17 تشرين الأول ميلاد الثورة -2

 

كتبت جومانا نصر في المسيرة – العدد 1702

17 تشرين الأول ميلاد الثورة

«هيلا هيلا هو»  الشعب انتفض يا حلو (2)

ودقت ساعة الثورة. الخميس17 تشرين الأول 2019. المشهد لا يشبه نفسه أقله في لبنان. تلك الليلة وضع اللبنانيون مذاهبهم وطوائفهم وانتماءاتهم السياسية والحزبية جانبًا ونزلوا إلى الشارع وهتفوا: ثورة.. ثورة.. ثورة. في اللحظة الأولى كانت الخلفية على قرار فرض ضريبة على «الواتساب». لكن تبيّن أن المكتوب أبعد بكثير. 18 تشرين الأول صاح الديك على مشهد إنتفاضة الشعب اللبناني وانطلقت الثورة.

17 تشرين الأول 2019. يوم مجيد فرض نفسه على الذاكرة والتّاريخ، وبغض النظر عن النتائج التي ستكتب، فالثابت أن ما بعد 17 تشرين لن يكون كما قبله بعدما تظهّرت معادلات كثيرة على مستوى وطن وشعب قرر أن لا يعود منها إلّا منتصرًا.

ثمة من لا يزال يفتش عن إسم هذه الظاهرة. هل تكون  ثورة، إنتفاضة، حراك، إحتجاجات؟… إختلفت التسميات والثورة واحدة كما الأسباب: فساد السلطة الذي أوصل الناس والعباد إلى الإنهيار. أما المطالب فبدأت معيشية وصولا إلى إسقاط كل منظومة الفساد السياسي وتشكيل حكومة تكنوقراط. المهمة مستحيلة؟
لكن ماذا لو حققت الثورة مطاليبها وماذا لو لم تتحقق؟ لماذا تصر السلطة على تجاهل الثورة الشعبية وأسبابها؟ هل اللبنانيون شعب ثائر؟ وهل ستغيّر هذه الثورة في نتائج صناديق الإقتراع في الإنتخابات النيابية؟ هل تخطت الثورة مفهوم الإلتزام الحزبي؟

عندما يبتكر اللبنانيون أساليب جديدة للتعبير عن اتحادهم مطالبين بالمحاسبة «كلن يعني كلن» كما فعلوا في السلسلة البشرية الطويلة، وعندما تمزّق طرابلس صور زعاماتها وتتحول لأيقونة عالمية في انتفاضة أبنائها، عندما يحدث كل هذا وأكثر، يكون لبنان، اصطلاحا وفعلا قد دخل في مرحلة «ثورة» بعد أن حددت المعركة أقطابها: الناس في وجه السلطة والفساد. ما بعد 17 تشرين 2019 لن يكون كما قبله.

من ثورة الأرز إلى 17 تشرين..

سلمية سلمية

المشهد جديد. من عقود لم ينزل اللبناني إلى الشارع ويهتف بصوت واحد ثورة. ثورة. ولا مرة توحَّد اللبنانيون على شعار واحد، على علم واحد. الجوع وحَّدهم. الفساد الذي نال من كراماتهم وحّدهم، أحلامهم التي تبخرت في وطن دفعوا ثمنه آلاف الشهداء يعيش فيه أبناؤهم وحدهم. الوجع واحد، والصرخة واحدة. «ثوار أحرار ح نكمل المشوار.. وسلمية.. سلمية».

يقول المحامي عون: «الشعب اللبناني متمسك بتقاليده لكن ممارسات الطبقة السياسية التي حرمته من أبسط حقوقه الإجتماعية حوّلته إلى شعب ثائر. فاللبناني لا يثور إلا عندما يشعر بأن كرامته كإنسان باتت سلعة متداولة في أيدي تجار الهيكل وعندما تُنتهك حرياته، فكيف بالحري عندما تدفعه إلى حافة الجوع والفقر والقلق على مستقبل أولاده؟».

لكن ثمة من يحاول المقاربة بين ثورة الأرز وثورة 17 تشرين الأول أقله لجهة نزول اللبنانيين إلى الشارع بشعار واحد: «حرية وسلمية»، ويجيب عون: «ثورة الأرز كانت صرخة سيادة وإستقلال في وجه جيش محتل وسلطة متواطئة مع الإحتلال. لكنها بقيت على مستوى فئة ولو أنها جمعت بين المسيحيين والمسلمين على مطلب سيادي  للمرة الأولى لكنها لم تتمكن أن تصبح عابرة للطوائف والمناطق والأحزاب. وبقيت المتاريس الطائفية والمذهبية قائمة ومتماسكة بين 8 و14 آذار وانقسمت البلاد عموديا. أكثر من ذلك لم تحاكِ ثورة الأرزحاجات الشعب اللبناني من العدالة الإجتماعية الى المطالبة بدولة غير فاسدة وقضاء نزيه وإدارة رشيدة وعصرية، ولم ترسم للبنانيين أفق المستقبل الزاهر للأجيال الطالعة، فكانت ثورة على الإحتلال ودعوة إلى التحرير وليس على التخلف والفساد والدعوة إلى التغيير. أما ثورة 17 تشرين فهي شعبية بامتياز وذات مضمون إجتماعي وإقتصادي وإنساني وذات مطالب وطنية وليس فئوية وحزبية، أضف إلى ذلك أنها نجحت في تحريك جيل الشباب الذي لم يعش مأساة الحرب الأهلية والمتحرر من رواسبها ومتاريسها البسيكولوجية. من هنا نرى بإن هذه الأحزاب التي تعتمد هذه المتاريس فشلت في تعاطيها مع الثورة وشعر الملتزمون، كما المناصرون، بأنهم باتوا خارج الأطر، ولا سيما الأحزاب التي لم يلتزم قادتها وزعماؤها بعهودهم ووعودهم تجاه قواعدهم.

بعد يومين على إندلاع الثورة تبلور الموقف، فالصراع بات واضحا بين طرفين: النخبة السياسية المتمثلة في الرئاسات الثلاث (رئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان) من ناحية، وبين الثوار في الشارع من ناحية أخرى، حيث أعلن الرئيس سعد الحريري عن حزمة إصلاحات اقتصادية بعد انتهاء مهلة الأيام الثلاثة التي قال إنه منحها لشركائه في الحكومة، وكانت الطبقة السياسية تعوّل على أن تؤدي تلك الإصلاحات لإقناع غالبية المحتجين بالعودة إلى منازلهم، وبالتالي عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 17 تشرين الأول مع بعض الإجراءات التي ربما تحسن قليلاً من الظروف المعيشية الضاغطة. لكن الثوار في الشارع تمسكوا أكثر بمطلبهم وهو التغيير الشامل واستقالة الطبقة السياسية بأكملها «كلن يعني كلن»، وبدأوا في التصعيد بطرق متعددة، أبرزها إغلاق الشوارع والإعتصامات في الساحات الرئيسية لفرض حالة عصيان مدني على أرض الواقع. وبدأت لعبة شد الحبال بين السلطة التي تراهن على الوقت لإنهاك الثوار والطرف الثائر المصر على عدم التراجع».

ما بعد 17 تشرين لن يكون كما قبله

يخطئ من يظنّ أن الأمور في لبنان ستعود إلى ما قبل 17 تشرين الأول. فزمن قمع الناس لتغيير رأيهم وطمس مطالبهم وإخضاعهم بالقوة ولّى. وبات من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. صحيح أن للحرية أثمانها لكن الثوار قرروا أن لا عودة إلى ما قبل 17 تشرين الأول مهما كلف الأمر. فهم يعلمون أن ما فُرض على الشعب بالقوة، سواء من إفرازات الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، أو بعدها، سينتهي. والقمع سيؤدي إلى التحرّر.
ماذا بعد؟ سيحصل الكثير أقله في الإنتخابات النيابية المقبلة. فهل ستتغيّر مشهدية الأسماء التي ستسقط في صناديق الإقتراع سواء كانت انتخابات نيابية مبكرة كما يطالب بها الثوار أو في موعدها المقرر في ال2022؟

«إذا حصلت انتخابات نيابية مبكرة، فالمشهد داخل البرلمان سيكون مختلفا ويشكل مفاجأة على غرار نتائج انتخابات نقابة المحامين في بيروت التي فاز فيها المرشح ملحم خلف، وبالتالي قد نرى عددًا كبيرًا من النواب من المجتمع المدني في مجلس النواب نتيجة سقوط تحالفات كافة الأحزاب السياسية والتقليدية لصالح مرشحي الثورة. لكن الثابت أن القوى السياسية التي لا تقيم إعتبارا للثورة لن تسمح بإجراء انتخابات نيابية مبكرة للأسباب التي ذكرناها. أما إذا حصلت في موعدها سنة 2022 فالنتائج قد تكون مشابهة لما ورد إذا استمرت الأزمة السياسية والإجتماعية، وهنا لا بد من التذكير بأن مطلق أي أزمة إقتصادية تحتاج إلى 5 سنوات على أقل تقدير لاستعادة الدولة أنفاسها ماليا وإقتصاديا».

في الشكل والمضمون فات الأوان والزمن لن يعود إلى الوراء، والتغيير في العقل الجماعي سيؤدي إلى أمر أكبر بكثير. «17 تشرين» وضع حجر الأساس لتشكيل شعب لبناني عابر للطوائف والمناطق في وجه سلطة تسعى إلى إبقاء اللبنانيين مجرّد مجموعات متناحرة تتقاتل في ما بينها من أجل ديمومة أحزاب السلطة ومكتسباتهم. وإذا سلمنا بأن السلطة تملك مساحة وطن استخدمته لمصالحها وغاياتها ومصالحها الشخصية على مدى عقود، إلا أن زمن الحرية آتٍ. والأمثلة على ذلك عديدة.. أوروبا الشرقية وجدار برلين، تونس… السودان. فهل ستحقق الثورة نتائجها في لبنان؟

«المسار الطبيعي للثورات يتوقف على أسلوب المواجهة الذي تعتمده السلطات. فإذا ما استمرت أدوات وأساليب مواجهة الثورة سلمية إلى حد ما، أي كما هو الواقع  حتى الساعة، من دون سقوط نقطة دماء واحدة فهذا يؤكد بأن الثورة ستحقق أهدافها وتنتصر لأن الإنهيار الإقتصادي والإجتماعي سيفرض نفسه على المعركة وسينقل الثورة إلى داخل صفوف الأحزاب المعارضة لها. لكن الثابت أنه لن يتحول إلى صراع طائفة ضد طائفة.

لكن هذه النتيجة لن تتحقق، ومن المرجح أن تبدأ السلطة من خلال أدواتها العمل على إسقاط الثورة، وقد تحصل مواجهات من شارع إلى شارع مع اعتماد العنف المفرط لأنه لن يكون هناك خيار آخر. وسينتج عن هذه الإستراتيجية الجديدة مشهد جديد على الأرض وهنا نكون دخلنا مرحلة تحلل الجثة السياسية وهو لا يقل خطورة عما هو عليه في كل من سوريا والعراق (تقوقع المناطق على بعضها وسلطات أمر واقع) في انتظار حصول تغيير جيواستراتيجي يُعيد رسم خطوطها على ضوء نتائج الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط.

استراتيجية جديدة للأحزاب وإلا..

ليست مقولة ما بعد 17 تشرين الأول لن يكون كما قبله محصورة فقط بالمشهد السياسي وحسب. فكيفية تعاطي الأحزاب اللبنانية مع المناصرين والملتزمين الذين نزلوا إلى ساحات الثورة تلقائيا ومن دون أمر مباشر من قيادات أحزابهم تحتاج إلى إعادة النظر في استراتيجيتها لتكون منسجمة مع تطلعات المحازبين والمناصرين الثوار. وفي هذا السياق يوضح المحامي عون: «مما لا شك أن عددا من الأحزاب اللبنانية بدأ باستشراف مرحلة ما بعد الثورة، والمطلوب مواكبة الثورة من خلال خطوات استراتيجية وتكتية وإعادة النظر على مستوى الأداء الإعلامي والسياسي، والقيام بمقاربة جديدة للبنى التنظيمية والداخلية الحزبية بما يتواءم مع الروح الديمقراطية المنبثقة عن الحراك الثوري وحركة الوعي الإجتماعي والحقوقي والإنساني والسياسي الذي أوجدته ثورة 17 تشرين الأول، لا سيما في صفوف جيل ما بعد الحرب الأهلية الذي يؤمن بمبادئ سياسية تختلف عن تلك التي نادى بها جيل الحرب. وإذا ما أرادت ضمانة استمراريتها عليها أن تواكب تطلعات هذا الجيل وإعادة تنظيم حراكها السياسي وكودرته في إطار وطني جامع. من هنا يفترض على قيادات الأحزاب اللبنانية وضع برنامج سياسي جديد لها واعتماد خط إعلامي وخطاب سياسي يحاكي تطلعات الناس وينتج عنه سياسة إجتماعية مجدية تساهم في بناء ثقافة سياسية مواطنية صحيحة بعيدا من الإنقسامات والمتاريس النفسية، إضافة إلى إعادة النظر في بنيوية الإدارات الحزبية لتأمين التواصل الصحيح والتمثيل الديمقراطي المعبر عن تطلعات القاعدة وعقد مؤتمرات حزبية عامة وإجراء انتخابات داخلية لمواكبة حاجات الشباب. وإذا سلمنا ان الثورة أيقظت الشعور بضرورة الإنتقال من الأحزاب والطوائف إلى الوطن لكن هذا الشعور لا يزال على مستوى رد الفعل العفوي ولم يعبر إلى عمق الوجدان الفردي والجماعي لأن ذلك يتطلب مرحلة طويلة من التنشئة والتثقيف السياسي وممارسة زمنية لآليات التعبير عن هذا التغيير الفكري في الحياة الواقعية، وهذا يُترجم  من خلال دراسات ومقالات وإقامة ندوات فكرية وخلوات ينظمها أهل الفكر والثقافة السياسية لإنضاج المفاهيم الفكرية الجديدة ورسم الخطوط العامة لدولة لبنان الجديد. وهذا هو المسار الإلزامي للإنتقال بأحداث 17 تشرين الأول من الإنتفاضة إلى الثورة الحقيقية عبر بلورة هذه المفاهيم وزرعها في الوجدان».

الثورة كمصطلح سياسي هي الخروج من الوضع الراهن وتغييره باندفاع يحركه عدم الرضا أو التطلع إلى الأفضل أو حتى الغضب. والثورة تدرس على أنها ظاهرة إجتماعية تقوم بها فئة أو جماعة ما، بهدف التغيير (من دون تحديد أفق زمني لذلك) وفقا لأيدولوجية هذه الفئة أو الجماعة، وهي لا ترتبط بشرعية قانونية، كما تعبّر عن إنتقال السلطة من الطبقة الحاكمة إلى طبقة تحاكي مطالب وتطلعات الثوار. لكن ماذا في نهاية الثورة وهل من رابح أو خاسر في مفهوم الثورات؟

المواطن والإنسان هو الرابح أولا وآخرا في الثورات، أما الخاسرون فتجار الهيكل وهذا هو المسار الطبيعي لاستعادة الوطن وفقا للصورة المشرقة التي استشهد من أجلها الآلاف من أجل الوصول إلى الوطن السيد والمستقل والدولة العصرية التي تؤمن للإنسان فيها حياة حرة وكريمة.

منذ 17 تشرين الأول 2019 لبنان ينتفض. الناس في الشارع يهتفون ثورة ثورة فيما أهل السلطة يحاولون البقاء متربعين في أبراجهم العاجية، «يبخّون» سمومهم عبر أحزابهم وأتباعهم ويشوّهون الثورة بحملات تخوين وتهويل والتواطؤ والتعامل مع جهات مشبوهة وسفارات أجنبية. بعض المناطق مثل الزوق وجل الديب وطرابلس وصيدا تحولت إلى أيقونات في الثورة، وحدها لعنة الـ»هيلا هيلا هيلا هيلا هو» ستلاحق تجار الهيكل إلى ما بعد بعد الثورة، ليبقى «لبنان ينتفض» في وجه السلطة حتى الإنتصار المنتظر.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: 17 تشرين الأول ميلاد الثورة -1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل