#adsense

بوب حداد يتذكر حرب زحلة – 2

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1706

بوب حداد يتذكر حرب زحلة

حكاية “معركة إيمان وعنفوان” (2)

 

2 نيسان 1981. الصمت يلف جبهات زحلة. بوب حداد آمر فصيلة في وحدات المغاوير في قطاع الجرد مع الشباب. فجأة يصل جوزف اسطفان الملقب ب”المارشال” مع شابين ويبلغه برصد جرافة سورية تعمل على حفر خنادق في حمّار الوادي لرصد مواقع الشباب في منطقة زحلة من جهة السهل. وقبل أن يغادر بادره قائلاً بأنه بلغ قائد وحدات المغاوير جو إده بالأمر وسيتولى استكشاف المنطقة. ما هي إلا دقائق حتى دوى صوت قذيفةB7. لم يدرك بوب في حينه أن هذه القذيفة ستكون البداية لاندلاع معركة زحلة التي ستدخل تاريخ المقاومة تحت عنوان:” معركة إيمان وعنفوان”. كانت الساعة تقارب الرابعة عصرا وبتقولي نار جهنم وفتحت…

راجمات جيش الإحتلال السوري تطحن البشر والحجر. التلامذة في المدارس خرجوا من صفوفهم. الأهالي في الشوارع يركضون يصرخون بهلع بخوف… كل يفتش عن ولده، عن ضنى قلبه الذي أرسله صباحاً إلى المدرسة إيماناً منه بأن عقارب الزمن لم ولن تتوقف على رغم كل الممارسات والمناوشات التي سبقت ساعة الصفر الجحيم. لكن جشع جيش الاحتلال السوري كان يمسك بتلك العقارب ولم يدرك بدوره أنه في المكان والزمان اللذين لا تنطحن فيهما كرامة الزحلاويين وصمود شبابها.

 

بيار صقر: قلّنا بشير الجميل أو بتفللوا او بتبقوا وبتموتوا أبطال

لم يكن بيار صقر المولود في زحلة المعلقة عام 1960 يخطط لمسار حياته العسكرية قبل اندلاع معركة زحلة هو الذي كان يتخصص في مجال إدارة الأعمال في الجامعة اليسوعية في زحلة. في تموز 1980 لبى بيار إبن رينيه صقر الذي كان يرأس إقليم كتائب زحلة النداء والتحق بـ”القوات اللبنانية” وخضع لدورة تدريب قبل أن يتم فصله إلى سلاح الإشارة وأكمل دوراته التدريبية: “كل الأجواء كانت توحي وكأن المعركة واقعة. فالسوريون كانوا يقيمون تحصيناتهم ويتقدمون بها إلى تخوم المنازل عدا عن عمليات الإغتيال التي طالت عددا من المسؤولين في حزب الكتائب. ففي أيلول عام 1980 اغتيل المسؤول عن القوى النظامية في حزب الكتائب في البقاع جورج سعادة في غرفة المحولات الكهربائية في مستشفى تل شيحا حيث كان يعمل في قسم الصيانة  وفي تشرين الثاني اغتيل مسؤول القوى النظامية في زحلة فوزي خزاقة على طريق كسارة أثناء عودته من قريته جديتا. ويروي بيار: ” قبل بليلة كان فوزي سهران عنا بالبيت وقللو بيي لازم تخفف من تنقلاتك لأنو في مشروع لاغتيالنا كلنا. جاوبو: “بكرا راح يكون آخر مشوار. راح روح ع الضيعة خلّص أشغالي وإرجع… وكان فعلا آخر مشوار للشهيد فوزي”.

تسلم بيار المحور الشمالي الذي كان يضم جبهة حرقات حيث كانت تتمركز هناك قوات جيش الإحتلال السوري وجبهة تلة جحا التي كان يتمركز فيها مقاتلو “القوات اللبنانية” وتلة الحمار – المعلقة حيث دارت أشرس المعارك وكان بيار مسؤولا عن الإشارة في غرفة العمليات. ويروي بيار ساعات المعركة الأولى: “بعدني بتذكر تفاصيلا وبحس حالي راح إختنق. كان في جرافة سورية عم تتقدم على حي البربارة وتم قصفا بقذيفة صاروخية وانفجر الوضع”.

لا يخفي بيار الصراع مع الوقت الذي كان يدور في أرض المعركة لا سيما بعد سقوط الجرد مما اضطر شباب القوات إلى سلوك طريق عيون السيمان للوصول إلى زحلة مرورا بالشير الأحمر وعرنطا وصولا إلى وادي العرايش . ومع سقوط الغرفة الفرنسية التي كانت تشكل نقطة استراتيجية (بعلو 2540 عن سطح البحر) بعد عملية إنزال نفذها جيش الإحتلال السوري بواسطة طائرات الهيليكوبتر تغير مسار المعركة. وما قبل 15 نيسان لم يعد كما بعده خصوصا مع اشتداد الحصار على زحلة. “يومها أطلق الشيخ بشير نداءه الشهير. قلّنا: أنا ما راح قرر عنكن. أو بتفللوا من زحلة أو بتبقوا وبتموتوا أبطال”.

“ما بنسى كيف استشهد سليمان صوايا الملقب بـ”شلومو”. كان آمر مجموعة. وصل على موقع قلعة عرنطا المشرفة على جرد زحلة. وبلش القصف ع المجموعة. استشهد شلومو وبسبب كثافة النيران ما قدرو الشباب يسحبوا الجثة. وبقيت مطمورة بالثلج على كعب صخرة. بعد 3 أشهر طلعت فرقة من عناصر قوى الأمن الداخلي مع ضابط سوري من الوحدات الخاصة وسحبو جثة شلومو بس ما كانت مشوهة لأنا كانت مطمورة بالثلج”.

المواجهات في شوارع زحلة كانت الأشد عنفا وقساوة: “كانت المعارك تدور من شارع لشارع وأحيانا يصير في التحام خصوصا في المعلقة لأنو كان هدف المحتل السوري يفك الطوق ويخترق المحور تا يوصل على الجسر عند مدخل زحلة ويفك الحصار عن سرية القوات الخاصة التابعة لجيش الإحتلال السوري المتمركزة ببنايات غرة ومعلوف والرهبان”. وهل تمكن من فك الطوق واختراق الجبهة؟ يجيب بيار: “طويلة ع رقبتو”.

عند سقوط تلة جحا المشرفة على حي الميدان كان بيار في غرفة العمليات في مقر قيادة المحور الشمالي. “كان الهجوم عنيفا وسقطت التلة في ايدي السوريين مما أدى إلى حصول بلبلة بين الأهالي لا سيما وانها تقع على مسافة أمتار معدودة من المنازل ويومها صدرت أوامر بضرورة توجه كل رجل لا يتجاوز عمره ال60 سنة إلى الجبهة للمشاركة في حفر خنادق جديدة وتشييد المتاريس وأذكر أن قائد المحور الملقب ب”تيتو” توجه شخصيا وشارك في العملية. وبفضل مساندة مدفعية جبهة عيون السيمان خفت حدة الهجوم لكن المساندة كانت خطيرة جدا لأن المدفعية كانت من نوع 155 وعند سقوط كل قذيفة كانت الحجارة تتساقط علينا لأن مواقع الجيش السوري كانت متاخمة ومابتبعد أكثر من 100 متر”.

30 حزيران 1981 تم إخلاء شباب “القوات اللبنانية” من زحلة. بيار صقر بقي في أرضه في عرينه. كان المشهد موجعا. اليوم وبعد 36 عاما يتذكر بيار”كل جريح كان يسقط كان مشروع شهيد. لقد قصفت المستشفيات وأماكن الصليب الأحمر. وبات متعذرًا نقل الجرحى في النهار. كانت تجري عمليات بتر ساق أو يد أو تقطيب جرح من دون بنج في المستشفى الميداني في بناية خوري. أذكر حادثة مهمة في هذا السياق حيث قامت مدفعية المدرعات السورية المتمركزة بجوار تمثال العذراء في صبيحة أحد الأيام بقصف تلة جحا حيث كان شبابنا متمركزين فأصيب عدد منهم بجروح ولكن لم يستطع أحد الوصول إليهم وكانت استغاثاتهم تصلنا عبر الأجهزة اللاسلكية وكانت الطرقات المؤدية الى مركزهم عرضة للقنص والقصف المباشر بالدبابات. كان بقربي شاب من المنطقة صديق للشباب المصابين. قال لي: سأذهب في سيارتي لإنقاذهم.

أخذ السيارة وقادها على الطرقات بين القذائف والقنص، وعندما وصل الى المركز بدأ بإخلاء الجرحى أولاً ونقلهم بالطريقة نفسها الى المستشفى الميداني ثم عاد مرة أخرى وأخلى الباقين من دون أن تلحق به أية إصابة. أخبرني بعد عودته بأن القذائف كانت تسقط أمامه أو خلفه من دون أن يُصاب بشظية. لقد رسم إشارة الصليب على وجهه ونظر الى السيدة العذراء التي كانت تبسط يديها فوق تلة شيحا وطلب منها مساعدته لإنقاذ رفاقه. عجيبة أخرى من عجائب تلك المعركة. كان الله معنا ومع قضيتنا. ويختم بيار: “أشهد أن معركة زحلة حولت كل المسيحيين إلى مقاومين”.

 

مختار زحلة الميدان سمير سعادة: كنا نقعد مع الموتى ايام وندفنن بالليل

عندما بدأت المناوشات في زحلة كان إبن الميدان في الولايات المتحدة في زيارة لأحد أشقائه هناك. في الأول من نيسان وصل إلى زحلة. كان يشعر بأن انفجارا ما سيحصل. مع ذلك لم يندم بأنه عاد إلى وطنه إلى أرضه مربى الأسود”كنت مبسوط إني راح كون مع اهلي وناسي بعز إيام المحنة والضيقة”.

2 نيسان كان سمير سعادة عائدا من زيارة الطبيب . كانت الساعة تقارب الحادية عشرة إلا ربعا فجأة بدأ يسمع صوت قصف عنيف مصدره راجمات الدبابات السورية المرابضة على التلال. “وانفتحت بواب جهنم”. لا ينسى سمير مشهد التلاميذ الذين كانوا يركضون على الطرقات وعويل الأمهات اللواتي كن يبحثن عن أولادهن لاحتضانهم” كانت لحظات هلع وجنون”. أما طلاب المدرسة الإنجيلية الداخلية فعجز اهاليهم عن الوصول إليهم في الساعات الأولى على اندلاع المعركة فما كان من مدير المدرسة إلا ان اتخذ قرارا بنقلهم إلى ملجأ إحدى البنايات المتاخمة للمدرسة. ” بقيوا 12 يوم بالملجأ قبل ما يقدروا أهالين يوصلوا لعندن. بس بال12 يوم كانت أبواب جهنم مفتوحة. القصف كان عم ينزل ع البيوت متل الشتي”.

يروي سمير سعادة او المختار سمير كما يرغب البعض في تسميته معاناة الأهالي “كنا ننطر ساعات الليل تا نطلع من البيوت تا نتفقد بيوتنا او تا نجيب رغيف خبز. اطفال كتير أصيبوا بأمراض وجاعوا لأنو الحليب كان مقطوع وكانوا السيدات يعجنوا الخبز إذا توفر الطحين وأصحاب المحلات فتحوا بوابن للناس ومنن كانوا يقدمو الأكل والمواد الغذائية مجانا إيفاء لنذورات. وبس يمرض حدا او ينصاب كنا ننقلو بالليل ع مستشفى خوري واحيانا كان الجريح يموت ع الطريق لأنو كان يكون نزف طيلة النهار بالملجأ. حتى موتانا كنا نخلين إيام معنا وننطر ساعات الليل تا نروح على المقبرة الجماعية حد دير مار الياس الطوق…

وحده القناص الذي كان مرابضا عند تمثال السيدة العذراء لا يزال ينخر في عظام المختار سمير سعادة: “كان يصطاد الناس متل العصافير وما يسمح للمسعفين أو الأهالي بسحب الجثة وياما استشهد ناس كانوا عم بيخلصوا جريح مصاب بطلقات هالقناص… وبإحدى المرات راح خيي تا ينقذ أحد اهالي البلدة انصاب برصاصة قناص تمثال العذرا وبقي كل الليل قاعد بإحدى الحفر حتى تمكن باليوم التاني مع ساعات الليل من سحب الجريح اللي كانت إصابتو بإجرو. ولليوم كل ما يشوفني بيقللي لولا خيك كنت اليوم إسم على بلاطة بمقبرة الميدان”. ويختم المختار: “كنا نسمع بالحرب العالمية الأولى والمجاعة بس معركة زحلة كانت حرب جوع وموت ودمار”.

عندما خرج المختار سمير من الملجأ في 31 حزيران 1980 لم يصدق المشهد. “بتقولي زلزال ومرق على المدينة. كان المشهد بيبكي. بس منشكر ربنا إنو بقينا عايشين بفضل بطولات الشباب وصمود الأهالي اللي سجلوا ملحمة صمود المدينة. ومش كلمة وشعار بس نقول زحلة دار السلام ومربى الأسود”.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: بوب حداد يتذكر حرب زحلة – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل