حرب المئة يوم ومعاركها – 2

كتب بول عنداري من كتاب «هذه شهادتي»  – المسيرة – العدد 1707

لم تكن حرارة تموز أشد وطأة على سكان المنطقة الشرقية من القصف السوري. ففي اليوم الأول من ذلك الشهر أوقفت عناصر القوات السورية الشيخ بشير الجميل في الأشرفية وهو يقود سيارته. ففتشوها على رغم تعرّفهم إليه واقتادوه الى مقر قيادتهم في برج رزق، ثم أطلق فورًا.

قبل ذلك دارت معركة في الشياح وسقطت قذيفتان في الجديدة. وقرابة السادسة مساء إشتد القصف السوري على منطقة عين الرمانة وامتد ليشمل فرن الشباك والتحويطة وطريق الحازمية واشتعلت الحرائق. وسقط القتلى والجرحى بالعشرات…

 

معركة كور

في الوقت الذي كانت تتم ملاحقة الكتائبيين، بدءًا بالشمال وصولاً الى البقاع والجبل حيث أطلقت النار على مفوّض بحمدون، وفي الوقت الذي بدأت القوات السورية تزويد القوميين السوريين هناك بالسلاح والذخيرة والألبسة، كَمَنَ مسلحون من «المردة» في 24 آب عند جسر نهر الجوز الفاصل بين قضاء البترون ومنطقة القويطع في الكورة وأطلقوا النار على سيارة كانت تقل عددًا من العمال الى شركة الترابة اللبنانية في شكا، فسقط ستة قتلى من قرية كفرحي وآخر من حالات يعمل في مشروع نهر الجوز لتوليد الطاقة، وأصيب شاهين والياس فرسان من جبلا بجروح خطرة ونُقلا الى مستشفى البترون للمعالجة.

ولم تكن القوات السورية في حاجة الى هذا الحادث الذريعة لتوسع إنتشارها، فنشطت في اليوم التالي عملية إحتلال واسعة شملت دير بللا، بشعله، كفرحي، بيت شلالا، وطى كور، ثم في مرحلة تالية دريا وتولا… ووصلت برقية الى بيروت تسأل عن طريقة التصرّف: «هل يوجد أمر بإطلاق النار؟»، وكان الجواب: «منع الردع من التقدم أكثر باتجاه تولا». وبالفعل دارت إشتباكات بين القوات السورية و»القوات اللبنانية» على محور كور وتم إبلاغ بيروت: «الوضع العسكري متوتر جدا، إنزال جوي كثيف حول كور، المطلوب ذخيرة ومضاد وآليات». وتابعت القوات السورية عمليات الإنزال من ثماني طوافات، بحيث أصبح السوريون على بعد 3 كلم من مواقع «القوات اللبنانية».

أحكم السوريون الطوق على كور ودخلوا في اليوم التالي الى وسط القرية ودارت إشتباكات عنيفة مع المدافعين عنها الذين اضطروا الى الإنسحاب وطلبوا المساعدة «وإلا سقطت المنطقة بكاملها».

في هذا الجو، وبسبب موقف كل من الدكتور جورج سعادة والشيخ أمين الجميل من المعركة الدائرة، قدم إدمون صهيون إستقالته. ووصل الدكتور سمير جعجع بعد أربعة أيام على بدء المعركة لترتيب الوضع العسكري رغم وضعه الصحي. وأتى الشيخ بشير الجميل يستشير الشيخ يوسف الضاهر في تعيين خلف لإدمون صهيون، فأجابه: «لا يستطيع أحد الإمساك بالشباب سوى سمير جعجع». واتفق الشيخ بشير والشيخ يوسف الضاهر على أن يتسلّم سمير جعجع مفوّضية الشمال من دون تعيين. وما لبث أن تم التعيين رسميًا من قبل الشيخ بشير في 13 أيلول 1978. إثر معركة كور جرت إتصالات للحد من التوسع السوري ووضعت قوة من الجيش اللبناني في دير ميفوق وفي قرية مار ماما، وثبتت الجبهة مع السوريين عند هذه الحدود حتى نهاية الحرب.

 

مجزرة الأرز.. ومواجهة بريسات

وما أن أنهت القوات السورية عملياتها العسكرية في البترون حتى اهتزت منطقة بشري الأرز لمجزرة.

ففي 28 حزيران طوّق السوريون ثكنة الجيش اللبناني في الأرز تحت غطاء من القصف المدفعي المركّز.

وروى لي الأستاذ جوزف سكر تفاصيل الإعتداءات السورية والمجزرة التي أعقبتها، فقال: «أضرب الراعي تتبدد الخراف… بعد إصابة سمير جعجع ومرض نادر سكر وسجن جوزف جعجع في سوريا أصبحت وحيدًا، فجمعت شبابنا في ثكنة الأرز وقمنا بالتحضير والتدريب، نحرس ليلاً ونختفي نهارًا. وكنا ننزل الى بشري مشيًا على الأقدام. ثم كان هجوم السوريين على ثكنة الأرز الذي كنا نتوقعه ونستعد له، وكان في إمكاننا القيام بمجزرة ضدهم، ولكنني لم أكن مهيأ لاتخاذ مثل هذا القرار بمفردي. وقراري الوحيد: ألا يُقتل أحد من فرقتنا».

وتابع جوزف سكر يقول: «نوبة الحرس كانت حتى الساعة السادسة صباحًا، ويوم الهجوم كنا قررنا البقاء في الثكنة حتى الثامنة، ثم ارتأيت أن ننسحب في حين بقي الرفيق فادي جعجع نائمًا لأنه أرهق بالسهر على مدى ليلتين ولم يعرف بالهجوم السوري. وفجأة وصلت إليه إمرأة كانت تهتم بتحضير طعامه وغسل ثيابه وأيقظته قائلة: لقد وصل السوريون. ولم يكن قد أفاق من غفلة النوم بعد حتى دخلوا عليه فأخذ بندقية «م ـ 16» وأطلق النار فورًا، فقتل الضابط السوري وألقى قنبلة يدوية عند المدخل لحظة خروجه من الباب، فقتل عنصرين آخرين وتوجه ناحية مغارة قاديشا وهو مصاب برجله ومعه رشاش الضابط السوري ومسدسه، وبقي مختبئاً في أغراس البندورة حتى المساء».

وكان الإنتقام السوري خطف كل من هاني كيروز، وهو مهندس كان قد تزوج منذ عشرة أيام وشقيقه أنطوني وطانيوس طوق وباخوس عبدو وعزيز طوق وماريا حدشيتي، فقتلوهم وأحرقوا جثثهم ثم نقلوها بآلياتهم وسلّموها الى زعماء بشري.

وفي مساء 29 حزيران عقد زعماء بشري إجتماعًا لبحث التطورات ودار الحوار التالي:

الأب فيليب شبيعة: وحّدوا رأيكم لمصلحة بشري.

جو كيروز: لن يدخل غريب أرض بشري.

جبران طوق: أنا ديمقراطي والأحزاب ضرورية.

قبلان عيسى الخوري: أعاهدكم بسحب حاجز طريق الأرز، وقوات الردع لن تدخل بشري مهما حدث.

واتفق المجتمعون على تشكيل لجنة عسكرية من ستة أشخاص لتأمين حماية المدينة.

ومن الأرز الى بريسات حيث قامت مواجهة مع السوريين قادها إليونور فضول الذي أخبرني قائلاً: «بعد إهدن توجهنا الى قرطبا ثم الى اللقلوق لأعود بعد ذلك مع عدد من الشبان الى منطقة بشري. في هذه الأثناء حدث إحتكاك بيننا وبين عناصر من «المردة» الذين عرفوا بوجودنا في المنطقة، فتحركوا في اتجاهنا تدعمهم القوات السورية. فتوقف «المردة» وتابع السوريون تقدمهم، ففتحنا النار عليهم، وسقط قتلى وجرحى في صفوفهم. عندها دفعوا بالدبابات فتصدينا لها وتمكنا من تدمير دبابتين سقطت إحداهما جانب الطريق، واستمرت الإشتباكات من الثانية عشرة ظهرًا حتى السابعة مساء، حاولوا خلالها القيام بعملية إنزال جوي بواسطة الطوافات ففتحنا عليهم النار بـ»الماغ» وتمكنا من تسجيل إصابات في داخل إحداها. ثم قمنا بعملية تسلل والتفاف وضربناهم من الخلف، فسقط عدد من الإصابات بين قتيل وجريح. ولما ازداد الضغط العسكري توجهنا الى حرج سنديان بين حصرون والديمان، ثم انسحبنا الى بشري».

وارتسمت صورة الوضع العسكري على الشكل التالي: بيروت تحترق وتدمّر على رؤوس أبنائها، والشمال يلفظ مع إنفاسه بعض حريته وعنفوانه.

وعُقدت خلوة لـ»الجبهة السورية» في لبنان، ضمت فرنجية وكرامي وجنبلاط وصدر في ختامها بيان حدد أهداف المجتمعين ومنها «إدانة المتعاملين مع إسرائيل وتأكيد شرعية وجود قوات الردع العربية في لبنان».

وفي الجهة المقابلة، عقدت قيادة «القوات اللبنانية» إجتماعًا أعلن خلاله الشيخ بشير أن «خطة السوريين هي ممارسة كل الوسائل بهدف الإحتلال، وعلينا أن نفكر بوسائل عدة لأن مخططاتهم ونياتهم هي الوصول الى نهر إبراهيم بعد دخول قضاء جبيل. إن زيارة السادات الى إسرائيل ساعدت على تدهور الأوضاع في لبنان بعدما وقّع الرئيس المصري إتفاقاً معها، ورأى السوريون أنفسهم في عزلة فقرروا ضرب مناطقنا».

 

أشرفية المئة يوم

تابعت المشاركة في التقال في حرب المئة يوم في بيروت، ولم تبقَ ثكنة الـ«اس. كا. اس» صالحة للتجمّع العسكري، فانتقل المقاتلون الى الملاجئ ولا سيما ملجأ بناية «سان أنطوان» في أسفل طلعة العكاوي. وهناك عرفت العيش في الملاجئ في زمن عاش فيه سكان بيروت أو من تبقّى منهم تحت الأرض، واختبأنا أيضًا في ملجأ كنيسة مار أنطونيوس قرب الثكنة، وهو بمثابة «مقبرة» كنا نتقاسمها مع من سبقونا الى هناك من الأموات.

واستمرت الإشتباكات تعنف حيناً وتهدأ حيناً آخر حتى أوائل تشرين الأول. ولا تزال مطبوعة في ذهني منذ ذلك اليوم صورة لن أنساها ما حييت. ففي بداية تشرين كانت بيروت والمناطق المحيطة بها مرورًا بالمتن حتى كسروان قد تحولت الى بركان حقيقي. لم أعرف كيف بلغت قسم الشل الكتائي، إذ لم تخلُ بقعة واحدة من القذائف. في هذا المركز أُرشدت الى طريقة للذهاب الى الأشرفية عبر جونية. فتوجهنا الى هناك حيث نُقلنا بقوارب صيد صغيرة حملت مواد غذائية وخضارًا وفاكهة كانت مفقودة في الأشرفية. ولما وصلنا الى المرفأ وقبل أن نبلغ الرصيف أطلق السوريون في سماء المنطقة وابلاً من القنابل المضيئة، فأصبحنا مكشوفين كأننا في وضح النهار، وانهالت علينا راجمات الصواريخ من برج رزق والهواوين من مرابض أخرى، وتساقطت القذائف حولنا فقفز بعضنا في المياه. وعندما نزلنا الى الشاطئ إقتفينا أثر خط أبيض من الطحين للوصول الى المجلس الحربي، فتسلقنا حبلاً متدليًا على حائطه لجهة البحر. ولما بلغنا المجلس وجدنا كل شيء تحوّل الى ركام، وكانت غرفة العمليات الصغيرة مطمورة بالتراب. ومن هناك نقلنا تحت جنح الظلام جيب عسكري الى مبنى شركة الكهرباء حيث نُقلت القيادة موقتاً. وهناك تعرفت لأول مرة الى فؤاد أبو ناضر.

أمضيت هذا الأسبوع متنقلاً بين المتاريس والملجأ. وعندما كنا نتجول في الأشرفية ليلاً كنا كمن يتنقل في مدينة أشباح، وكم تمنينا أن نصادف في طريقنا ولو هرة واحدة.

في 4 تشرين الثاني، السادسة إلا الربع مساء، وصلت برقية الى الرئيس الأعلى وفيها: «الدخان يبرهن عن كل شيء يحصل، قصف مدفعي عشوائي على كل بيروت، محاولة خرق كل الجبهات والمقاتلون صامدون».

وفي الثامنة والربع مساء، جاء الجواب الى جميع المراكز: «أيها الرفاق المقاتلون الأبطال، إن المعركة التي نخوض هي معركة مصيرية في سبيل لبنان. ما نطلبه منكم هو الشجاعة والصمود، شبابنا يستبسل بقوة هائلة. إن القادمين من الصحراء لن يستطيعوا أن يتقدموا شبرًا واحدًا على كل الجبهات. لقد أوهمهم العرب أن في إمكانهم القضاء علينا، ما نقوله لهم: فشروا فشروا فشروا».

مع إستمرار قصف الأشرفية تمكن السوريون من خرق محور بارتي واحتلال البناية وقتل صاحب الصيدلية ميشال بارتي الذي قاوم ببسالة حتى الرمق الأخير. وقامت مجموعة من المغاوير في «القوات اللبنانية» بهجوم مضاد، وبعد معركة طاحنة تمكنت من إستعادة الموقع.

وأقفل الأسبوع على نهاية سارة وانتظرنا بفارغ الصبر حلول الساعة الثامنة من ذاك المساء 7 تشرين الأول، وهو الموعد المعلن لوقف النار بين «القوات اللبنانية» والقوات السورية. وصدر قرار بهذا الشأن يحمل الرقم 436، بعد جلسة لمجلس الأمن دامت أربع دقائق فقط.

خرجنا من مراكزنا ليلاً غير مصدقين. ولما أطل النهار إزددنا ارتيابًا. فالأمكنة تبدّلت تبدّلاً غريبًا، والمطارح أضحت غير مطارح، والسيارات التي كانت في الشوارع إرتفعت الى الطوابق العليا من البنايات حطامًا، فيما أنزلت مبانٍ على الأرض ركامًا فوق ركام وفي جوارها حفر عميقة أحدثتها قذائف الـ240، وقفنا أمامها مندهشين. كان عسيرًا على الناظر الى هذه التلة من الركام أن يصدق أنها كانت مدينة تنبض بالحياة.

ولم تمضِ أشهر قليلة حتى انتفضت الأشرفية من تحت الأنقاض حية بإرادة بنيها، وحدهم الشهداء لم يعودوا، لقد ذهبوا لتبقى الحرية.

لم ينتظر الشبان طويلاً، بل مضى بعضهم يعبرون جسر نهر بيروت عائدين الى منازلهم، وكنت من بين الذين تسرّعوا وجازفوا بعبور الجسر فيما الجنود السوريون منتشرون على جانبي الطريق في وضع قتالي. وحين وصلت الى البيت كانت قد سبقتني إليه أنباء المجزرة الكبرى التي ارتكبها هؤلاء الجنود، إذ قتلوا على الجسر ثلاثة عشر شابًا بينهم رفاق أعرفهم.

وفي العشرين من تشرين الأول، إستُبدلت القوات السورية المرابطة في برج رزق والمحيط بقوات سعودية، وتعرفت لأول مرة الى عدد من ضباطهم وجنودهم الذين لم يصدقوا أن عددًا قليلاً من الشبان وفي مثل عمرنا إستطاع أن يواجه السوريين. لقد عرفت فيهم الطبع المضياف، والروح النبيلة، وأذكر تمامًا ما قاله لي جندي سعودي عن إمرأة دمّر بيتها: «والله ياخوي ما أقدر أنظر للحرمة، كل ما شوفها أدك حالي في الدبابة».

حين توجه السعوديون لاستلام مواقع السوريين عند جسر نهر بيروت، كان هؤلاء يحضّرون ليسلّموها نظيفة تمامًا من كل أثاث لتستوي في ذلك المنازل والمعامل والمكاتب والمحال المحيطة.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: حرب المئة يوم ومعاركها – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل