للرأي العام سرّ موقفه فكان رده: «أتعهد بنشر ذلك السرّ مشفوعا بالوثائق والأدلة القاطعة والبراهين المقنعةعندما تصبح حرية المناقشة والحوار على صفحات الجرائد مضمونة… لأن نشر تلك المذكرات يتناول أشخاصا قد لا تستطيع الأقلام ان تتناولها في هذه الظروف».

وبقيت الظروف غير موآتية، وبقيت الحقيقة الكاملة لما جرى في ذاك اليوم من تشرين غامضة، ورحل إده قبل ان تزول الموانع التي حالت دون نشره مذكراته.

ما بعد الهزيمة

بعد يوم الإستقلال، كان يوم جديد للبنان، لكنه ما كان يوم الإنكسار لإميل إده على رغم هزيمته الكبيرة، مرتكب «الخطأ الكبير». تابع نضاله السياسي، وما خسر زعامته القوية ولا حضوره السياسي البارز على رغم محاولات تطويق وإقصاء مورست عليه وعلى أنصاره «الكتلويين»، وكان بابه الى السياسة هذا المرة تياره الذي برز في انتخابات 1943 النيابية.. ففي العام 1946 وبعد تفاقم الفساد والرشوة بحيث أصبحت الدولة كما قال عبد الحميد كرامي «مزرعة الدولة»، تلقف إده اللحظة المناسبة، وكان قراره تحويل تياره الى حزب يحمل إسم «حزب الكتلة الوطنية اللبنانية».

شارك الحزب في إنتخابات العام 1947 النيابية والتي شهدت أكبر عملية تزوير من قبل السلطة التي كانت تسعى إلى الحصول على مجلس نيابي مطواع لتعديل الدستور بغية التجديد لولاية أخرى.

وقبل وفاته في 27 أيلول 1949 بنوبة قلبية في منزله في صوفر، كاد إده ان يصبح زعيما للمعارضة الوطنية بعدما إتجهت الأنظار إليه في اجتماع صوفر الشهير ضد لا شرعية التجديد للشيخ بشارة داخل منزل الرئيس ألفرد نقاش، ليتولى إده بنفسه قيادة المعارضة،  كما يروي الأب إميل اده في كتابه.

خسر إميل إده الرئاسة منذ حادثة تشرين لكنه ربح الزعامة، وسرعان ما استرد تأييد الرأي العام. نسي اللبنانيون خطأه الكبير وأحبوه زعيمًا وسياسيًا وطنيًا نزيهًا متجردًا ونظيف الكف، أحبوا فيه حبه وإيمانه بلبنان الدولة القادرة، أحبوا فيه إلتزامه بحكم القانون ولكم ردد أمام مؤيديه: «القانون قاس، لكنه القانون»، وحتما ما نسوا يوما أنه أحد صانعي «لبنان الكبير».

انتهى

• المراجع:

– كتاب «آل إده في التاريخ»

– مقالات صحافية

– كتاب «إميل إده 1883 ـ 1949 قدَّة الجمهورية اللبنانية» للبروفسور ألكسندر أبي يونس

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل