بين عزل إيران و… عزل ترمب – 3

واشنطن – خاص «المسيرة» – العدد 1702

بين عزل إيران و… عزل ترمب

واشنطن أمام عام حاسم ومصيري داخليًا وخارجيًا (3)

 

شكلت التطورات على الصعيدين الخارجي والداخلي للولايات المتحدة خلال العام 2019 محورًا مفصليًا في رسم معالم العام المقبل، حيث أن التوترات في الخارج تهدد بالإمتداد وجذب الإنتباه تماماً بينما يجاهد الرئيس الأميركي من أجل بقائه السياسي في الداخل في ضوء قضية العزل التي يحارب بها الديمقراطيون ليس الرئيس بذاته وإنما الحزب الجمهوري علهم يستطيعون العودة إلى الحكم في البيت الأبيض طالما أن عزل الرئيس سيسقط في محكمة مجلس الشيوخ. هكذا إذاً تراقب الإدارة الأميركية مختلف الإحتجاجات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وربما تدفع الإحتكاكات الطويلة الأمد بين الولايات المتحدة وإيران إلى ذروتها في الأشهر المقبلة، وربما حققت السياسة الأميركية للمرة الأولى نجاحًا في النزاع الطويل الأمد مع إيران في الداخل حيث يشعر الإيرانيون بالإحباط بسبب الاقتصاد الذي يتداعى تحت وطأة العقوبات الأميركية.

 

مساءلة وعزل ترمب

منذ صدور تقرير المحقق الخاص روبرت مولر بشأن روسيا والذي رسم صورة من الأكاذيب والتهديدات والإرتباك في البيت الأبيض تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب، تتردد كلمة المساءلة بهدف العزل في الكونغرس الأميركي. ويقول بعض الديمقراطيين إن محاولة عزل ترمب من منصبه إهدار للوقت لأن مشرّعي الحزب الجمهوري الذي ينتمي له يتمتعون بأغلبية في مجلس الشيوخ، بينما يرى ديمقراطيون آخرون أن عليهم التزام أخلاقي بالسعي لإقالته على الأقل على الرغم من أن مولر لم يتهم ترمب بالتآمر مع روسيا في انتخابات 2016 أو عرقلة سير العدالة.

أسس العزل

مضى الديمقراطيون في مجلس النواب الأميركي قدمًا إلى الأمام في قضية مساءلة وعزل الرئيس. فبعد جلسات إستماع سرية وعلنية عقدتها ثلاث لجان في مجلس النواب تولت استجواب الشهود في هذه القضية على خلفية إستغلال ترمب لمنصبه من أجل الضغط على أوكرانيا للتحقيق مع منافس سياسي له هو نائب الرئيس السابق جو بايدن والأمل في أن يساعده ذلك في حملة إعادة انتخابه رئيسًا، طلبت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي من لجان التحقيق في المجلس إعداد قرار لائحة الإتهام ضد الرئيس. وستستخدم اللجنة القضائية في مجلس النواب تقريرها النهائي الذي يلخص حصيلة التحقيقات، حيث سيشكل هذا التقرير الأساس لإعداد مواد المساءلة التي يوجه فيها مجلس النواب إتهامات رسمية ستشكل أساسًا لتصويت المجلس بأكمله على مساءلة الرئيس.

وفيما يلي، نستعرض الأسس التي تقوم عليها إجراءات المساءلة بهدف العزل، حيث يمنح الدستور الأميركي الكونغرس سلطة عزل الرئيس رغم أنه لم يحدث أن تم عزل أحد رؤساء الولايات المتحدة من خلال تلك العملية الشاقة. وقد إستحدث مؤسسو الولايات المتحدة منصب الرئيس وكانوا يخشون إساءة السلطات الممنوحة له. ولذلك أدرجوا عملية العزل كجزء لا يتجزأ من الدستور. ومنح الدستور مجلس النواب السلطة الحصرية لتوجيه الإتهام للرئيس ومجلس الشيوخ السلطة الحصرية لنظر دعوى العزل، كما كلف رئيس قضاة المحكمة العليا برئاسة جلسات العزل في مجلس الشيوخ. وينص الدستور الأميركي على أن بوسع الكونغرس عزل الرئيس من منصبه لارتكابه الخيانة العظمى أو تلقيه رشوة أو أي جرائم وجنح كبرى.

وقبل أن يصبح رئيسًا في العام 1974 خلفاً للجمهوري ريتشارد نيكسون الذي استقال بسبب فضيحة «ووترغيت»، قال جيرالد فورد إن المخالفة الموجبة للمساءلة هي ما يعتبره أغلبية أعضاء مجلس النواب مخالفة في أي مرحلة من التاريخ. ويجوز عزل الرئيس بمقتضى الدستور بسبب الخيانة أو الرشوة أو غيرها من الجنايات الكبرى والجنح. وليس ثمة ما يوضح معنى ذلك على وجه الدقة. ومن الناحية التاريخية يمكن أن يشمل ذلك الفساد وغيره من مظاهر إساءة السلطة، بما في ذلك محاولة تعطيل الإجراءات القضائية.

أما لجهة كيف تسير إجراءات المساءلة، حيث أنه عادة ما يفسر تعبير إجراءات المساءلة بهدف العزل على أنه مجرد عزل رئيس من منصبه لكن هذا ليس دقيقاً. فمن الناحية الداخلية تشير تلك الإجراءات إلى موافقة أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 على توجيه إتهامات رسمية إلى رئيس. ويمثل مجلس النواب جهة الإتهام ويصوّت على ما إذا كان سيوجه إتهامات معينة. وقرار الإتهام هو بمثابة لائحة الإتهام في القضايا الجنائية. ويجب التصويت بأغلبية بسيطة في مجلس النواب لتبدأ الإجراءات. وحينذاك يبدأ مجلس الشيوخ المحاكمة. ويمثل أعضاء مجلس النواب الإدعاء بينما يمثل أعضاء مجلس الشيوخ هيئة المحلفين. يقود رئيس المحكمة العليا الأميركية المحاكمة. وينبغي التصويت بأغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ المكوّن من 100 عضو لإدانة الرئيس وعزله. أما كيف تتوزع القوى داخل الكونغرس بمجلسيه، فهناك في الوقت الحالي 235 ديمقراطيًا و197 جمهوريًا وثلاثة مقاعد شاغرة في مجلس النواب. نتيجة لذلك تستطيع الأغلبية الديمقراطية التصويت لصالح مساءلة ترمب من دون أي أصوات من الجمهوريين. وفي عام 1998 حين تمتع الجمهوريون بأغلبية في مجلس النواب صوّتت أغلبية المجلس مؤيدة لمساءلة كلينتون وهو ديمقراطي. وفي مجلس الشيوخ حاليًا 53 جمهوريًا و45 ديمقراطيًا ومستقلان عادة ما يتخذان نفس موقف الديمقراطيين في التصويت. وتتطلب إدانة الرئيس وعزله 67 صوتاً، وهذا يعني أنه حتى تتخذ إجراءات لإقالة ترمب فينبغي أن يصوت 20 جمهوريًا على الأقل وجميع الديمقراطيين ضده. ولجهة من يتولى الرئاسة إذا تم عزل ترمب، فإنه إذا أدان مجلس الشيوخ ترمب وعزله من منصبه فإنه سيصعد نائبه مايك بنس ليكمل ولاية ترمب التي تنتهي في 20 كانون الثاني 2021. وتبدأ إجراءات العزل في مجلس النواب الذي يناقش الأمر ويجري تصويتاً على توجيه إتهامات للرئيس من خلال الموافقة على قرار بذلك أو الموافقة على بنود العزل بأغلبية بسيطة في المجلس المكون من 435 عضوا. وإذا وافق المجلس على القرار تجري وقائع المحاكمة في مجلس الشيوخ.

ويعتبر المراقبون أنه إذا كانت نتيجة المواجهة في الكابيتول هيل محددة مسبقاً، فالحكم النهائي غير محدد وهو سيؤثر حتمًا في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في أول يوم ثلاثاء من شهر تشرين الثاني من العام 2020، حيث أنه على النقيض من الرئيسين ريتشارد نيكسون وبيل كلينتون، سيواجه ترمب هذه الانتخابات بعد معركة إقالته، وهذا يعني أن الناخبين سيكونون بمثابة محكمة الإستئناف التي ستصدر حكمها النهائي بشأن ما إذا كان قد ارتكب جرائم وانتهاكات. ونتيجة لذلك، فمن المؤكد أن يكون عام الانتخابات عامًا حاسمًا في تحديد معايير الحملة الانتخابية التي ستقرر ما إذا كان ترمب مناسباً لمنصب الرئاسة أم لا. وعلى هذا الأساس يعتقد الديمقراطيون أن إفتقار إدارة ترمب للسلوك الأخلاقي سيقلب الناخبين الأميركيين على الرئيس، ولكن من المرجح أن يتخلى هؤلاء الناخبون عن ترمب بسبب افتقار إدارته للكفاءة وبسبب أسلوبه الإداري غير المنطقي.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: بين عزل إيران و… عزل ترمب – 2

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل