شمعون والنضال: قصة السجين الذي صار رئيسًا -2

“المسيرة” – أنطوان خويري – من كتاب “كميل شمعون في تاريخ لبنان” – العدد 1708

شمعون والنضال الوطني والسياسي:

قصة السجين الذي صار رئيسًا (2)

 

شمعون وزيرًا… فسفيرًا…

وسارت الأمور بشكلها الطبيعي، الى أن جاءت حادثة النائب يوسف بك كرم إثر انتخاب فرعي جرى في نيسان 1944 بعد مقتل نائب بشري حسيب جعجع. وفاز المرشح المستقل يوسف كرم، وهو من زغرتا، وُحدّد يوم السبت في 27 نيسان موعدًا لحضوره أول جلسة نيابية، فرافقته من الشمال تظاهرة حماسية قام بها أصدقاؤه وأنصاره، وانضم إليها خصوم العهد الإستقلالي وأنصارهم في جبل لبنان، بغية إقتحام المجلس النيابي وقلب الحكومة. وتولّى عملاء السلطة الفرنسية تسليح بعض المتظاهرين وتنظيمهم وتوزيع الأعلام الفرنسية عليهم، واندسّ البعض الآخر في صفوفهم، وتمركز آخرون في الأبنية القريبة من المجلس للتدخل عند الإقتضاء. وعند الساعة الثالثة بعد الظهر، وصل النائب كرم يمتطي حصاناً أبيض وخلفه ما يزيد على العشرين ألف متظاهر يُلوّحون بالأعلام الفرنسية، وعلى مدخل المجلس النيابي علّقوا علمًا منها فاشتبكوا مع الحرس. وإذا بعسكري فرنسي يعتلي أكتاف بعض المتظاهرين رافعًا العلم الفرنسي ويُحرّضهم على إقتحام المجلس. ولما صعدوا الدرج وصاروا على خطوات من الباب، أطلق النائب نعيم مغبغب الرصاص وبعض القنابل اليدوية، وسقط ذلك الجندي الفرنسي قتيلاً، فتوقف الهجوم، وانهمر الرصاص من كل جانب ولا سيما من عملاء الأمن العام الفرنسي الذين كانوا على سطح البنايات المجاورة. ولكن رجال الأمن اللبنانيين تمكنوا من السيطرة على الموقف. وأسفر الحادث عن سقوط خمسة قتلى وسبعة عشر جريحًا، وأُصيب عدد من العملاء الفرنسيين نقلتهم سياراتهم بصورة خفيّة، واعتُقل عدد من المتآمرين والمتظاهرين.

وسببت هذه الحادثة فتورًا ما بين كميل شمعون الذي كان وزيرًا للداخلية ورئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح، وذلك لسببين، الأول: إتصال شمعون بالقائد البريطاني في لبنان والطلب إليه التدخل لدى الأجهزة الفرنسية لمنع عملائها من إشعال حرب أهلية. والثاني: سحب قوة من الدرك اللبناني، كانت ما تزال لدى الفرنسيين، للإشتراك في المحافظة على أمن المجلس النيابي. واعتُبر شمعون بتصرّفه هذا، قد عرّض الدولة لمشكلة مع الفرنسيين ولخطر مواجهة معهم، وخصوصًا بعدما اتهم عملاء الأجهزة الفرنسية بإثارة الشغب واستغلال تظاهرة النائب كرم لإشعال الحرب الأهلية.

وقدم الفرنسيون الى رئيس الجمهورية مذكرة إحتجاج رسمية على تصرّف شمعون، وأعلنوا فيها رفضهم التعاون مع الحكم طالما أن شمعون هو وزير للداخلية، كما أعلنوا رفضهم تسليم قوة الدرك اللبناني التي كانت لديهم…

وحلاً لهذه المشكلة طُلب من كميل شمعون التخلّي عن وزارة الداخلية والذهاب الى لندن كوزير مفوّض للبنان، فيخدم القضية اللبنانية من جهة، ومن جهة ثانية يُفسح في المجال أمام الحكم والحكومة للتفاهم والمصالحة مع الفرنسيين. ويقول هنا الرئيس شمعون في كتابه «مذكراتي» ص 41: «والظاهر أنه كُتب عليّ منذ هذه الساعة أن أكون كبش المحرقة». وهكذا أصبح شمعون أول دبلوماسي لبناني في تاريخ لبنان الحديث يُمثل بلاده المستقلة ذات السيادة، ويحمل الى العالم إسم لبنان، ورسالة شعبه الحضارية. وقد جعل أثناء إقامته في لندن، من تاريخ لبنان موضوعًا لمحاضرات عديدة ألقاها في ندوة «شتهام هاوس» وفي أندية «الروتاري» البريطانية.

وما لبثت الحكومة السورية فيما بعد، أن كلّفت كميل شمعون تمثيلها بصفة غير رسمية، بانتظار تعيين وزير سوري مفوّض في لندن. وتولّى رئيس الوزراء السوري سعدالله الجابري ووزير الخارجية جميل مردم تسليمه التفويض وإبلاغه الى المعتمد البريطاني في بيروت.

وما كاد يصل شمعون الى لندن حتى بدأ إتصالاته مع كبار المسؤولين والموظفين والعمل على إستكمال إستقلال لبنان. ولم يقتصر عمله في لندن فقط، بل حيث استطاع أن يكون للقضية اللبنانية مجال للعمل من أجلها. وها هو في السابع والعشرين من تشرين الأول سنة 1944، ولم يكن قد مضى على وصوله الى لندن فترة قصيرة، يُسافر الى واشنطن فشيكاغو للإشتراك في مؤتمر الطيران المدني، وللإتصال بالمسؤولين الأميركيين والجاليات اللبنانية والعمل معهم على دعم إستقلال لبنان. ووفقاً لطلبه إتصلت وزارة الخارجية الأميركية بالحكومة المكسيكية راغبة إليها الإعتراف باستقلال لبنان وسوريا إعترافاً يتفق في شكله واعتراف الولايات المتحدة.

وبعد عودة شمعون الى لندن، قام بأول زيارة له للوزير المستر أنطوني إيدن، وتناول الحديث القضية اللبنانية، قال إيدن لشمعون بالحرف الواحد: «إن الحكومة البريطانية قد اعترفت باستقلال لبنان وسوريا وضمنت هذا الإستقلال. وهي لم تفكر فقط في التراجع عن هذه الخطة. أريد فقط أن ألفت نظرك الى نقطة واحدة، إنكم أصدقاؤنا والفرنسيون أيضًا أصدقاؤنا. وسيكون أدعى بكثير لراحة وزير الخارجية، الذي هو أنا، أن توفّقوا الى إيجاد حلّ فيما بينكم للمسائل التي تفرّقكم».

فأجابه شمعون بلهجة مماثلة من البساطة: «لا يُطالب الفرنسيون بما نستطيع القبول به. إنهم يريدون أن يفرضوا علينا معاهدة تضمن لهم مركزًا ممتازًا في بلاد الشرق».

فعاد المستر إيدن الى القول: «لقد حدّدت لكم موقفنا. أنا لا أطلب منكم أن تعقدوا معاهدة، إذا كنتم لا ترغبون فيها. المهم هو إيجاد شكل ما للتفاهم: إيجاد تسوية».

فأدخل شمعون هذه الكلمات الفرنسية، وقال: إيجاد «تصفية».

فأجاب المستر إيدن وهو يضحك: «إنك تُتقن الفرنسية الى درجة أنني لا أغامر باللحاق بك فيها. ولكن ألا تجد أن كلمة «تصفية» قاسية جدًا».

شمعون: «في حين أنها المخرج الطبيعي الوحيد».

وانتهت المحادثة هنا. وودّع إيدن شمعون بتقدير وإعجاب.

ومن لندن، الى مؤتمر سان فرنسيسكو وإعلان لبنان الحرب على ألمانيا واليابان سنة 1945، الى جولة في العواصم العربية في العام نفسه لاقى ترحيبًا حارًا من الملوك والرؤساء العرب، وشكرًا على موقفه من قضية تثبيت سيادة لبنان وسوريا والقضية الفلسطينية، وتنقية الأجواء السياسية بين بعض الدول العربية وبريطانيا، الى مؤتمر منظمة الأونسكو للتعاون الفكري والثقافي، والى مؤتمر الأمم المتحدة لرسم السياسة الدولية ووضع أهداف هذه المنظمة الكبرى واعتراضه الشديد على الإتفاق الفرنسي ـ البريطاني بشأن قضية لبنان، والى حضوره الدورة الأولى للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في كانون الثاني 1946 كعضو في وفد لبنان الذي كان مؤلفاً من: وزير الخارجية حميد فرنجية، ورئيس الحكومة السابق رياض الصلح، ووزير الداخلية يوسف سالم، كان كميل شمعون في كل هذه المحافل صوت لبنان المدوّي من أجل الإستقلال والسيادة والكرامة والحرية، وجلاء آخر جندي أجنبي عن لبنان من دون أي قيد أو شرط.

 

شمعون المعارض… والرئيس…

ومضت الأيام.. ولم يلاقِ عهد الإستقلال، في سياسته الداخلية، النجاح الذي لاقاه في سياسته الخارجية، وإن اقتصرت سياسته الداخلية على تحقيق الميثاق الوطني. فالفساد في الإدارة إزداد في عهد بشارة الخوري إزديادًا واضحًا، وعمّت المتاجرة في النفوذ من قبل المقرّبين والأصدقاء والأزلام والمحاسيب، وكثرت الفضائح.. وجرت الإنتخابات النيابية في 25 أيار 1947 فكانت فضيحة العهد الكبرى، إذ لجأت الحكومة فيه الى التزوير على نطاق واسع لتضمن وجود مجلس يؤيد عهد بشارة الخوري، ويقوم بتعديل الدستور لمصلحة تجديد ولايته مدة ست سنوات أخرى. وما أن تم تعديل الدستور على هذا الشكل، حتى هبّت معارضة قوية وفي طليعتها كميل شمعون تُندّد بمثل هذا التلاعب بنصوص الدستور.

وتنظّم المعارضون، وألّفوا «الجبهة الإشتراكية» من سبعة أعضاء، هم: إميل البستاني، كمال جنبلاط، كميل شمعون، أنور الخطيب، عبدالله الحاج، بيار إده وغسان تويني. ويقول كميل شمعون: «إن تسمية هذه «الجبهة الإشتراكية» لم تكن من حيث النهج، إنما من حيث تكوينها فقط…». وبدأ أعضاء الجبهة المذكورة حملة تستهدف الحكومة ورئيس الجمهورية.

وفي صيف 1952، عقد أعضاء «الجبهة الإشتراكية» مؤتمرًا في دير القمر حضره عشرات الألوف من المنتفضين ضد العهد، وكان الرئيس بشارة الخوري في ذلك الوقت يصطاف في قصر بيت الدين قرب دير القمر، فشاهد بأم عينه قوة المعارضة كما سمع الخطب القاسية التي تُندّد بسياسة عهده. وفي 15 و16 أيلول من العام نفسه، أعلن المعارضون تنفيذ إضراب عام في البلاد، إثر فشل السيد صائب سلام في تأليف حكومة جديدة، وأقفلت العاصمة، وازدادت الحالة اشتدادًا، وقدم نواب «الجبهة الإشتراكية» وبعض النواب المعارضين عريضة الى رئيس المجلس النيابي، طلبوا فيها إبلاغ رئيس الجمهورية ضرورة الإعتزال من منصبه. وبعد أن إستدعى الرئيس بشارة الخوري قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، للوقوف على رأيه ومدى استعداد الجيش للتدخل في فتح العاصمة ووضع حدّ لتظاهرات المعارضة، وبعد أن فوجئ بجواب اللواء شهاب أن هناك صعوبة وعواقب من جرّاء تدخل الجيش، وكان قد تعذر تشكيل حكومة وتعثرت كل الحلول، قدم الرئيس بشارة الخوري إستقالته، وأصدر مرسومًا بتعيين اللواء فؤاد شهاب رئيسًا للوزارة يُعاونه وزيران: ناظم عكاري وباسيل طراد.

وما أن أُعلن في الإذاعة، صباح 18 أيلول 1952، نبأ إستقالة الشيخ بشارة الخوري من رئاسة الجمهورية، حتى عمّ الإرتياح البلاد، وبدأت الإستعدادات لانتخاب خلف له. وكان في حلبة التنافس فارسان متوازيان في الذكاء والقوة والكفاءة، وهما: كميل شمعون وحميد فرنجية، وكان النواب الدستوريون (وعددهم 14 نائبًا) يؤيدون فرنجية مع عدد قليل آخر، والنواب الباقون يؤيدون شمعون. غير أن القرار الذي اتخذه نواب منطقة الشمال بتأييد شمعون رجّح كفّته على منافسه، مما حمل صديق الطرفين النائب يوسف سالم على القيام بمسعى تفاهم ومصالحة، حول مأدبة غداء في منزله في بيروت، إنتهى بانسحاب حميد فرنجية لصالح كميل شمعون. ويقول سالم في مذكراته: «عندما التقى المتنافسان، قال شمعون لفرنجية: «الظاهر يا حميد إنو الإخوان فكّروا بالشعر الأبيض»، ومدّ شمعون يده على رأسه. فأجابه حميد فرنجية: «والظاهر إنّو الحق معك».

كان شمعون ضمن غالبية صوت أو صوتين. وقال سلام الذي اشترك في ذلك الإجتماع: «لا يجوز أن يُنتخب رئيس جمهورية لبنان بغالبية صوتين. والكلمة لحميد بك الذي نعرف حرصه على هذا المنصب». فقال فرنجية: «أنا أريد أن يأتي رئيس الجمهورية برصيد ضخم وأن تكون له سلطة قوية». ثم وقف شمعون وفرنجية فتعانقا وتبادلا التهاني.

وفي 23 أيلول 1952، جرى إنتخاب كميل شمعون رئيسًا للجمهورية اللبنانية بحضور 76 نائبًا من دون منافس. وبعد أن ألقى الأستاذ حميد فرنجية كلمة أيد فيها «الإنقلاب» الذي قام به الشعب اللبناني، والانتخاب الذي أجراه المجلس النيابي، سأل الله أن يُسدّد خطى الرئيس الجديد، ويُنزّه قلبه ويده وعقله عن كل ما يمكن أن يضرّ بمصالح البلاد.

وألقى الرئيس المنتخب خطابًا شكر به للمجلس ثقته التي أدت الى انتخابه، ووصف ما يجب أن يتحلّى به رئيس الجمهورية من كريم المزايا، وما ينبغي أن ينكفئ عنه، وأبان بالتفصيل مطالب الشعب من الدولة في سبيل توفير عيش أفضل ومستوى إجتماعي أسمى.

وتبقى كلمة للتاريخ، قال الرئيس كميل شمعون عن الرئيس بشارة الخوري وهو يسرد قصة حياته: «كان بشارة الخوري من الشخصيات اللبنانية البارزة. ولئن كان بعض الناس قد اتهمه بالخوف وعدم الجرأة، فأنا أعرف ظروفاً تاريخية مهمة، كانت تتطلّب رجولة حقيقية، فكان بشارة الخوري على مستوى تلك الظروف والأحداث من الحكمة والوطنية والجرأة، بحيث لم يخشَ أي تهديد من قبل السلطات الفرنسية، ولم يضعف أمام أي عمل إنتقامي قاموا به ضده. ولما اعتقله الفرنسيون وتم نقله الى قلعة راشيا، فإنه ظل محافظا على هيبته وكرامته، ولم يستطيعوا أن ينتزعوا منه أي إتفاق أو وعد ينتقص من سيادة لبنان واستقلاله. وإن كل الذي حصل فيما بعد، لم يكن بسبب الشيخ بشارة نفسه، بل بسبب «حوسته» من المقرّبين والأزلام والمحاسيب…».

ولم يطل الوقت.. حتى وقف نواب «الجبهة الإشتراكية» الذين كانوا من أشد الموالين للرئيس شمعون معارضين للحكم والحكومة. وبعد أن نعى أحدهم كمال جنبلاط على «الإنقلاب» نتائجه المؤسفة، أعلن ورفيقه إميل البستاني معارضتهما الشديدة للعهد ورئيسه.

ويقول هنا الرئيس شمعون، إن علاقته مع كمال جنبلاط كانت طبيعية. إلا «أن جنبلاط كان هاجسه الوحيد أن يلعب الدور الأول في لبنان، وأن يحاول دائمًا التقرّب من أي رئيس للجمهورية لعله يتمكن من أن يُملي إرادته عليه، حتى إذا تيسّر له ذلك، صرّح مدّعيًا أنه هو الذي يصنع الرؤساء في لبنان. ولكن في الحقيقة لم يكن ذلك إلا وهمًا في مخيّلة جنبلاط فقط. فكمال جنبلاط لم يستطع شخصيًا أن يأتي بأي رئيس للجمهورية أو أن يُسهم في الضغط على إستقالة رئيس، إنما كان يُعارض بشدة مع مَن يعارضون سياسة أي رئيس للجمهورية أو للحكومة. ولعل الخلاف الذي وقع ما بيني وبين جنبلاط كان بسبب وهمه هذا، أو إدّعائه، أو محاولته أن يُملي إرادته في بداية عهدي، ولم يقدر.

وعلى كل حال، فإن هذا لم يمنع من أن يكون لي علاقة وطيدة مع آل جنبلاط. فأول معركة إنتخابية خضتها كانت مع حكمت جنبلاط، ثم توطّدت صداقتي مع السيدة نظيرة جنبلاط سيدة قصر المختارة، التي كانت تضيق ذرعًا بتصرفات ولدها كمال وتعنّته. مما دفعه الى إعطائها بيتاً صغيرًا بالقرب من القصر لتعيش فيه وحيدة. وفي أثناء مرضها الأخير في المستشفى، كنت الأقرب إليها من ولدها، كما كنت آخر شخص ودّعته قبل وفاتها، وقد أوصتني بألاّ تتأثر صداقتي لآل جنبلاط وقصر المختارة بسبب بعض تصرّفات كمال جنبلاط الشاذة»…

(انتهى)

إقرأ أيضاً: شمعون والنضال: قصة السجين الذي صار رئيسًا -1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل