الأباتي شربل القسيس: وقت الخطر نخرج من الدير لنواجه – 2

حجم الخط

كتبت “المسيرة” – العدد 1704

(مجلة «الفصول» عدد 2 ربيع 1980) – مقابلة أجرتها إيلين دفوني

الأباتي شربل القسيس:

لبنان سيبقى ونحن سنبقى

ولن نرحل عنه أبدًا

وقت الخطر نخرج من الدير لنواجه (2)

 

للرهبانيات المسيحية والمارونية أديرة كثيرة في العديد من المناطق اللبنانية، فما هو الدور الذي تلعبه هذه الأديرة في إيواء المهجّرين من جميع المناطق؟

لنبدأ بمهجّري فلسطين سنة 1948، عندما ضافنا «الإخوان» الفلسطينيون. كانت الرهبانية اللبنانية المارونية قد قررت أن تجعل من دير الناعمة الرابض فوق الدامور مركزًا لنشئها، وإذا برئيس عام الرهبانية آنذاك، المغفور له قدس الأباتي يوحنا العنداري، يتألم من هجرة الفلسطينيين وهربهم الى لبنان، فيعود عن أمره هذا ويكتب الى رئيس الدير ليقول: «كنا قررنا أن نجعل من دير الناعمة ديرًا للإبتداء، وبما أن «إخواننا» الفلسطينيين هم بحاجة الى مأوى، فأرجوك أن تفتح أبواب الدير وتنقل المدرسة الى غير مكان.

ومرّت الأيام، وإذا بدير الناعمة يصبح، بالنسبة للفلسطينيين، قلعة إسرائيلية، فيهجمون عليه ويحطمون الزجاج فيه وينكّلون بالرهبان. وبعد إنتصارهم هذا، بدأت حملة الغزو عند الفلسطينيين، فأخذوا يفتحون الأدراج والخزائن ويحملون كل غالٍ ونفيس، ومن بين الأوراق التي مزقوها تلك الرسالة التي بعث بها الأباتي يوحنا العنداري الى رئيس الدير. وبعد أن خرج الفلسطينيون من دير الناعمة، عاد الرهبان وبدأوا يجمعون ما تبقّى من الحملة، وإذا بأحدهم يعثر على الكتاب ممزقاً، فجاءني به، فأعدت جمعه، وأدليت بتصريح لجريدة «الأنوار» عنوانه: ليتهم عرفوا ما مزقت أيديهم. إن الرهبانية اللبنانية، إبان الحوادث الأخيرة، بل وفي كل مرة يتعرّض فيها اللبنانيون وغيرهم للأضرار والأخطار، تفتح أبواب أديارها في وجههم، لكن هذا النشاط هو نشاط عابر وظرفي.

للأديار أكثر من دور. ولكل دير من أديرة الرهبان أكثر من رسالة. فقد كانت لهم قبلاً رسالة اقتصادية، زراعية، مهنية حرفية، تربوية، وأخيرًا (وهي أسمى رسالاتهم) رسالة نشر الكلمة والدين. لذلك كان كل دير أشبه بمجموعة متكاملة من النشاطات التي يقوم بها اللبناني، وكأني به كان، من قبل إيجاد التعاونيات للإنتاج والإستهلاك، تعاونية كبرى للعطاء وللعمل وليس فقط للراهب.

من الصعب جدًا أن نجيب بوضوح أكثر على هذا السؤال، وخاصة أنني راهب أتكلم. وحبذا لو يأخذ بعض تلامذة الجامعة، خاصة في الفرع الإجتماعي والتاريخي، هذا الموضوع ويشبعونه درسًا، لأن في معرفته أكثر فائدة للبنانيين ولغير اللبنانيين.

حضرة الأباتي القسيس، لقد خلّفت الأحداث الأخيرة أفواجًا من الأيتام والمعاقين الذين يحتاجون الى الرعاية والإعتناء بهم. وهناك العديد من المسيحيين الأبرار الذين يعملون من أجل إيواء هؤلاء المساكين بسرية تامة، فإذا ما سألتهم عن ذلك نجد أن هناك «ولنقلها بصراحة» نقمة على بعض الأديرة التي تفرض أجرًا معيناً على كل يتيم أو مهجّر يريد أن يدخل الدير. ما رأيك؟

سؤالك في محله، ويؤسفني أنني في أجوبتي على أسئلتك أظهر وكأني أدحض بعض الإتهامات وأدافع عن بعض الجماعات.

صراحتك المتناهية هي التي دفعتني الى أن أطرح أسئلة هي فعلاً بمنتهى الصراحة.

تعلمين أن المعهد اللبناني في بيت شباب كان من أحسن المعاهد التابعة للرهبانية اللبنانية المارونية. ويوم سقط كثير من شبابنا وأصيب بعضهم إصابات أصبح من جرائها معاقاً، جاءتني إحدى السيدات تطلب ديرًا يخصّص، ولو مؤقتاً، لمساعدة الشباب المعاقين. يومها، طرحت الموضوع على مجمع المدبّرين، واقترحت عليهم ديرًا آخر، وإذا بأحد شيوخ الرهبنة يقول: عطاؤنا يجب أن يكون بمستوى هؤلاء الأبطال، وإلا فلا نعطي. أجبته: ما رأيك لو غيّرنا وجهة المعهد اللبناني الى مؤسسة للمعاقين؟ قال: هذا ما كنت أريده. وهكذا، أصبح المعهد اللبناني مؤسسة للمعاقين. نحن نعتبر أن كل الرهبانيات ساهمت في هذه التقدمة. أما بالنسبة لقبول أيتام الحرب، فهذا واجب علينا، ولكن تعلمين جيدًا أن المجاني يكون مجانيًا، ولو كان العاملون في هذه المؤسسات فقط من الرهبان والراهبات لكنا قبلناهم مجاناً وبكل سرو، ولكن لمّا ترتب على الميتم أو المدرسة كثير من الواجبات تجاه الأساتذة والعاملين، بت أقول: لأن المجاني يصبح مجانيًا يجب أن تتوجهي بمثل هذا السؤال الى الدولة اللبنانية التي من واجبها أن تنصف المعلم وأن تنصف العامل في المؤسسات الخيرية، وأن تعمل لإنصاف اليتيم أو إنصاف من يعجز أهلهم عن أن يؤدوا ما هو متوجب عليهم لتربية أولادهم. نحن نساهم كثيرًا في هذا الحقل لكن الدولة هي التي لم تساهم فيه، فاللوم يجب أن يقع ليس على أصحاب المؤسسات الخاصة، بل على الدولة، لأنها لا تقوم بواجبها في هذا الحقل.

ما قيمة الوطن المغترب بنظرك بالنسبة للوطن الأم؟ وما الدور الذي يلعبه رجال الدين اللبنانيون من أجل خدمة وطنهم؟ وهل لديك فكرة معينة عن النشاطات التي يقومون بها على هذا الصعيد؟

ليس الإغتراب هو إغتراب الأوطان فقط، لكن الإغتراب الحقيقي هو أن تكوني غريبة. عالم الإغتراب رأس مال أدبي واجتماعي واقتصادي لا ينضب، الإغتراب قوة منقذة، والإغتراب قوة ضاربة، والإغتراب قوة متفاعلة. ولمغتربينا أكثر من دور في أي بلد إغتراب.

مشكلتنا اليوم هي: كيف يمكن أن نفيد من هذا الإغتراب؟ هذه المشكلة ليس من الصعب حلها، وفي نظري يجب أن نقوم بمسح لمغتربينا، ونفتش عن القواسم المشتركة بينهم. وقبل أن نعمل على توحيدهم من أجل لبنان، علينا أن نعمل بمجلة، لا بل بمجلات، على غرار مجلتكم «الفصول» التي تعمل وتجهد لخلق روابط بين المغتربين أنفسهم، لأن المغترب اللبناني، مهما طال اغترابه، يظل متمسكاً بلبنانه.

المغترب اللبناني في أميركا الشمالية يجهل كل شيء عن المغترب اللبناني في أميركا اللاتينية، ويجهل أكثر عن المغترب اللبناني في أفريقيا وأوستراليا. مهمة هذا المسح، قبل كل شيء، هي التوصل الى خلق لحمة بين المغتربين اللبنانيين، الى إيجاد القواسم المشتركة بينهم، ومنها يمكن الإنطلاق الى ترميم الجسور بينهم وبين وطنهم الأم.

هل هذا المسح ستقوم به الرهبانية المارونية؟

نأمل، بعد أن نرتاح لأوضاعنا الداخلية، أن نكون المجندين لهذا المسح. الفكرة الثانية، التي كانت حصيلة هذه الدورة، هي إنشاء بيت المغترب في لبنان على قطعة أرض تتراوح مساحتها بين 600 و700 ألف متر، نأمل مسحها قريبًا وفرزها الى قطع، يوضع على كل قطعة منها إسم جالية لبنانية. وتنشأ بين المغتربين والمقيمين اللبنانيين شركة مساهمة لكل جالية وتشيّد في هذه المنطقة، التي هي مدينة المغتربين، مؤسسة سياحية، وبيوت سكن للمغتربين الذين يريدون المجيء الى لبنان.

عليهم أن يبذلوا المستحيل للحفاظ على وطنهم، لأنهم هم أمسوا في هجرتهم بعد أن تركوا هذا الوطن، ونحن في بقائنا صمدنا وخلّصنا هذا الوطن عبر الأجيال، فمن أقل واجباتهم أن يعملوا على توطيد أركانه لا على زعزعتها.

الكسليك هو معقل الفكر الرهباني الماروني. وقد ذكر المرحوم الصحافي سليم اللوزي، في إحدى مقالاته، أن كل الوثائق والمستندات التي تتعلق بالأحداث اللبنانية الأخيرة محفوظة داخل مكتبة في الكسليك. فما هو الدور الذي لعبته جامعة الكسليك بالنسبة لجمع الوثائق والدراسات؟ هل تُعتبر هذه الوثائق، بحق، أنها قد تكون وثائق شمولية، تاريخية، علمية، صادقة؟

رحم الله سليم اللوزي. قوته كانت الى حد كبير في كثرة معلوماته وفي صراحته، ومصيبته جاءت من كثرة معلوماته وضريبة لجرأته. إن ما قاله سليم اللوزي عن الكسليك فيه كثير من الصحة، وهذا الشيء طبيعي، لأن الدور الذي لعبه الكسليك إبان أحداث 1975 ـ 1976، لا باعتباره فقط مؤسسة رهبانية مارونية بل باعتباره ملتقى الرهبانيات اللبنانية بشقيها الماروني والكاثوليكي، هذا الدور، وخاصة بعد مغادرة فخامة الرئيس سليمان فرنجية قصر بعبدا الى الكفور، نستطيع القول ببساطة إنه جعل من الكسليك ملتقى الوزارات اللبنانية إن على الصعيد الإجتماعي أو الاقتصادي أو التربوي، وإن شئت الحربي. وفي خلفيته، كان العقل المفكر. ولم يكن كذلك بواسطة الرهبان فقط، بل بواسطة رجال الفكر اللبنانيين الذين يعتبرونه بيتهم ومقر حكمهم ومركز حضارتهم. كان كلٌ منهم، وعلى رأسهم مؤسسو مجلة «الفصول»: الأستاذ إدوار حنين، والدكتور شارل مالك، والأستاذ جواد بولس، والدكتور فؤاد افرام البستاني، وغيرهم، كانوا يعملون ليلاً نهارًا في الكسليك للتخطيط الإعلامي للتوعية الضرورية التي كان لا بد منها في ذلك الوقت، وبالتالي أيضًا لجمع كل الوثائق المتعلقة بالحرب في لبنان. رحم الله، مرة أخرى، سليم اللوزي، إنه كان على حق. ونأمل أن يظل الكسليك، و»ثقتنا أنه سيظل»، ملتقى الرهبان، بل ملتقى التجمّع اللبناني، إن فكريًا أو وطنيًا أو خلقيًا.

من المؤكد أن لا دور للمرأة في حياة الراهب. ولكن واقع الحياة يفرض حقائق في هذا العصر، وهو الدور الفعّال الذي تقوم به المرأة الى جانب الرجل، وهذا الدور فرض الإختلاط وقلب المقاييس، ومن ضمنها السماح للرهبان بالإختلاط في المجتمعات. حضرة الأباتي القسيس، ما دور المرأة في هذا العصر، في حياة الراهب، وخاصة من الناحية التربوية التي تفرض تعاون الراهب مع الجنس اللطيف؟

سؤالك بدأت تتحدثين فيه عن الراهبة، وكأنك أردتِ أن تجعلي منها مدخلاً لسؤال آخر، وإذا بك تنتقلين من علاقة الراهب بالراهبة الى علاقة الراهب بالجنس اللطيف. المسألة بسيطة: تستطيعين أن تعودي الى جوابي الأول عن الحرية، حرية التحرّك، وحرية أبناء الله، فهي لا تتنافى والمناقبية. دور الراهبة، أو دور الجنس اللطيف، في حياة الراهب، هو دور متكامل في سبيل المجتمع وفي سبيل العمل التربوي. والعلاقات الإنسانية، سواء كانت بين راهب وراهبة أو بين راهب أو جنس لطيف أو خشن، هي هي عندما تسود المناقبية والخلقية، إذاً لا مشكلة عندنا في الموضوع.

حضرة الأباتي القسيس، لا بد وأنك قرأت العددين الصفر والأول من «الفصول». فما رأيك فيها كمجلة وطنية تضم آراء العديد من المفكرين اللبنانيين؟ وما النجاح الذي تتوقعه له كمجلة ذات نمط واحد؟

أظن أن الأستاذ إدوار حنين يرفض الخط الواحد، لأنه من المؤمنين في عالم الفكر بأن لبنان تعددي في نشاطه، وتعددي في منطلقه وفي استنتاجه. قد يكون الهدف واحدًا، لكن لا أظن أن مجلة «الفصول» ستكتفي بطريق واحد للوصول الى الهدف الواحد. ومن هنا يُكتب لها النجاح، لأنني من المؤمنين بأن الحكماء الأربعة القيّمين عليها يعرفون هذه الحقيقة ولن يجعلوها إلا ذات هدف واحد بطرق متشعبة. أما رأيي في العددين اللذين صدرا، فقد سلمته للأستاذ إدوار حنين. إن «الفصول»، ولا شك، من أرصن المجلات. ولبنان، في شقيه المقيم والمغترب، بحاجة الى مثلها. وأملي وطيد بأنها ستصدر بنفس الحجم في جميع لغات دنيا الإغتراب، لأننا نحن من المؤمنين بتعدد اللغات أيضًا. واللبناني معروف أنه يرفض الوساطة، ويريد أن يذهب الى الينبوع رأسًا. أتمنى أن تتعدى هذه المجلة الشق الوجيز باللغات الأجنبية، ويصبح العدد ذاته متعدد اللغات.

بعد هذه السنوات الأليمة التي عصفت وتعصف بلبنان، يبدو المستقبل غامضًا لهذا الوطن. فمن موقعك كرجل دين، ما هو المستقبل الذي تتوقعه للبنان، بكل صراحة؟

رددت في دنيا الإغتراب، عندما كان يُطرح عليّ هذا السؤال، بأن أحد المستشرقين، بعدما زار الشرق، قال: في مصر تعرفت الى رجل كان يُدعى محمد علي، وفي لبنان تعرفت الى شعب. فالبلد الذي يُعرّف عنه شعبه، وبكل فرد من شعبه، كُتب له أن يبقى، ولبنان سيبقى، ونحن سنبقى. لا تعنتاً منا بالبقاء في هذه البقعة التي أراد البعض أن يغتصبها منا، بل سنبقى خدمة من الشرق في هذا الشرق. ولن نرحل عنه أبدًا.

(انتهى)

إقرأ ايضاً: الأباتي شربل القسيس: وقت الخطر نخرج من الدير لنواجه – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل