




كتب نعمة الله القاعي في “المسيرة” – العدد 1706
معركة زحلة: كيف وصل الحكيم وكيف عاد؟
كنا في مقر القيادة وتبلغنا ما طلبه الشيخ بشير(2)
كانت معركة زحلة تقاس بالساعات. عندما بدأ السوريون استخدام الطوافات من مطار رياق لنقل قواتهم الى التلال المحيطة بزحلة كان بات واضحا أنهم يخططون لقطع الطريق بين عيون السيمان وزحلة. قبل أن يكتمل الحصار وصل الدكتور سمير جعجع مع سريتين من ثكنة القطارة. بعد قليل حصل اللقاء في مقر القيادة في بنك بيبلوس وتبلغ الحاضرون طلب الشيخ بشير بعودة الدكتور جعجع قبل قطع الطريق وخوفاً من اختراق جبهة الشمال. إذا كان لا بد من العودة فلنتحرك فورًا. قال الدكتور جعجع.
كلما تجاوزنا مرحلة كنا نخفف من سقوطنا بأعقاب البنادق. وفي طريقنا نزولاً رأيت من بعيد عن يساري 3 عناصر كانوا ينادوننا ويؤشرون لنا بأيديهم. لم نستطع أن نصل إليهم ولكنني صرخت لهم بأنني سأطلب من “الراتراك” أن ينتظرهم في الأعلى. أبلغت حنا سابيوس بالأمر لينتظروهم وتابعت طريقي نزولاً مع باقي المجموعة حتى وصلنا الى السفح. علمت لاحقاً بعد يومين تقريبًا أن هؤلاء الشبان الثلاثة حاولوا الوصول الى قمة الشير ولكن يبدو أنهم سقطوا أثناء صعودهم وهووا نحو الوادي وقضوا من البرد وأنهم من مجموعة “الملكو”. شهداء يضافون الى لائحة طويلة في سبيل قضية عادلة ما بخلنا نحوها لا بالمال ولا بالرجال ولا بالبرد والعذاب. فمعارك الكرامة تكلّف غاليًا دائمًا.
تابعت طريقي في اتجاه قلعة عرنطة وبعد مسيرة طويلة لعدة ساعات بين الجبال الوعرة والثلوج والأشواك وصلنا الى تلة مشرفة على سهل البقاع كانت تشبه القلعة من حيث الصخور المحيطة بها وطبيعة أرضها الوعرة. هناك طلبت من الدليل الإكمال مع غسطين تيفو ومانو الجميل باتجاه زحلة ومعهم مجموعة “أبو علي” نديم الشدياق. وبقيت مع سليمان صوايا ومجموعة دفاع بيروت في قلعة عرنطة حيث توزعنا ثلاث مجموعات على ثلاث تلال متواجهة مشكلين دائرة دفاعية بحيث تحمي كل تلة نفسها والتلتين الأخريين.
هبط الليل وازداد الصقيع وبتنا في العراء على أنغام القصف ومشاهد المضادات تخط عتمة الليل ذهابًا وإيابًا. اتصلت بالياس الزايك وطلبت منه تأمين أغطية وطعام لنا، ولكن الوقت تأخر والأحداث تتسارع. كان معي حزمة من التمر توزعتها مع الشباب كل واحد قطعتي تمر كانت كافية لتمضية الليل. ازداد القصف على الجرود وبدأ الطيران السوري طلعاته من مطار رياق الحربي ذهابًا وإيابًا ناقلاً الإمدادات بالذخيرة والرجال الى الجبهات المحيطة بزحلة. بلّغت القيادة بذلك.
أمضينا اليوم الثاني من دون طعام ولا شراب وكانت مطراتنا قد جفّت، فرحت أبحث عن مورد للماء فوجدت صخرة تقطر ماء ذائبًا من الثلوج المتراكمة عليها. وضعت مطرتي وملأتها ودعوت الباقين الى القيام بالأمر نفسه. وبعد الظهر اتصلت بنا قيادة زحلة مجددًا وأبلغتني بأن مجموعة أخرى ستصل الى عندنا وقد انطلقت فعلاً من عيون السيمان. وما هي إلا ساعات قليلة حتى بدأت أرى انتشارًا كثيفاً على منحدر الشير الأحمر لعناصرنا في طريق النزول. لقد كانت القوة بحجم سريتين من ثكنة القطارة بقيادة الدكتور سمير جعجع تنزل الشير في اتجاهنا. وفيما كنت أراقبهم بمنظاري سمعت إطلاق صواريخ لراجمة كانت رابضة في السهل باتجاه الشير الأحمر، وإذا بالصواريخ تنصب على المنحدر وتسقط بين عناصرنا بشكل عشوائي ولكن مخيف. لقد رُجمت المجموعة بكاملها عن جوانبها وفي وسطها وأمامها وورائها. من كل الجهات. هنا رحت أصلي كي لا يصاب أحد لأن الجريح قتيل.
عند المساء وصل الحكيم الى قلعة عرنطة حيث كنت في انتظاره. سلمت عليه وكان معه “عباس” من قبل الشعبة الثالثة المركزية وعلمت منه بأن الرفيق نجا تنوري قد سقط شهيدًا من جراء القصف، وعلى الرغم من ذلك تابعت القافلة مسيرتها. وعلى الرغم من اقتناعي بأن الدفاع عن زحلة بات من الخارج وليس من الداخل، تابع الحكيم تقدمه الى زحلة ومعه المجموعة، أما أنا فعدت الى صخرتي للدفاع عنها. وبعد ساعة تقريبًا اتصل بي الزايك وطلب مني التوجه فورًا الى زحلة مهما كلف الأمر. هنا جمعت الشباب وبدأنا المسيرة نحو زحلة التي وصلناها بعد ساعات وتوجهت فورًا الى مقر القيادة الجديد في “فرنسبنك”. هناك اجتمعنا في إحدى الغرف، جو إده والزايك والحكيم وعباس وأنا ونقل إلينا الزايك اتصال الشيخ بشير الذي بلغنا فيه بأن جبهة الشمال قد فتحت وهو يخشى أن يقوم السوريون بخرق دفاعاتنا، لذلك طلب من الحكيم وعباس العودة فورًا قبل الصباح الى عيون السيمان. لم تكن المجموعة قد ارتاحت بعد من مشقة الوصول الى زحلة، ولكن كان عليها العودة تنفيذاً لطلب الشيخ بشير. قال الدكتور جعجع: “إذا كان لا بد من ذلك فما علينا سوى الانطلاق”. استطرد الزايك قائلاً: “يبدو أن السوريين يحضرون لعملية كبيرة لاحتلال جرود كسروان والغرفة الفرنسية والشير الأحمر لقطع إمداداتنا، لذلك يجب التحرك فورًا قبل إقفال الطريق”. نهض الحكيم وودعنا هو وعباس وتوجهت المجموعة من جديد الى كسروان ووصلتها عند الفجر قبل البدء بالعملية العسكرية السورية التي مهّدوا لها بقصف عنيف.
أما من جهة عيون السيمان فكان الوضع كالتالي: تسلم الرفيق كميل مهنا ثكنة حراجل مع مجموعة 12 قرية مجاورة لدعم جبهة عيون السيمان، فيما توجه جورج نعمة ومجموعته الى منطقة الوردة والشير الأحمر حيث قام بالدفاع عن طريق الإمدادات. أما النحيلة والميدان والخنوسة ومحيطها، فقد تولت أقسام كسروان الدفاع عنها، بينما توجهت مجموعة من ثكنة حراجل بقيادة الرفيق حنا خليل “الطاحون” وبيار عقيقي الى الغرفة الفرنسية حيث كانت قد توالت عليها مجموعة من وحدات دفاع المتن بقيادة جورج حداد “Trinity” وهي وحدة قمت أنا شخصيًا بتدريبها وتعريفها على جبهة الغرفة الفرنسية وقواميع العبد والشير الأحمر رجوعًا الى الوردة فعيون السيمان في مسيرة استغرقت يومين مشيًا على الأقدام.
(انتهى)
إقرأ أيضاً: معركة زحلة: كيف وصل الحكيم وكيف عاد؟ – 1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]