بين عزل إيران و… عزل ترمب – 2

واشنطن – خاص “المسيرة” – العدد 1702

بين عزل إيران و… عزل ترمب

واشنطن أمام عام حاسم ومصيري داخليًا وخارجيًا (2) 

 

شكلت التطورات على الصعيدين الخارجي والداخلي للولايات المتحدة خلال العام 2019 محورًا مفصليًا في رسم معالم العام المقبل، حيث أن التوترات في الخارج تهدد بالإمتداد وجذب الإنتباه تماماً بينما يجاهد الرئيس الأميركي من أجل بقائه السياسي في الداخل في ضوء قضية العزل التي يحارب بها الديمقراطيون ليس الرئيس بذاته وإنما الحزب الجمهوري علهم يستطيعون العودة إلى الحكم في البيت الأبيض طالما أن عزل الرئيس سيسقط في محكمة مجلس الشيوخ. هكذا إذاً تراقب الإدارة الأميركية مختلف الإحتجاجات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وربما تدفع الإحتكاكات الطويلة الأمد بين الولايات المتحدة وإيران إلى ذروتها في الأشهر المقبلة، وربما حققت السياسة الأميركية للمرة الأولى نجاحًا في النزاع الطويل الأمد مع إيران في الداخل حيث يشعر الإيرانيون بالإحباط بسبب الاقتصاد الذي يتداعى تحت وطأة العقوبات الأميركية.

 

حلحلة على مستوى الخليج

في ضوء ما تقدم وعلى الرغم من بروز عوامل مواجهة أخرى في منطقة الخليج العربي، كان لافتاً أن السعودية والإمارات تستكشفان حواراً محتملاً مع طهران وحلفائها حول تخفيف التوترات في اليمن وأماكن أخرى. وقد باتت دول الخليج أكثر تقبلاً لفكرة المحادثات مع إيران ووكلائها جزئياً لأنها فقدت بعضاً من ثقتها السابقة في الولايات المتحدة كمدافع عسكري موثوق به. وتُعد هذه هي إحدى تداعيات سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخاطئة. ويشير الخبراء إلى أن دول الخليج الحائرة من سياسة ترمب ومع دخول الولايات المتحدة مع العام الجديد عام الانتخابات الرئاسية من بابه الواسع، فإن هذه الدول تلجأ على نحو متزايد إلى تأمين نفسها من خلال المراهنة على الدبلوماسية والإعتماد الكبير على روسيا والصين. وفي تلك الأثناء، تسعى الولايات المتحدة إلى إجراء حوار حساس مع إيران، عبر قناة إتصال دبلوماسي سويسرية، حول تبادل محتمل للأسرى. ويأتي على رأس القائمة الإيرانية مسعود سليماني، العالم الذي اُعتقل في مدينة شيكاغو العام الماضي بزعم محاولته تصدير مواد بيولوجية إلى إيران. وتملك الولايات المتحدة قائمة طويلة من الأسرى الذين تريد إطلاق سراحهم في أي عملية تبادل. وقد نجحت المفاوضات في إطلاق سليماني مقابل شي يو وانغ الأميركي من أصل صيني الذي كانت تعتلقه إيران منذ ثلاثة أعوام بتهمة التجسس.

وهكذا إذاً فإن النشاط الدبلوماسي الجديد المتعلق باليمن يتجلى بوضوح من خلال وساطة يوسف بن علوي، وزير خارجية سلطنة عُمان، التي تُعتبر وسيطاً رئيسياً بين الولايات المتحدة وحلفائها وإيران. كما يلاحظ أيضًا أن التوترات بدأت تتقلص على جبهات أخرى في الخليج. فبعد الهجمات الإيرانية على ناقلات النفط في المياه الإماراتية في شهر حزيران من العام 2019، أرسلت الإمارات في أواخر تموز وفداً من خفر السواحل إلى طهران لإجراء محادثات مع القوات البحرية التابعة لفيلق الحرس الثوري الإسلامي. كما قامت السعودية باستشراف سلسلة من العروض للتوسط مع إيران من الكويت وسلطنة عُمان وباكستان وفرنسا واليابان، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي قناة رسمية بين البلدين. ويريد السعوديون من إيران أن تتعهد بالتوقف عن تصدير ثورتها واحترام سيادة جيرانها، قبل بدء أي محادثات.

في أي حال يجمع الخبراء على القول إن إيران تمثل قضية جيوسياسية واستراتيجية ضخمة، وقد كان هذا صحيحاً حتى قبل ثورة 1979 التي أطاحت بالشاه، عندما كانت طهران حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة. واليوم، تؤدي حقيقة أن إيران هي العدو الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى تعقيد المخاوف الأمنية العديدة في المنطقة.

 

الإنسحاب من شمال شرق سوريا

أنهت إدارة الرئيس الأميركي قرارها الاستراتيجي بالإنسحاب من شمال شرقي سوريا، مع نهاية العام مع الإبقاء على نحو ستمئة جندي أميركي في المنطقة، بينما عبّر قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكينزي عن خيبة أمله حيال الممارسات التركية، مؤكداً عدم وجود موعد محدد لخروج قواته من سوريا، حيث تواصل الولايات المتحدة حربها جنباً إلى جنب مع قوات سوريا الديمقراطية ضد فلول وعناصر تنظيم «داعش»، لكن تقريراً أصدره المفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية رسم صورة شبه قاتمة للوضع، إذ رجّح قدرة «داعش» على إنشاء شبكات سرية، وإعادة تنظيم صفوفه وشن هجمات إرهابية من جديد ضد الغرب، مستغلاً الإضطراب الذي سبّبه الغزو التركي للمنطقة. وقد أعلن وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر القرار الرسمي بالإبقاء على هذا العدد من الجنود، ويشير إعتراف إسبر إلى نهاية فترة إضطراب وغموض بشأن الوجود العسكري الأميركي في سوريا بعد أمر الإنسحاب الأولي الذي أصدره الرئيس دونالد ترمب في شهر تشرين الأول. ومنذ إعلان ترمب تراجع حجم القوات الاميركية في سوريا بنحو 40 في المئة وكان عدد الجنود الأميركيين في سوريا يصل إلى نحو ألف فرد.وأكد إسبر احتفاظ وزارة الدفاع بالقدرة على إدخال أعداد صغيرة من القوات وإخراجها وفقا للضرورة في سوريا. وقد خفف ترمب من خططه للإنسحاب من سوريا بعد أن تعرض لانتقادات من الكونغرس شارك فيها عدد من كبار أعضاء الكونغرس من الحزب الجمهوري المنتمي إليه والذين يقولون إنه مهد الطريق أمام الهجوم الذي هددت به تركيا منذ وقت طويل ضد القوات الكردية في سوريا والتي كانت من أكبر حلفاء أميركا في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

ويشعر دبلوماسيون في حلف الأطلسي بالقلق من أن تركيا العضو في حلف الأطلسي منذ العام 1952 تتصرف بشكل أحادي الجانب على نحو متزايد، حيث شنت هجومها في سوريا على قوات تدعمها الولايات المتحدة وقامت بشراء منظومة الدفاع الجوي من روسيا. ووفق أوامر ترمب، ستتمركز القوات الأميركية بالأساس في محافظة دير الزور السورية لحماية الحقول الغنية بالنفط، إلا أن البنتاغون يصر على أن مهمة حماية حقول النفط ليست سوى جزء من حملة أوسع لهزيمة التنظيمات الإرهابية. وعلى الرغم من الإضطراب الذي سببه الغزو التركي لشمال سوريا، فإن الجنرال فرانك ماكينزي، قائد القيادة المركزية بالجيش الأميركي عبّر عن ثقته بقدرة التحالف الدولي ضد «داعش» على اصطياد مَن تبقّى من عناصر التنظيم الإرهابي في مواقعهم المحدودة المبعثرة في سوريا والعراق، مؤكداً أن قتل أبو بكر البغدادي في الغارة التي شنتها القوات الأميركية قطعت رأس التنظيم، وأن التحالف الدولي مستمر بجهوده لاصطياد أبو إبراهيم الهاشمي القرشي الذي حل محل البغدادي في قيادة «داعش».

وعلى الرغم من التطمينات التي أوحى بها كل من وزير الدفاع وقائد القيادة المركزية، إلا أن تقريرا صدر عن مكتب المفتش العام لوزارة الدفاع الأميركية الذي يُعدّ بمثابة هيئة رقابية، توقع فيه أن يستغل «داعش» حالة الفوضى التي نجمت عن الغزو التركي، فضلاً عن الإنسحاب الجزئي للقوات الأميركية، لإعادة تجميع بقاياه والتخطيط لشن عمليات إرهابية ضد الغرب. وأبلغت وكالة إستخبارات الدفاع التابعة للبنتاغون، مكتب المفتش العام، أنه من المرجح أن يكون «داعش» أكثر حرية في إنشاء شبكات سرية ويحاول إطلاق سراح مسلحيه وأُسَرهم المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل الوحدات الكردية عمودها الفقري، كما أشارت وكالة إستخبارات الدفاع إلى أن وفاة البغدادي سيكون لها تأثير ضعيف في قدرة «داعش» على إعادة تجميع وحشد عناصره.

ويعتبر المراقبون أنه في حين أن البنتاغون يصر على أن القوات الأميركية الباقية في سوريا تركز على هزيمة «داعش»، فإنهم في الوقت ذاته أبدوا شكوكهم حيال طبيعة المهمة الأميركية، إذ أشاروا إلى أن التهديد الأساسي للنفط يأتي من القوات الروسية وقوات النظام السوري وليس من تنظيم «داعش» الضعيف. ولعل أحد أبرز الأسئلة يتمثل فيما إذا كانت القوات الأميركية تملك تفويضاً قانونياً يسمح لها بالإشتباك مع القوات الإيرانية أو قوات النظام السوري، ذلك أن التفويض الصادر للقوات الأميركية عام 2001 لا يخوّلها إطلاق النار ضد قوات نظامية تمثل دولاً أخرى، إلاّ إذا كانت في حال دفاع عن النفس.

ووفق تقرير البنتاغون، فإن الغزو التركي والإنسحاب الأميركي المبدئي قوّضا الإستقرار وأعاقا جهود المساعدات الإنسانية، فعلى سبيل المثال، وجهت الخارجية الأميركية مجموعةً صغيرة من الأشخاص المنتشرين في شمال سوريا بالخروج منها بسرعة، على الرغم من أن هذه المجموعة كانت وصلت قبل فترة وجيزة جداً بعد ستة أشهر من الغياب بسبب قرار سابق بالإنسحاب صدر عن ترمب في شهر كانون الأول من العام 2018. وعلى الرغم من نقص أعداد الأشخاص التابعين للخارجية الأميركية على الأرض في شمال شرقي سوريا، إلاّ أنّ البيت الأبيض وافق في ظل أحداث الغزو على تخصيص 50 مليون دولار بشكل عاجل إلى جماعات حقوق الإنسان السورية كي تعمل على إزالة بقايا المتفجرات وتحقيق الأمن للمجتمع وتوثيق إنتهاكات حقوق الإنسان وخروقات القانون الدولي الإنساني ودعم الناجين من التعذيب والعنف على أساس النوع.

وبينما أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن المساعدات ستتواصل، حذّر تقرير المفتش العام لوزارة الدفاع من تزايد الحاجات الإنسانية في شمال شرقي سوريا، نتيجة لما سبّبه الغزو التركي من ترحيل مئات الآلاف من المواطنين، وإصابة مئات المدنيين وتدمير البُنى التحتية الحيوية.

ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن الاستراتيجية الأميركية تحتاج إلى حماية مصالح الأميركيين الحيوية ولكن بتكاليف مستدامة، واعتبروا أنه من خلال فتح الباب أمام تركيا للإستيلاء على شمال سوريا، فقد إرتكب ترمب ما وصفه الجنرال المتقاعد جاك كين بأنه خيانة وخطأ استراتيجي، ولهذا فإن السبيل للحد من التورط الأميركي في هذه المنطقة التي ما تزال حرجة لا تتمثل في الإبتعاد وخلق فراغات، بل في تمكين الحلفاء المستعدين للقتال من أجل المصالح التي تشاركهم فيها الولايات المتحدة. فقد تمتعت الولايات المتحدة بموقف مواتٍ للغاية في الحرب على «داعش»، لأن حلفاءها الأكراد والعرب تحملوا العبء الأكبر وخسروا أكثر من أحد عشر ألف قتيل وجريح. وبينما لقى ستة أميركيين فقط حتفهم، كان النصر على «داعش» ليغدو مستحيلاً والخسائر البشرية الأميركية أكبر بكثير لولا هؤلاء الحلفاء. فإذا تخلت الولايات المتحدة عن الحلفاء الذين جعلوا الإنتصار على «داعش» ممكناً، وربما تتخلى الآن أيضاً عن الحلفاء الأفغان الذين مكَّنوها من طرد «القاعدة» من بلادهم في عام 2001، فسوف ترتكب خطأ النظر إلى كل شيء في الشرق الأوسط الكبير عبر عدسة التجارب المؤلمة لحربي العراق وأفغانستان.

وبحسب ما كشفته المعلومات في واشنطن، فإن تراجع ترمب عن الإنسحاب الكامل من سوريا والإبقاء على هذا العدد من الجنود، جاء بعد تحذير القادة العسكريين من النتائج السلبية المتمثلة في تمكين وكلاء إيران من السيطرة على الموارد النفطية في شمال شرق سوريا، ولهذا السبب أعطى ترمب لنفسه فرصة ليس للتراجع عن قراره، ولكن لتنقيحه ومواصلة تقديم بعض الدعم للحلفاء الأكراد والعرب حتى يتمكنوا من تحقيق تسوية تفاوضية معقولة، وأوضح هؤلاء القادة للرئيس أنه ينبغي أن يكون واضحا من أن الهدف من العملية المنقحة ليس الإستيلاء على نفط سوريا، كما اقترح ترمب بنفسه، بل إبقاء هذا الأصل الاستراتيجي بعيداً عن أيدي أعداء الولايات المتحدة.

ولتطيمن حلفاء الولايات المتحدة والأعضاء في التحالف لهزيمة تنظيم «داعش»، إستضافت وزارة الخارجية في شهر تشرين الثاني الإجتماع الدوري لأعضاء هذا التحالف على مستوى وزراء خارجية البلدان الأعضاء، وعلى هذا فإن الحلفاء القلقين بشأن اتجاه السياسة الأميركية في سوريا في أعقاب أمر الرئيس دونالد ترمب بسحب القوات الأميركية من هناك، وتراجعه الجزئي عنه لاحقاً، أبلغوا في هذا الإجتماع بأن الإدارة ما تزال ملتزمة بهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. غير أن هذا الإجتماع الذي ضم حوالي 35 عضواً من أعضاء التحالف الذي يقاتلون المتطرفين المسلحين ترك تساؤلات كبيرة حول الكيفية التي يخططون بها لتحقيق هذا الهدف والمخاوف من أن يعلن ترمب مرة أخرى عن تغيير رئيسي في السياسة دون أي تشاور معهم. ولم يتمكن شركاء التحالف من التوصل إلى إتفاق بشأن ما يجب فعله بشأن واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً على جدول أعمالهم، وتتمثل في مسألة إحتجاز الآلاف من المتطرفين في سجون مؤقتة في سوريا، وسط تقارير تفيد بأن مقاتلي «داعش» يعاودون الظهور في سوريا والعراق، وبأن البعض منهم ينزلق بعيداً إلى ليبيا ومناطق أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط.

وبعد أيام قليلة من إجتماع التحالف ضد «داعش» في واشنطن، أعلن مسؤولون عسكريون أن القوات الأميركية إستأنفت مهام مكافحة الإرهاب على نطاق واسع ضد تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا، حيث اتخذ القرار بأن العمليات ضد هذا التنظيم ستتواصل حتى آخر وادي الفرات.

وفي النتيجة لخص المراقبون في واشنطن كيفية إدارة ترمب للملف في سوريا بأنها عملية مشتتة أدت إلى تعزيز نفوذ أعداء واشنطن ولا سيما روسيا تحديدًا، ولولا تحذير العسكر من تداعيات القرارات السياسية للإدارة لما كان ترمب قبل في نهاية المطاف بقاء هذا العدد من الجنود في سوريا وحفظ بعض ماء الوجه مع الحلفاء، ولهذا يمكن القول في النتيجة إن التخلي عن الحلفاء الذين يعززون المصالح الأميركية، في الوقت الذي يقاتلون فيه بشجاعة من أجل مصالحهم، لا يشكل وصفة لتفادي تدخل عسكري أميركي آخر واسع النطاق في الشرق الأوسط، بل هو وصفة لحدوث تدخل جديد في نهاية المطاف. وفي المرة القادمة، سيأتي هذا التدخل دون مساعدة الحلفاء المحليين الذين تحتاجهم الولايات المتحدة.

(يتبع)

إقرأ أيضاً: بين عزل إيران و… عزل ترمب -1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل