الياس سركيس… رئيس من ذهب لدولة من خشب -2

كتبت نهاد طوباليان في “المسيرة” العدد ـ 1701

الياس سركيس (23/9/1976 – 22/9/1982)

رئيس من ذهب لدولة من خشب (2)

يُجمع كل من عاصر الرئيس الراحل الياس سركيس على أن عهده كان من أنظف العهود. فالرئيس سركيس الذي تولى رئاسة الجمهورية من 23 أيلول 1976 حتى 23  أيلول 1982، تسلّم رئاسة بلد هبت فيه رياح الحروب والإنقسامات العمودية بين أبناء الوطن الواحد، مروراً بإنقسام جيشه، عدا عن تسلمه بلداً على شفير الإنهيار على كافة المستويات، متسلحاً بنظافة كفه وإيمانه بالشعب كل الشعب الذي لطالما قال له «أنا منكم، أنا لكم، أنا معكم»، فسعى طيلة عهده إلى تطبيق مقولته هذه، مهدداً بالإستقالة، ورافضاً تمديد ولايته، والتمسك بأن يكون للبنان رئيس جديد.

علّل سركيس أسباب نيته بالإستقالة وفق ما جاء في الكتاب الذي خطه بيده ونشره بقرادوني في كتابه «الظرف الحاسم يتطلب مواقف حاسمة… وقضي بوضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية». ومما جاء أيضاً بالكتاب «لقد إستلمت الحكم في ظروف مستحيلة، أملاً مني بإنقاذ وضع يائس، معتمداً على ما يملكه لبنان من رصيد عربي وعالمي، وعلى شعور عام بوجوب الخروج من الأزمة – المأساة التي أوصلتنا إلى شفير الهاوية وكادت أن تقوض كياننا»… وبعدما إستعرض خلاصة ما آلت إليه مشاركته بمؤتمري الرياض والقاهرة، تابع نص إستقالته بالقول: «أمام ضميري وشعوراً مني بالواجب تجاه وطني، وتحسساً بالمسؤولية تجاهكم جميعاً، أجدني مضطراً إلى ترك سدة الحكم»… ليعود عن إستقالته في 11 تموز… وليشهد عهده في شهر أيلول من العام 1978 على إتفاق كامب دايفيد، وإختفاء الإمام موسى الصدر والقصف السوري المركّز على الأشرفية من 23 أيلول إلى 6 تشرين الأول، إنتهت بتوصله لإتفاق مع الرئيس السوري حافظ الأسد بخروج الجيش السوري من الأشرفية والمناطق الشرقية، ليشن الجيش السوري في 2 نيسان 1981 هجوماً ضارياً على زحلة، وليتعرض لبنان في 6 حزيران 1982 لإجتياح إسرائيلي، فخروج تاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات من لبنان.

الرئيس سركيس الذي كانت له زيارات مكوكية لسوريا ومشاركة في كل القمم العربية وآخرها ، قمة فاس في المغرب في 25 كانون الأول 1981، وعاد منها متأكداً ان «لا حل عربياً للأزمة اللبنانية، وأن بارقة الأمل التي لاحت في بداية عهده، قد إنطوت إلى غير رجعة»، وفق ما أورده الزميل نجم الهاشم في كتابه الموثق عن الرئيس سركيس بعنوان «أنا منكم… الرئيس الياس سركيس»  الصادر في  شباط 2012.

والرئيس سركيس الذي عرف عنه أنه قليل الكلام ويتحفظ في إبداء رأيه، بدل في طبعه. ويروي بقرادوني في كتابه «السلام المفقود» منذ قمة تونس (20 تشرين الثاني 1979)، لم يعد الياس سركيس يتررد في إبداء آرائه بوضوح وصراحة. لقد تغيّرت لهجته وتبدلت لغته. إنه الآن يتكلم أكثر وبلا تحفظ. أصبح أوفر ثقة بنفسه وأكثر إطمئناناً إلى المستقبل… يتباهى بأنه مقاوم على طريقته، لإنه لم يتنازل عن أي شيء لأحد، ويلوم الحركة الوطنية على إرتباطها بالفلسطينيين والسوريين، ويذكر منظمة التحرير الفلسطينية بتجاوزاتها وتعدياتها، ويواجه سوريا بإستقلالية القرار اللبناني والرفض المسيحي، ويرسم للولايات المتحدة الأميركية لوحة قاتمة عن تصرفاتها الغامضة «…

إتسم عهده، وفق ما أورده كريم بقرادوني (المرجع نفسه) أن ولايته «شهدت عملياً إلغاء إتفاقية القاهرة، السبب الأول لحرب لبنان، وقد أصبحت هذه الإتفاقية باطلة في الجنوب بفضل القرارين 425 و426 اللذين أصدرهما مجلس الأمن الدولي عام 1978، ثم ملغاة في كل لبنان، على أثر قبول منظمة التحرير الفلسطينية بخطة فيليب حبيب عام 1982. وللمرة الأولى منذ 1969، لم تعد دولة منظمة التحرير موجودة شرعاً في لبنان، فلا عمل عسكري ولا نشاط سياسي ولا تسليح المخيمات… ففي أيام سركيس الأخيرة، إستعاد لبنان حقه المطلق في بسط سيادته على كل أرضه، وفي تطبيق القانون اللبناني على كل الفلسطينيين، وأصبح الجيش اللبناني يشرف إشرافاً تاماً على بيروت».

ويسجل وفق بقرادوني أن الرئيس سركيس وضع حداً لإنتداب قوة الردع العربية بقرار لبناني موحد شارك فيه المسلمون والمسيحيون… كما ويسجل له خلق إرادة وطنية موحدة ومعارضة جماعية شاملة لكل وجود عسكري غير لبناني في لبنان… وإصراره على التعايش بين المسلمين والمسيحيين.

أنهى الرئيس سركيس عهده بتبني ترشيح بشير الجميل ودعم وصوله لسدة الرئاسة، والمشاركة في تحضير معركته الإنتخابية بهدف إيصاله إلى قصر بعبدا. رتب له زيارة المملكة العربية السعودية، ولينتخب لاحقاً رئيساً في 23 آب 1982 في ثكنة الفياضية. وفيما كان يستعد  سركيس لتسليم الأمانة للرئيس المنتخب الذي نجح في جمع شمل اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب والمناطق حول حلمه بتحويل لبنان المزرعة إلى لبنان الدولة، إغتيل بشير الجميل في 14 ايلول، وعلى بعد أيام من تسلمه الرئاسة. إنكسر حلمه ومشروعه لإنقاذ لبنان، ورفض كل الوساطات من أجل قبوله التمديد سنتين لعهده. كان موقفه حازماً، فسلم الأمانة للرئيس المنتخب أمين الجميل، وغادر قصر بعبدا، تاركاً في صندوق النفقات 3 ملايين دولار، وفي خزينة الدولة الذهب الذي إشتراه. غادر القصر وستة أعوام من عهده والليرة اللبنانية محافظة على إستقرارها، ووضع إقتصادي مزدهر في عز الحرب.

وفي شهادة للوزير السابق ميشال إده في ندوة عقدت في  مركز عصام فارس في أيار 2013، قال إن الرئيس سركيس «كان ربان باخرة مخلّعة وأعزلا إلا من نقاوته اللبنانية ونزاهته النادرة، وتسلم في 23 أيلول 1976 سدة الرئاسة في جمهورية قصرها الرئاسي مهجور والدولة فيها دويلات، مجردا من أبسط المقوّمات والقدرات الكفيلة بالحفاظ على الجمهورية واستعادة الدولة بوحدة مؤسساتها»، وبأن «مهمة الرئيس شهاب في بناء الدولة تحولت مع سركيس مهمة إنقاذ لبنان، دولة وكيانا وصيغة، من التفكك والإندثار».
وفي سياق متصل، إعتبر الكاتب السياسي سمير عطالله في مقالة صدرت له في 19 حزيران الفائت في صحيفة «النها» أن  الرئيس سركيس أمضى عهده في «حفظ كرامته ومال الدولة وكرامة لبنان… بلغت الحروب في عهده ذروتها، وبقي تعلقه وشهامته وحفظ اليمين في  ذرواتها». وأضاف عطالله في مقالته: ترنح لبنان في الإحتلال والتقاتل والإنحلال الوطني والخيانات، وبقي القصر الجمهوري محاطاً بخلق سيده. وقف دب يدعى أرييل شارون الى جانب دبابته على بعد أمتار من قصر بعبدا، فهدد حارس الجمهورية الأميركيين، بأنه إذا دخل الإسرائيليون حديقة القصر، فسوف ينتحر.

وفيما وصفه عطالله بأنه كان «أقوى وأشجع رئيس في تاريخ لبنان، منذ أن انتقل كميل شمعون من وراء مكتبه في قصر القنطاري إلى وراء أكياس الرمل، ليقاتل بنفسه حتى لحظة الخروج»، جزم أنه «بقي الأقوى، برغم أن لا جيش خلفه مثل فؤاد شهاب، ولا شعبية كبرى مثل شمعون، ولا كتلة دستورية عربية مثل بشارة الخوري، ولا عزوة وطنية مثل سليمان فرنجية، وبلا أبناء وبلا أصهار، وبلا مال وبلا خراب».

ونقل عطالله في مقالته تلك أن الرئيس الراحل الياس الهرواي كان يروي أنه «عندما تولى الياس سركيس الرئاسة، كان في صندوق النفقات السرية للقصر الجمهوري 3 ملايين دولار، وعندما ترك القصر في اليوم الأخير من عهده، كان في الصندوق 3 ملايين دولار».

هذا ويجزم كثر ممن واكبوا الرئيس سركيس أنه منذ كان موظفاً حتى اللحظة الأخيرة من عهده وحياته «لا يرتشي ولا يخاف، ولم يتلفظ يوماً بكلمة طائفية، ولم يوظف محسوباً في مكان، ولم يتعاط مسألة عائدة للدولة… وكانت قاعدته الوحيدة للتوظيف «شروط  مجلس الخدمة المدنية، من دون التنازل عن حصة المسيحيين».

وفي شهادة للوزير السابق الياس سابا عن عهد سركيس، تعود للعام 1995، إعتبر أنه «قد تكون المحافظة على المؤسسات أهم ما أنجزه الرئيس سركيس في عهده، إذ كان حريصاً جداً عليها، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو قضائية أو أمنية أو نظامية، وحاول جهده ألا يجعل الدولة تنحاز إلى فريق سياسي داخل لبنان على حساب فريق أخر، ونجح في إبقاء الدولة على الحياد خلال الصراع في وجهه الداخلي».

شهد عهد الرئيس سركيس 4 حكومات، إثنتان مع الرئيس سليم الحص وحكومة الرئيس تقي الدين الصلح التي لم تعمّر ألا أشهرًا قليلة وحكومة الرئيس شفيق الوزان الذي وصف عهد سركيس في حديث له في 17 تشرين الأول 1995 بأنه «كان ممتلئاً بالأحداث، وقد أمضى السنوات الأولى من عهده وهو يحاول جمع المسؤولين بحكومة واحدة، ولكن الظروف لم تكن مؤاتية، فسلك طريق المحافظة على الحد الأدنى من المصالح اللبنانية لعدم الوصول إلى التقسيم. وكان هاجسه أيضاً الوضع الإقتصادي وكيفية الحفاظ على قوة الليرة اللبنانية الشرائية وتثبيت سعر صرفها في مقابل العملات الأجنبية».

ما سبق، هو غيض من فيض عهد الرئيس الراحل الياس سركيس الذي سعى طيلة فترة عهده إلى الحفاظ على كيان لبنان، فكان رئيساً من الشعب، آمن بلبنان الواحد والموحد، وعمل طيلة عهده على عزل السياسة عن الإقتصاد، مؤكداً للجميع ما سبق وقاله لهم بعيد إنتخابه «أنا منكم. أنا لكم. أنا معكم».

(انتهى)

إقرأ ايضاً: الياس سركيس… رئيس من ذهب لدولة من خشب -1 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل