#adsense

“قيصر” مرّ من هنا… – 2

حجم الخط

كتبت “المسيرة”– العدد 1707

رواية ولادة «قانون قيصر» بعملية قيصرية

«قيصر» مرّ من هنا… (2) 

 

تفاصيل مجزرة داريا

بعد بضعة أسابيع، خضعت داريا السلمية لأحد أبشع مجازر الحرب. فقد تم إعدام 700 شخص في إطار حملة عقابية على المدينة، في 25 و26 آب 2012. وألقي القبض على الإمام المحلي الذي كان يدعو إلى اللاعنف. وتعرض غيّاث مطر، شاب في السادسة والعشرين من العمر كان يقدّم الورود إلى الجنود، للتعذيب حتى الموت وأعيدت جثته إلى عائلته. بيد أنّ داريا التي لا يمكن إخضاعها أصرت على المطالبة بالديمقراطية. وفي 20 آب، حشد الجيش قواته حول المدينة، وسدّ المداخل والمخارج، قبل أن يقصف الضواحي. قُطعت الإتصالات. تسلل الشبيحة، ومشّطوا الأحياء، وارتكبوا مجازر في المساجد، وأعدموا الناس الذين تجرأوا على الخروج إلى الشوارع، وذبحوا عائلات بأكملها في بيت الدرج.

في اليوم التالي، كانت الشوارع مغطاة بجثث الضحايا. رجال، ونساء، وأولاد، ومسنون. على قناة «الدنيا» التلفزيونية التابعة للدولة، يتحدث المذيع عن مجزرة ارتكبها «الإرهابيون»، ويؤكّد أنّ الجيش نظّف المدينة من «العصابات المسلّحة»، ثم يعرض تقرير الصحافية التي أرسلت إلى الميدان. واضعة نظارة شمسية في شعرها، ومرتدية قميصاً أزرق سماوياً يتلاءم مع سترتها الواقية، وكتفاها عاريتان، كانت هذه الجميلة تحدّث المشاهد: «كما يمكنكم أن تروا أعزائي المشاهدين، الضحايا في كل مكان. لا أعرف إن كانت الكلمات كافية… هاكم، هناك أيضاً امرأة على قيد الحياة، سنتحدث معها ونسمعها…».

تقرير فظيع ودنيء. تتجاوز الصحافية الجثث وتمد الميكروفون إلى امرأة عجوز مصابة، ممددة في المقبرة. فقدت زوجها، وابنتها، وابنيها. تتابع المراسلة طريقها لإجراء مقابلة مع فتاة صغيرة في الثالثة من العمر، جالسة في شاحنة صغيرة، مسمّرة بالقرب من جثة والدتها. مع التعزيزات الموسيقية الكبيرة التي ترافق أفلام الحركة، وإبطاء المقاطع ثم تسريعها، تتبع الجنود الذين يفتحون النار في إطار «مهمة تطهير ما تبقى من الإرهابيين». في صفوف الجنود، يؤكّد الشهود الرواية الرسمية.

 

الإنشقاق والخروج كواجب وطني

في الفصل الثامن من شهادته التي قرر القضاء الفرنسي أخيراً اعتمادها كدليل جرمي لمحاكمة نظام بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب، يروي قيصر تفاصيل من الساعات والأيام الحاسمة لخروجه من سوريا مع ملايين الوثائق والصور المرعبة، في إحدى أنجح عمليات الجيش السوري الحرّ.

تشعر الأجهزة الأمنية السورية بأنها تتمتع بحصانة مطلقة. لا يتصوّر ضباطها وعناصرها بأنه قد يأتي يوم يتمكن فيه أحد ما من محاسبتهم على تجاوزاتهم. يدرك هؤلاء أن قوى كبرى تساند النظام. كما أنهم لم يتخيلوا يوماً أن هذه الصور يمكن أن تخرج إلى العلن وتُنشر في الخارج.

في الحقيقة، أتساءل إن كان مسؤولو الأجهزة الأمنية أكثر غباءً ممّا نتصور. فهؤلاء، المشغولون بقمع المتظاهرين، ونهب الشعب، وقتله، نسوا أن تجاوزاتهم موثقة. أنظروا إلى الهجوم الكيميائي على منطقة غوطة دمشق. كان المسؤولون يعرفون جيداً أنه ستكون هناك أدلة تدينهم، وعلى الرغم من ذلك استهدفوا المنطقة.

لكن في العمق، لماذا يقوم النظام بتصوير كل هذه الجثث التي تعرضت للتعذيب حتى الموت؟ وحده النظام يمكنه الإجابة بدقة على هذا السؤال. حتى أنني على ثقة بأنه لا يزال يصوّر الجثث على الرغم من الصور التي سرّبتُها ونشرتها. كما أنني على ثقة بأن عناصر النظام لا يزالون يعتقدون بأن المتظاهرين والثوار من الجيش السوري الحر هم «إرهابيين» مدفوعين من عملاء أجانب وأنهم يدمرون سوريا. في بداية الثورة، كان معظم العسكريين يظنون ذلك. بعدها، أدرك كثير منهم أن ذلك ليس صحيحاً، لكن بعدما سفكت الكثير من الدماء.

لم يخطر على بالي يوماً أنني سأكون مضطراً إلى مغادرة بلدي. قبل الثورة، كنا نعيش حياة متواضعة، بسيطة، لا نضرب حسابات لليوم التالي، من دون طموحات كبيرة. لم نزر يوماً المناطق الجميلة في سوريا. لم يكن لدينا لا الوقت ولا المال لفعل ذلك. لم أكن قد ذهبتُ إلى السينما سوى مرتين في حياتي. لم أكن قد سافرتُ يوماً خارج البلد. لم يكن لديّ جواز سفر أساساً، بما أن المجندين خلال فترة خدمتهم العسكرية كما الجنود وعناصر أجهزة الاستخبارات، لا يسمح لهم بالسفر.

عاش جيل أهلي تحت سلطة حافظ الأسد، وتلاه ابنه. لا شيء يمس الحياة اليومية يمكن أن يحصل من دون موافقة الأجهزة الأمنية: الزواج والطلاق والسفر إلى الخارج، حتى اختيار اسم العلم للطفل، كل ذلك كان يتطلب موافقات أمنية. اعتاد السوريون على الحياة في هذا الظلم. صار قوتهم اليومي. كنا نعاني. عندما يتراكم الألم، يتعلّم الإنسان التعايش معه.

في صباح أحد الأيام، كنتُ في المكتب، وقررت أن أبيت ليلتي هناك لأن عددَنا لم يكن كبيراً، ولم يكن مسموحاً لنا بالذهاب إلى منازلنا. كانت لديّ مهمة لتأديتها خارج دمشق وضاحيتها. في لحظتها، قررتُ الخروج وعدم العودة. عندما وضعتُ قدمي خارج مبنى عملي في الشرطة العسكرية، كنتُ حزيناً وسعيداً في آن واحد. حزين لمغادرة الأصدقاء الذين عملتُ معهم لفترة طويلة، وللذهاب نحو المجهول. لكنني كنتُ سعيداً للتخلّص من هذا الضغط اليومي القاضي بتصوير الأجساد وما يرافق ذلك من تعريضي للتوقيف. لم نكن نعرف أبداً ماذا يخبئ لنا غدنا.

مع اجتيازي بوابة المجمع العسكري، لم أفكر بأهلي. لم أفكر سوى بأن أكون بأمان: كيف أجتاز الحدود بسلامة؟ تملّكني خوف كبير. شعرتُ باطمئنان نسبي بسبب المهمة العسكرية التي من المفترض أن أنجزها والتي تسمح لي بأن أعبر بحرية نسبية الحواجز في دمشق وضواحيها.

كان لدي موعد مع عضو في المعارضة عند محطة حافلات. كانوا قد وصفوا لي الشخص المذكور وكان بدوره يعرف شكلي. كان لدى كل منّا رقم هاتف الآخر في حال احتجنا للتواصل، على الرغم من أن هاتفي كان مراقباً. كان ذلك اللقاء يحمل المخاطر. كنتُ أخشى أن يخونني ذلك الشخص وكان بدوره يخاف أن أكون جاسوساً عند النظام. لحسن الحظ، كنتُ أعرف المكان، وهذا ما طمأنني. تعرفنا إلى بعضنا البعض، من دون الإكثار من الكلام، صعدنا في سيارته وانطلقنا.

وبعد اجتيازنا حوالي 50 كيلومتراً، سلّمني هذا الشخص لرجل آخر سلمني بدوره لثالث لم أكن أعرفه نهائياً. كان يتم تسليمي إلى شخص مختلف كلما كنا نجتاز نحو 50 كيلومتراً. هذه هي الطريقة الوحيدة التي تسمح لك بالتجول في سوريا اليوم. عليك مرافقة أشخاص يعرفون مناطقهم جيداً، طرقاتها ودروبها غير المراقبة لتفادي الحواجز. لكن الدقائق التي تتخلل تبديل السيارة والسائق كانت فعلاً مثيرة للقلق لدي. كنتُ أتساءل: هل سيخونني هذا؟ هل أنا بأيدٍ أمينة؟

ثم وصلتُ إلى الحدود الجنوبية. مكثتُ هناك لفترة من الوقت في منزل أحد الأشخاص الموثوق بهم، في منزله العائلي، مع أولاده وزوجته. كانت الزوجة تعرف أنني منشق لكن لم تكن تدرك ما كانت وظيفتي بالتحديد. كانت تلك المنطقة الحدودية المعروفة باحتضانها المنشقين، محاصرة من قوات النظام.

كان عليّ انتظار اللحظة المناسبة لاجتياز الحدود بشكل غير شرعي. بعد بضعة أيام، بدأتُ أملّ من المكوث في المنزل. خرجتُ وشاهدتُ جمعيات تساعد المدنيين وتوزع عليهم المواد الغذائية من طحين وحليب. كانت تلك المساعدات مصدرها دول عربية وغربية. في أحد الأيام، ولحظة توزيع المساعدات، سقط صاروخ على بعد 20 متراً من تواجدنا. فكرت أن ذلك لم يكن بالصدفة، وأن الجيش يملك مخبرين من دون شك في المنطقة!

في مساء أحد الأيام، عاد رب المنزل إلى البيت ولم يجدني هناك وغضب مني عندما عدتُ. كان يخشى أن أكون قد وقعتُ في قبضة مخبري النظام أو المجموعات المسلحة المتطرفة.

اجتزتُ الحدود مختبئاً في سيارة. عندما دخلتُ إلى البلد الحدودي، وجدتُ العديد من أفراد عائلتي في انتظاري. كنتُ سعيداً بلقائهم بأمان. لكن هذا البلد كان يعجّ بالعملاء ولم نكن مطمئنين. هناك، كان العديد من المنشقين قد تمت تصفيتهم. كنا نتوخّى عدم مخالطة الكثير من السوريين اللاجئين بكثرة إلى هذا البلد. مكثنا هناك لأشهر عدة، قبل أن نلجأ إلى أوروبا.

 

سامي وأبو خالد: من القلمون الى بيروت والعالم

لا يستطيع قيصر سرد كيف تمت حمايته. في مطلع العام 2013، كان ثوار من الجيش السوري الحر يراقبونه بسرية. من دون أن يعلم، وطيلة أشهر، كانوا يتعقبون كل تحركاته عن بُعد. كان المسؤول عن هؤلاء، أبو خالد، رجل قصير القامة، مقلّ في الكلام، من منطقة القلمون. أضاع أبو خالد ورجاله، لمرتين، المخبرين، قبل أن يُخرجوا الأدلة الجرمية التي جمعوها في المستشفيات العسكرية بالمزة وتشرين.

كان قد مر عامان على الثورة وعلى سقوط سوريا في الحرب. دخل تنظيم «داعش» إلى الساحة السورية وهمّه محاربة المعارضة أكثر من قتال النظام، وصار إخراج قيصر من البلد أمراً طارئاً. صار قيصر واقعاً أكثر وأكثر بين نارين، واقعاً ضحية الشعور بالذنب لمشاركته، رغماً عنه، بمجازر النظام. أراد التوقف عن مواصلة مهنته مراراً، لكن كل مرة كان هناك من يقنعه بالإستمرار لأنه وحده كان قادراً على جمع الأدلة من داخل النظام. كان صديقه سامي على اتصال مع ناشط من المعارضة «المعتدلة» والسلمية يقوم بإرسال الصور المسرَّبة، عبر البريد الإلكتروني المشفّر إلى الخارج. تم جمع الآلاف من هذه الصور بهذه الطريقة عبر قيصر وإرسالها إلى الخارج. هل كان على قيصر مواصلة عمله هذا، تحت خطر أن يفتضح أمره، في حين أنه الشاهد الرئيسي على آلة الموت التي يديرها بشار الأسد؟

في يوميات الحرب واستمرار عملية قيصر، لم تكن حساسية هذا الملف ظاهرة بالضرورة. من أجل إدراك حساسية الملف، كان يجب الإمعان في النظر إلى تلك الصور، واستعراضها ببطء. الإمعان في النظر إلى تلك الضحكة على هذه الوجوه اليافعة، لاستيعاب أنها وجوه جنود من النظام السوري، يضعون قفازات الأطباء الجراحين في أياديهم. سوريون يستعرضون وهم يجلسون القرفصاء أمام الكاميرا، سعداء أمام جثث سوريين آخرين. كان يجب التوقف أمام الصورة، بفزع، صورة جثة جارٍ أو قريب.

يعرف سامي هذه المعاناة ويعرف فعاليتها. قرر إرسال الصورة التي وجدها على القرص الصلب في حاسوب أحد أصدقائه وهو طبيب مسجون من قبل النظام، لأبو خالد. في الحرب السورية، تتم ملاحقة كل من يعمل في المجال الطبي. فهم يعتنون بالجرحى أياً كانوا ـ متظاهرين سلميين أم ثوار مسلحين أو سكان حي تسيطر عليه المعارضة أو حتى ميليشيا تابعة للنظام ـ ويعتبرهم النظام «إرهابيين».

منذ الأشهر الأولى للثورة، لم تعد المستشفيات العامة آمنة. كانوا يبترون من دون سبب طبي أيدي الناشطين، أو يتركون متظاهرين مصابين بجروج طفيفة يموتون. من أجل معالجة المدنيين، بدأ الأطباء بالعمل في السر، في المطابخ والأقبية والغرف الصغيرة التي لا تنطبق عليها معايير النظافة ومع نقص في كل ما يحتاجونه من مخدّر ومطهّر وغيرها من الأدوات الطبية…

كان سامي يعرف إذاً ما يفعله حين أرسل صورة جسد ذاك الطبيب لأبو خالد. تم توقيف الرجل على حاجز تابع للجيش النظامي حين كان في طريقه لمقابلة قائد الجيش السوري الحر. تعذّب حتى الموت: تورّم وجهه، وتخلخلت عظامه ووصلت صورته وفق القنوات الرسمية إلى أرشيف الشرطة العسكرية. ومن ثم عن طريق قيصر على قرص صلب من قبل سامي. وأخيراً على الحاسوب الخاص بأبي خالد. وهنا كانت الصدمة.

في اليوم التالي، سلك سامي طريق المزرعة العائلية لأبي خالد، التي تقع في مرتفعات القلمون والمعزولة في الجبل، والتي تطل على بضعة تلال هي دفاع طبيعي ضد المعتدين. هناك تحدث الرجلان مطولاً. قال أبو خالد «علينا مساعدة قيصر على الإنشقاق، وعليه أن يخرج حياً من البلاد، وأن تصل صوره للعالم أجمع».

نظّم أبو خالد هروب البطل المجهول. اجتاز قيصر الحدود وهو يختبئ داخل سيارة. عشرات الملايين من الملفات سجلت على قرصين صلبين، واحد مع نسخ الصور أرسل عبر البريد الإلكتروني بنوعية منخفضة الجودة إلى الخارج، والآخر مع الصور الأصلية بنوعية عالية الجودة بقي في سوريا. سيقوم أبو خالد لاحقاً باجتياز الجبال على الحدود اللبنانية بشكل سري لتهريب القرص الصلب وتسليمه لسامي في بيروت.

لم تكن بيروت إلا محطة عابرة في عبور القضية من المصوِّر قيصر الى «قانون قيصر» في واشنطن. هل سيسمح هذا القانون بتغيير النظام في دمشق وبوقف عمليات القتل وبعودة قيصر الى سوريا؟

(انتهى)

إقرأ أيضاً: “قيصر” مرّ من هنا… – 1 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل