من الخميني الى سليماني: حرب عمرها 40 عاماً – 3

خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد 1703

من الخميني الى  سليماني

حرب عمرها 40 عامًا وإسقاط النظام وارد (3)

 

الولايات المتحدة الأميركية وإيران، دولتان تتوجسان من بعضهما البعض منذ نحو سبعين عامًا، وتميّزت علاقة هاتين الدولتين بتاريخ قصير من التحالف والصداقة، وبسجل حافل وطويل من العداء والإنتقام، لدرجة يمكن القول معها إن ما شهدته العلاقة الدراماتيكية بين هاتين الدولتين على مدى عقود يرسم إلى حد كبير ما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط برمتها، ولا سيما بعد سقوط معادلة العلاقة الممتازة مع رجل أميركا القوي، وشرطي الخليج، وقيام جمهورية إيران الإسلامية مع مؤسسها قائد الثورة الإسلامية آية الله الخميني، عام 1979. فبعدما أمضى الخميني أكثر من 15 عامًا في المنفى لمعارضته للشاه، عاد إلى إيران وأطاح بالشاه، وبدأت أولى مراحل النزاع المكشوف مع أميركا.

ظل التدخل الأميركي الذي أطاح بحكومة مصدق عام 1953، أحد المكونات الرئيسية للذاكرة السياسية للنظام الإيراني الجديد، والذي لم يستبعد قيام الولايات المتحدة الأميركية في أي لحظة بتكرار ذلك الدور نفسه، وقد كان ذلك في الواقع أحد الأسباب المهمة وراء الإجراءات القمعية التي اتخذها النظام في تلك الفترة من أجل إحكام السيطرة على البلاد بما لا يسمح بتكرار وقائع 1953. وقد كرّس التوجس الإيراني إزاء الولايات المتحدة قيام الأخيرة بدعم العراق عندما اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية، ثم قيامها بالتدخل المباشر عام 1988، والذي أسفر عن ضرب عدد من المنشآت البترولية الإيرانية، ثم إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية التي راح ضحيتها 290 شخصًا. وكان هذا الموقف الأميركي هو أحد الأسباب المباشرة وراء قرار الخميني الصعب بإنهاء الحرب مع العراق، حيث اعتبر الموقف الأميركي بمثابة إنذار لإيران بمزيد من التدخل القوي بجانب العراق.

أما على الجانب الأميركي، ظلت واقعة إحتجاز الرهائن الأميركيين التي أنهت حكم الرئيس كارتر ماثلة في الذاكرة الأميركية، والتي كرّس منها في الواقع دعم إيران لعدد من التنظيمات الإسلامية؛ سواء في لبنان أو فلسطين. ومن المفارقات الجديرة بالتأمل، أن ضلوع إدارة ريغان في صفقة سلاح مع إيران، عُرفت لاحقاً بفضيحة إيران كونترا، قد أضافت إلى مخزون الذاكرة الأميركي عنصراً إضافيًا حيث صارت إيران مسؤولة عن طرد رئيس من البيت الأبيض وهو جيمي كارتر، وتشويه آخر بفضيحة سياسية كبيرة وهو ريغان.

 

تداعيات العملية على العراق

سيتجادل الأميركيون لفترة طويلة بشأن الغارة الأميركية التي قتلت القائد الإيراني اللواء قاسم سليماني ولا سيما فيما إذا كان التحرك حكيماً، وماذا يعني بالنسبة للشرق الأوسط، وكيفية المضي قدماً. ولكن العواقب الأكثر تأثيراً ظهرت حتى الآن في مكان وقوع الضربة، في العراق. إذ يبدو أن إدارة دونالد ترامب ضحت، في تنفيذ الضربة، بشراكة أميركية قيمة في مجال مكافحة الإرهاب مع العراق على مذبح حملة ضغط خطيرة على إيران بلا نهاية في الأفق. فقد أجرى البرلمان العراقي تصويتاً غير ملزم يحث الحكومة العراقية على طرد القوات الأميركية من البلاد. ويبدو أن الضربة التي وقعت على الأراضي العراقية وقتلت مسؤولين عراقيين، من دون موافقة عراقية قد وحدت أكبر كتلتين برلمانيتين شيعيتين متنافستين خلف فكرة طرد القوات الأميركية.

ومنذ عام 2014، ظلت القوات الأميركية في البلاد كضيوف مدعوين من الحكومة العراقية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وتدريب الجيش العراقي. وكان العراقيون يعتبرون تبادل إطلاق النار مع إيران وحلفائها العراقيين بعيداً كل البعد عن تلك المهمة. فالسياسات العراقية تذهب أحياناً إلى حافة الهاوية قبل التراجع عنها، ويمكن أن يحدث هذا الآن، خاصة وأن الزعماء الأكراد والسنة قاطعوا التصويت.

ولكن من الصعب تصوّر كيف يمكن للقوات الأميركية أن تبقى لأداء مهمتها إذا كان البرلمان العراقي، وكذلك الميليشيات العراقية الحانقة، يريدون رحيلها الآن. وقد حاولت الفصائل السياسية العراقية في السابق طرد القوات الأميركية من دون نجاح، ولكن هذه المرة مختلفة. فبعد الإحتجاجات الشعبية المناهضة للفساد، أصبح موقف القيادة السياسية في العراق هو أضعف ما كانت عليه منذ 15 عاماً. ويمكن قول الشيء نفسه عن العلاقات بين القادة الأميركيين والعراقيين. ومع إفتراض أن هذه التصويتات تعني حقاً أن أيام الولايات المتحدة في العراق باتت معدودة، سيكون هذا أمراً سيئاً بالنسبة للعراق والولايات المتحدة وفرصة كبيرة لـ»داعش» وأيضاً انتصاراً كبيراً لإيران. إذ كان اللواء سليماني ليسعد برؤية القوات الأميركية تُطرد من دولة تشترك في حدود طولها 1500 كيلومتر مع إيران وحيث مثلت القوات الأميركية واحدة من أهم القوة الموازنة المضادة لهيمنة طهران. غير أن مغادرة العراق ستكون نتيجة منطقية لسياسات ترامب. فحتى وقت قريب، كان يتعامل مع العراق إما كقضية ذات أهمية ثانوية أو كملحق مخيب للآمال لاستراتيجية «الضغوط القصوى» التي يطبقها على إيران.

وعلى الرغم من غزوها واحتلالها الكارثيين للعراق، حققت الولايات المتحدة نفوذاً ذا مغزى هناك ونجاحات مشتركة حقيقية في قتال الجهاديين بمزيج من المشاركة العسكرية والمدنية. وبدا أن ترامب يفهم الجزء العسكري من هذه المعادلة، ولكنه شرع في تقويض الجانب المدني منها. ففي الأسبوع الأول له في منصبه، منع المسلمين العراقيين من دخول الأراضي الأميركية حتى أثناء قتالهم لـ»داعش» إلى جانب القوات الأميركية. وتحدث ترامب مبكراً وكثيراً عن رغبته في أخذ النفط من العراق، ثم قال إن الولايات المتحدة موجودة هناك لمراقبة إيران فقط. وفي كانون الأول من العام 2018، زار القوات الأميركية في العراق دون مقابلة زعيم عراقي واحد. وفي الواقع، ما زال لم يلتق برئيس الوزراء العراقي. وما زال لا يوجد مسؤول كبير معني بالتواصل مع العراق في إدارة ترامب، كما أهملت الإدارة بشكل خطير قضية إعادة الإعمار في المناطق المحررة من قبضة «داعش».

ويرى الخبراء في واشنطن أن وجود المزيد من الدبلوماسيين الأميركيين في العراق سيكون مفيداً في الوقت الحالي، إذ ينبغي للولايات المتحدة أن تعمل بشكل عاجل مع بقية شركائها الأمنيين والسياسيين، بمن فيهم الزعماء الأكراد والسنّة الذين قاطعت كتلتهم البرلمانية التصويت، لمعرفة ما إذا كان من الممكن تجنب الطرد الكامل للقوات أو على الأقل وضع شروط لرحيل منظم. وستمثل إزالة جميع الأميركيين والأسلحة المتقدمة والاستخبارات الحساسة وغيرها من البنى التحتية بأمان تحدياً لوجستياً مؤرقاً، كما كان الحال في عام 2011 خلال جدول زمني طويل في بيئة متساهلة نسبياً. وفي حالة السماح للقوات الأميركية بالبقاء، سيكون العمل بأمان وفعالية تحدياً هائلاً، وكذلك ستكون إعادة بناء الثقة مع العراقيين.

ولم يكن من الضروري أن تسير الأمور على هذا النحو إذا كانت الولايات المتحدة تعاملت مع العراق ليس كمجرد ساحة معركة مع إيران بل كشريك مهم يصب استقراره في مصلحتها. وما يزال العراق ساحة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي كان منذ بضع سنوات فقط يهدد المنطقة بأسرها كأخطر منظمة إرهابية في العالم. وهناك بالفعل علامات على انبعاثه من جديد، وسيصبح هذا الإحتمال أكثر ترجيحاً إذا فقدت وزارة الدفاع ووكالات الإستخبارات الأميركية وجودها داخل العراق. وقد يجادل البعض بأن الرحيل سيضع أعباء العراق والجهاديين على عاتق إيران، ولكن هذا يتجاهل التاريخ الحديث، بما في ذلك الفوضى العالمية التي أحدثها «داعش» قبل خمس سنوات فقط بعد مغادرة القوات الأميركية. ويشير آخرون إلى أنه إذا عاد «داعش» لتهديد العالم، فسوف تتم دعوة الولايات المتحدة للتدخل من جديد. ولكن هذا رهان محفوف بالمخاطر بالنظر إلى ظروف رحيل الولايات المتحدة.

 

السلاح النووي وإسقاط النظام

بدلاً من الرضوخ للضغوط الأميركية، أعلنت إيران أن تلك القيود التي فرضها الإتفاق النووي قد انتهت قبل عقد من الموعد المحدد. ويمثل إعلان إيران موت الإتفاق النووي لعام 2015، كما يعيد إلى حد كبير تهيئة الظروف التي دفعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى التفكير في تدمير منشآت إيران قبل عقد من الزمن، ما يقربهما من إحتمال الدخول في صراع مفتوح مع طهران تم تجنبه بموجب الإتفاق.

وتوقفت إيران عن التخلي عن الإتفاق بأكمله، وأشار وزير خارجيتها إلى إمكانية أن تعود بلاده إلى بنود الإتفاق في المستقبل إذا غيَّر ترامب المسار ورفع العقوبات التي فرضها منذ الانسحاب من الاتفاق. ويترك ذلك، على ما يبدو، الباب مفتوحاً أمام احتمال وجود منحنى دبلوماسي، ولكن المراقبين في واشنطن يعتبرون أن إعلان إيران يعني أنها لن تلتزم بعد الآن بأي قيود على عدد أجهزة الطرد المركزي التي يمكنها تركيبها لتخصيب اليورانيوم أو مستويات التخصيب. ولم تقل إيران ما إذا كانت ستستأنف الإنتاج عند مستوى 20 في المئة، وهي قفزة كبيرة نحو اليورانيوم المستخدم في صنع القنابل.

ويدرك القادة الإيرانيون أن أي اندفاع نحو القنبلة سيثير معارضة دولية وسيحشد الدعم للضربات العسكرية، ولذا من المرجح أن تتخذ طهران خطوات تدريجية وأن ترفع من سقف أي استجابة أميركية. وقد يرى بعض الأميركيين أن التوسع النووي الإيراني فرصة لاتخاذ عمل عسكري ضد النظام الإيراني. فقد جادل وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو عندما كان عضواً في الكونغرس بأن الولايات المتحدة يمكنها تدمير القدرة النووية الإيرانية بأقل من 2000 طلعة جوية، وبأن هذا ليس مهمة مستحيلة.

وتوقع السناتور توم كوتون، وهو مستشار آخر للرئيس ترامب، بثقة أن الولايات المتحدة يمكنها الفوز في أي حرب مع إيران بضربتين، الضربة الأولى والضربة الأخيرة. وقد ردد ترامب نفسه هذه الآراء، مشيراً إلى أن الحرب مع إيران سوف تمر سريعاً. ويتكهن آخرون بأن القضاء على البرنامج النووي الإيراني قد يطيح بالنظام. لكن في المقابل يعتبر المراقبون أنه مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة تستطيع عرقلة طهران لفترة محدودة من الوقت بضرباتها العسكرية، لكن مثل هذه الضربات ستؤدي أيضاً إلى إنتقام عنيف وإصرار إيراني محتمل على صنع قنبلة، وهنا يعتبر هذا الرأي من الخبراء أنه إذا لم تتحرك إدارة ترامب للحد من التوترات، فستجد نفسها قريباً تواجه المعضلة ذاتها التي صُمم الإتفاق النووي لتجنبها، ألا وهو الإختيار بين إيران نووية أو الحاجة إلى بدء حرب لمنع حدوث ذلك.

 

حرب الظل وقلق دول الخليج

بعد ساعات من سقوط الصواريخ الباليستية على الجنود الأميركيين في العراق، تبنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجة منتصرة. ففي حديثه من البيت الأبيض، قال في خطاب للأمة إنه لم تقع إصابات خلال الهجوم ولم تحدث سوى أضرار قليلة في القواعد. وقال ترامب، محاطاً بكبار مسؤولي إدارته بما في ذلك وزير الدفاع مارك إسبر ونائب الرئيس مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو: «يبدو أن إيران توقفت، وهو أمر جيد لجميع الأطراف المعنية وشيء جيد للغاية بالنسبة للعالم».

ولكن في إيران، حيث كان المسؤولون ما يزالون مندهشين من مقتل القائد العسكري قاسم سليماني في بغداد الأسبوع الماضي، كانت القصة مختلفة. إذ أخبر المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي حشداً في مدينة قم المقدسة أن إيران صفعت الولايات المتحدة على وجهها وأشاد حلفاء طهران بهذه الخطوة.

وانطلاقا من مستويات الموقفين الأميركي والإيراني يعتبر المراقبون أنه على المدى القريب، فقد تخفف التناقضات من حدة التوترات المتصاعدة المحيطة بحرب الظل بين الولايات المتحدة وإيران، فقد تورطت القوتان في صراع من خلال وكلاء، تضمن عقوبات وأعمال إرهابية ومضايقات عنيفة منذ إنسحاب ترامب من الإتفاق النووي عام 2018. ومنذ مقتل سليماني، خرجت هذه الحرب إلى النور، ومن الصعب تمييزها عن الحرب العلنية.

ولكن عند تصديق المؤشرات الصادرة عن ترامب والمسؤولين الإيرانيين، ما تزال المواجهة الأساسية من دون حل وتنطوي على العديد من المخاطر طويلة الأجل. وانطلاقا من إيران لا يمكنها تحمل تكلفة حرب شاملة مع الولايات المتحدة، سيشكل غياب سليماني مشكلة كبيرة من الناحية العملية بالنظر إلى أنه تمتع بعلاقات شخصية مع الميليشيات التي ضايقت القوات الأميركية في جميع أنحاء المنطقة. ولكن بالنسبة لمؤيدي الحكومة المتشددين، يستحق مقتل القائد العسكري أكثر من مجرد صفعة على الوجه. وقد يصبح سليماني وحلفاؤه القتلى رموزاً قوية للقوات العاملة بالوكالة التي ما تزال قوية في العراق ولبنان واليمن.

ويحذر بعض المحللين من أنه من دون نفوذ سليماني، قد يتخذ هؤلاء الوكلاء المزيد من التحركات المتهورة التي تستهدف الوجود الأميركي في المنطقة. ويُعتبر اليمن إحدى ساحات القتال الهامة المحتملة. فلطالما هددت حرب اليمن التي بدأت منذ خمس سنوات بالإمتداد إلى الشرق الأوسط الكبير من خلال تعميق النزاع بين إيران ووكلائها، من ناحية، والولايات المتحدة وحلفائها، من ناحية أخرى. وقد يؤدي تحول هذا الصراع إلى صراع إقليمي إلى وضع الملايين من أضعف فئات سكان اليمن في حالة من اليأس الإنساني، وتعطيل إنتاج النفط العالمي، وتهديد حركة التجارة عبر الخليج العربي والبحر الأحمر، وتوفير مساحة أكبر لتنظيمي «داعش» و»القاعدة»، وتقويض استقرار السعودية.

يُذكر أن قوة القدس الإيرانية، التي كان يقودها في السابق اللواء سليماني، ساعدت ميليشيا الحوثيين في اليمن على تطوير قدرات عسكرية واسعة النطاق استخدمتها ضد أهداف سعودية إستراتيجية. وفي مثل هذا السيناريو، من المرجح أن يستهدف الحوثيون ورعاتهم الإيرانيون ثلاثة مصالح أساسية للولايات المتحدة وحلفائها. أولاً، يمكن أن يهدد الحوثيون طريق البحر الأحمر الاستراتيجي.

وثانياً، يمكن للحوثيين أن يزيدوا من وتيرة هجمات الصواريخ الباليستية والطائرات بلا طيار مع توسيع قائمة أهدافهم في الخليج.

وثالثًا، يمكن للحوثيين زيادة غارات المتمردين على السعودية من خلال إستغلال التضاريس المفتوحة لحدود المملكة مع اليمن.

ولكن يمكن لإيران أيضاً أن تهاجم المصالح الأميركية مباشرة من اليمن، من خلال تهديد منشآت إنتاج النفط وطرق الشحن التجارية وحتى الأهداف العسكرية. ويملك الإيرانيون فرصتين سياسيتين أيضاً. فأولاً، يمكنهم رفع أسعار النفط العالمية أثناء محاولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الفوز بولاية رئاسية جديدة، ما سيلحق الضرر بالرئيس من خلال تقويض قوة الاقتصاد الأميركي. وثانياً، إذا تمكن الإيرانيون من تهديد السعودية بنجاح من الجنوب، فمن المحتمل أن يتمكنوا من جذب إدارة ترامب لدعم المملكة بشكل أكبر. ويلاحظ أنه في موازاة رفع مستويات التوتر بين إيران وأميركا تحرك قادة دول الخليج إلى واشنطن وطهران والعواصم الأوروبية لاحتواء تداعيات الإغتيال الأميركي لجنرال إيراني كانوا يعتبرونه عدواً لدودا لهم، لكن قتله كان خطًا أحمر لا يمكنهم تحمّل تكلفة تجاوزه.

 

المرحلة المقبلة: القتال أو التفاوض

يعتبر المراقبون في واشنطن ولا سيما من بينهم ستيفن هادلي، الذي عمل كمستشار للأمن القومي في إدارة جورج دبليو بوش، أن الضربة الأميركية التي أسفرت عن مقتل اللواء قاسم سليماني، كانت خطوة جريئة ذات عواقب يُحتمل أن تكون بعيدة المدى. حيث إنها تصعد بلا شك من خطر الحرب، ولكن يمكنها أيضاً فتح الطريق أمام الدبلوماسية.

فمن المرجح أن يستمر التهديد بحدوث مزيد من العنف ما لم يقطعه إستئناف للدبلوماسية. ويمكن توقع أن يطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مبادرة دبلوماسية مماثلة لتلك التي أطلقها عام 2013 لإزالة الأسلحة الكيميائية من سوريا، ومن المرجح أن يكون ترامب متحمساً. فقد يستنتج بوتين أن الوقت قد حان لإنقاذ حليفه الإيراني السابق من مواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة لا تستطيع إيران الفوز بها ببساطة وقد تهدد المصالح الروسية في الشرق الأوسط. وقد تجدد الدول الأوروبية التي أيدت خطة العمل الشاملة المشتركة اهتمامها بتعزيز السلام بين البلدين.

وكان حلفاء الولايات المتحدة العرب الإقليميون يضغطون سراً من أجل إجراء مفاوضات تشملهم وتتناول أنشطة إيران النووية والصاروخية والإقليمية. ويجب أن تؤيد طهران الحل الدبلوماسي عندما يظهر، بالنظر إلى الصعوبات الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها وتهدد بإعادة إشعال المظاهرات الشعبية الضخمة التي استطاع النظام إخمادها في الخريف الماضي عن طريق الاستخدام الوحشي للقوة.

فقد أظهر قادة إيران أنه يمكن أن يكونوا براغماتيين عندما يتعرض النظام للتهديد. ومن شبه المؤكد أن إستمرار الصراع مع الولايات المتحدة سيعني فرض عقوبات اقتصادية أشد وأكثر زعزعة للإستقرار. ويلاحظ المراقبون أن ترامب قد حاول بقوة، مثل أوباما من قبله، سحب القوات الأميركية من الشرق الأوسط. ولكن كلاهما فشل. وما تزال الولايات المتحدة تعمل هناك لأنه ما يزال لها مصالح حيوية في المنطقة، أي منع التهديدات الإرهابية؛ ودعم وحماية الأصدقاء والحلفاء؛ وكبح طموحات إيران النووية ونفوذها الخبيث. وقد يؤدي مقتل سليماني إلى تعميق تدخل الولايات المتحدة هناك، ولكن ليس من الضروري حدوث ذلك إذا اختارت الأطراف المعنية طريق الدبلوماسية.

وهكذا يمكن القول إن أمام الولايات المتحدة طريقتين فقط للخروج من هذه الأزمة المتصاعدة إما القتال أو التفاوض. وقد تكون الحرب مع إيران هي أم كل المستنقعات؛ حيث يمكن أن تخرج بسهولة عن نطاق السيطرة مع ردود فعل متبادلة من النوع الذي شهدته الأيام الماضية. ومن ثم، يُعتبر التفاوض هو الخيار الأفضل، وهذا يعني محاولة إعادة بناء اتفاق نووي أكثر صرامة مقابل رفع العقوبات الأميركية. لكن ترامب لا يبدي اهتماماً يذكر بالتفاوض بجدية ولا بالقتال. ولكن لعل ما يمكن أن يواجه الولايات المتحدة من أسوأ سيناريو محتمل في عام الانتخابات هو عودة إيران مرة أخرى لشن صراع منخفض الشدة، وافتقار الولايات المتحدة مرة أخرى لاستجابة فعالة.

 

لائحة المطالب الإثني عشر الأميركية

كان لافتا أنه في موازاة فرض وتطبيق سياسة العقوبات القصوى وضعت الإدارة الأميركية عبر وزير خارجيتها مايكل بومبيو لائحة مطالب إثني عشرية، اشترطت على النظام في إيران تطبيقها قبل رفع أو تخفيف أي عقوبات، وجاءت هذه المطالب ضمن الاستراتيجية الجديدة لواشنطن تجاه إيران بعد انسحابها من الاتفاق النووي، وهي:

1-الإفصاح عن كامل الأبعاد العسكرية لنظامها النووي والسماح لوكالة الطاقة الذرية بتفتيشه بشكل مستمر.

2-التوقف عن تخصيب اليورانيوم، والتخلي عن محاولات معالجة البلوتونيوم، وإغلاق مفاعل الماء الثقيل.

3-أن تسمح إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول الكامل إلى كافة المحطات النووية العسكرية وغير العسكرية.

4-أن تضع إيران حدا لانتشار الصواريخ الباليستية وإطلاق الصواريخ التي يمكن أن تحمل رؤوسا نووية.

5-إطلاق سراح المواطنين الأميركيين وكل مواطني الدول الحليفة.

6-إيقاف دعم إيران لمجموعات إرهابية في الشرق الأوسط مثل حزب الله وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين.

7-إحترام الحكومة العراقية والسماح بنزع سلاح الميليشيات الشيعية.

8-إيقاف دعم الميليشيات الحوثية في اليمن وأن تعمل على التوصل لحل سياسي في اليمن.

9-سحب كل القوات التي تخضع لأوامر إيران من سوريا.

10-إيقاف دعم طالبان وجميع العناصر الإرهابية وإيواء عناصر «القاعدة.»

11-إيقاف دعم فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني شركاءه من الإرهابيين.

12-يجب على إيران أن توقف سلوكها الذي يهدد جيرانها، وكثير منهم حلفاء للولايات المتحدة.

في مقابل ذلك، فإن الولايات المتحدة أعربت عن إستعدادها لرفع العقوبات في نهاية المطاف.

(انتهى)

من الخميني الى سليماني: حرب عمرها 40 عاماً – 2

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل