من سدة الرئاسة الى… تحت الأنقاض

بربارة نيومان –  من كتاب “حب وموت في بيروت” – “المسيرة” – العدد 1709

 

في صباح 14 أيلول عام 1982 خطب بشير الجميل الرئيس المنتخب للبنان في دير الصليب، خارج بيروت حيث كانت أخته أرزة راهبة.

كان الدير عبارة عن مبنى حجري رائع فوق جبل مطل على البحر ويحمل ذكريات حلوة ومرة لبشير.

كان يجلب مايا الى هذا الدير في نهاية الأسبوع، كانت الطفلة مأخوذة بحوض الأسماك الملوّن الذي كان موضوعًا في المدخل.

تكلم بشير الى الراهبات وبعض الحاضرين قائلاً: «علينا أن نتذكر دائمًا أن لا أحد سيقوم بما سنقوم به لأنفسنا. هذا الإنتخاب، ورئاستي هما بداية الطريق، وقد حصل لأننا هيأنا أنفسنا له، لم يجعلني الأميركيون رئيسًا، ولكنهم ساعدوا في تحقيق ذلك. طبعًا خلقوا الأوضاع التي جعلت هذا يحصل، ولكن لو تراجعنا ولم نكن صلبين كشعب، لم يكن كل هذا قد تحقق».

كانت هذه آخر خطبة من سلسلة الخطابات التي ألقاها، ومرة تلو المرة كان يحث الناس على أن «يضعوا جانبًا الروابط الطائفية لمساندة السلطة الشرعية المركزية»، وقد أعلن مرارًا أنه لن يمثل حزبًا واحدًا أو طائفة واحدة، بل كل لبنان، «على شعب لبنان أن يوافق»، كتب في مقاله: «بأن لا مكان للقوة في الخلافات التي تحصل داخل البلاد».

إنتخاب بشير أمدّ البلاد بالأمل، حتى الأعداء بدأوا يؤمنون بكلامه عن الوحدة وعن إنهاء الفساد والولاء الحزبي الذي كان أكثر من مجرد حملة بيانية.

ترأس صائب سلام، رئيس وزراء لبنان سابقاً، المقاطعة الإنتخابية، وقد قام سلام بزيارة لبشير بعد الإنتخابات التي فاز فيها بتأييد مميّز من عدد من المسلمين الشيعة والسنّة.

في اجتماعهما الأول إرتدى سلام، الرجل الرسمي جدًا، قميصًا خفيفاً، بينما ارتدى بشير بدلة وربطة عنق. عندما دخل سلام مكتب بشير، نظر الى الرجل الشاب وقال: «شيخ بشير، أنت لا تنفك أبدًا عن إرباكنا».

ثم انطلق سلام في خطبة لاذعة، مطالبًا بأن يحترم الرئيس الجديد الإتفاقيات غير المكتوبة التي قسّمت حكم لبنان الى قطاعات متفرقة، فهناك بعض المناصب محفوظة بشكل تقليدي للمسلمين السنّة، ومناصب أخرى للشيعة، وهناك مناصب أيضًا للمسيحيين. طالب سلام بتأكيدات، على الرغم من إدعائه أن بشير سيلتزم بهذه القوانين غير المكتوبة.

إستمع بشير بأناة وصبر مهذب، بعيد كل البعد عن شخصيته. لم يقاطع، إنتظر حتى أنهى سلام كلامه. ثم قال بهدوء: «سأتبع القوانين المكتوبة في الرسالة، وسأرتبط كليًا بالدستور، ولكن ضمن الإطار سأفعل ما أراه مناسبًا، ولن أُلزم نفسي بأية إتفاقيات، أنت حر أن تعارضني، سأرحب بتأييدك، ولكن في المقابل أؤيد حقك في معارضتي، ولكن ما لن أفعله هو التسوية». وفقاً لما قاله المساعدون، فإن سلام خرج متأثرًا ببشير وأخذ يتهيأ للعمل معه.

كان بشير يشجب بعنف موظفي الحكومة الذين كانوا يضعون في جيوبهم شيكات الحكومة الدسمة وهم يغشون الشعب بخدمات يأخذون رشاوى لتأمينها. في الثامنة صباحًا بعد يوم واحد من الإنتخاب، كانت المكاتب الحكومية مكتظة بالموظفين المتمرسين الذين لم يكن لديهم مناضد، ولا يعلمون أين مكاتبهم، ولم يسبق لهم أن إلتقوا بزملائهم في العمل. وظلوا يأتون الى العمل بإخلاص حتى موت بشير، ثم توقفوا.

بعد فوزه باشر بشير بسلسلة من الخطابات التي، لأنها جاءت بعد وليس قبل الإنتخاب، أثارت البلاد. مرة تلو الأخرى قال إن عهدًا جديدًا قد بدأ في لبنان، وقال للشعب إن مصيرهم أصبح في أيديهم مرة ثانية.

بيار يزبك الذي سمع الكثير من هذه الخطابات قال لي آجلا إن الأمر بدا وكأن بشير قد بلغ درجة لم تعد معها كلماته مجرد مفردات إنما وقائع. قال إن الإستماع الى بشير في الفترة التي تلت إنتخابه كان كالرؤية التي تتحقق أمام عينيك: لحظة تحقيق وبداية، وهذا التوكيد تردد صداه مرات عديدة من أناس كانوا في لبنان خلال حكم بشير الذي دام 21 يومًا.

بينما كان بشير يتكلم من دير أخته، كان رجل لبناني له من العمر 26 سنة ويُدعى حبيب طنوس الشرتوني يقوم بتفحّص قنبلة ضخمة ـ 450 باوند من الـ T.N.T ـ كان قد وضعها في الطابق الثاني، في أعلى الصالة المركزية للإجتماعات مباشرة، في مركز حزب الكتائب في الأشرفية، والقنبلة هي إختراع ياباني متطوّر، مهيأة للإنفجار من مسافة تبعد عدة أميال، وفقا لمصادر المخابرات اللبنانية. فقد تم التزوّد بهذا الإختراع من أو عبر بلغاريا التي كانت تتصرف لمصلحة السوفيات في هذه الأمور.

الشرتوني، المسيحي، لم يواجه أية صعوبة في الدخول الى المبنى، ولهذا، من دون شك، تم اختياره.

كان الشرتوني يسكن في شقة الطابق الأعلى من مركز الحزب، وما يزال أفراد عائلته يعيشون هناك. كان للعائلة صلات بآل الجميل، فعمه (أحد أقاربه) الحارس الخاص لبيار الجميل، وأخته صديقة لأحد مساعدي بشير. كان حراس الكتائب وأعضاء الحزب معتادين على رؤيته في المركز. ومع ذلك، حمل في جيبه بطاقة مرور موقّعة من إيلي حبيقة، مسؤول الأمن في «القوات اللبنانية».

بعد خطابه، ودّع بشير أخته أرزة المفضلة لديه بحرارة وغادر متوجهًا الى مركز الكتائب في الأشرفية. على الرغم من نصائح أصدقائه الذين ألحّوا عليه، لأسباب أمنية، بالإبتعاد عن روتينه، أصرّ بشير على حضور إجتماع يوم الثلاثاء الدائم للحزب. ستكون هذه آخر مرة، لأنه، كرئيس لبنان المنتخب، كان بشير على وشك الإستقالة من منصبه الحزبي، ما كان ليضحي بهذه الفرصة لإعطاء الشكر والإمتنان الشخصي للفرع الذي انطلق منه في عمله السياسي قبل عشر سنوات. كانت إجراءات الأمن عادية جدًا ذلك اليوم في مركز الحزب. لم يكن هناك أية حاجة للتفتيش الجسدي أو فحص الهويات بما أن أعضاء الحزب هم المدعوون فقط.

وصلت سيارة بشير أمام مركز الكتائب في الأشرفية. كان قد تأخر عن الإجتماع ما يفوق ساعة من الوقت، والأعضاء كانوا بانتظاره لبدء الإجتماع. وبينما كان بشير يدخل الى المبنى ويصافح أصدقاءه القدامى ويتقبّل تهانيهم، كان يوجد شخص يراقبه من النافذة في الأعلى (لم يكن الشرتوني في المبنى). وعندما دخل صالة الإجتماعات المكتظة بحوالى 400 عضو من الحزب، تسلل حبيب طنوس الشرتوني خارج المبنى وتوجّه بسيارته الى منطقة في بيروت الشرقية تسمّى الناصرة، تبعد أقل من ميل عن الأشرفية. وفي الساعة الرابعة، بدأ بشير يتكلم، وفي الساعة الرابعة وعشر دقائق ضغط حبيب على الأزرار.

ترددت أصداء الإنفجار في كل أنحاء بيروت. إرتفعت العمارة ذات الثلاث طبقات في الأشرفية في الهواء ثم انهارت ركامًا.

وانتشر الخبر في لبنان، والعالم، بأن ثمة محاولة لاغتيال بشير الجميل لكنها فشلت. كانت القصة الصحيحة غامضة، مع ذلك لم يكن أحد يعلم أين كان بشير. قال البعض إنه أصيب بجروح في ساقه اليسرى ونُقل الى المستشفى، والبعض الآخر قال إنه خرج من الإنفجار سليمًا. ولكن ما من أحد قد شك في نجاته مرة أخرى. وعلى الرغم من أن الخسارة كانت فادحة، فقد قُتل حوالى 25 شخصًا وأكثر من مئة أصيبوا بجروح، إلا أن الإرتياح كان أعظم. دقت أجراس الكنائس محتفلة، وأطلقت «القوات اللبنانية» الرصاص في الهواء. وأذاعت محطة «صوت لبنان» أن «اليوم هو بعث لبنان». ولكن ما من أحد عرف أين كان بشير وما من أحد عثر عليه.

وبعد عدة ساعات، توقفت إذاعة «صوت لبنان» عن البث. أما محطة الحكومة فلم تعلن عن شيء، ولكن ظلت تبث موسيقى الحزن. ثم جاءت فترة شك مفزعة. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي، قرأ رئيس الوزراء اللبناني شفيق الوزان بياناً: «بشير الجميل» قال بصوت مكسور، «قد قُتل». إذاً هذا كان سبب الريبة الطويلة. إستُخرج جسد بشير باكرًا، في أول مرحلة من محاولات الإنقاذ، وجهه كان مهشمًا للغاية ولهذا لم يتعرف عليه أحد. أُخذت جثته مع جثث الآخرين الى برّاد الجثث في المستشفى، حيث تم التعرّف عليها بعد ساعات بواسطة خاتمه ورسالة راهبة في جيبه. لم يذكر حبيب الشرتوني في هذه القصة، ولن يذكر بعد الآن لأنه لا شيء. كان اليد، وليس العقل، التي نفذت العملية. بينما كان الشرتوني يُعدّ ويفجّر القنبلة، كان رفيقه المراقب نبيل العلم ينتظر في مكان ما في بيروت الغربية. كان كل من العلم والشرتوني ينتميان الى الطائفة المسيحية اللبنانية، ولكن ولاءهما كان لجهة أخرى. لم يكن المقصود أن يتم القبض على الشرتوني ولم يكن ليُعتقل لو أنه لم ينسَ شيئاً مهمًا، لم يكن رجلاً ذكيًا، على الرغم من أنه وصف بشير بالخائن في مؤتمر صحافي بعد اعتقاله، بسبب صداقته لإسرائيل، إلا أنه التزم بالقول ـ وما يزال حتى اليوم ـ إنه لم يكن يقصد إيذاء أحد، وبأن القنبلة وُضعت فقط لإخافة بشير وتلقينه درسًا. والشيء الوحيد الذي نسيه الشرتوني هو أن أخته كانت في العمارة. تذكّر في اللحظة الأخيرة، عندما كان يهم بضغط الزر. إتصل بها وقال لها أن تترك كل شيء وتغادر العمارة على الفور. فركضت أخته الى الشارع وهي تصرخ بشكل هستيري وكأن مكروهًا سيحصل. بعد لحظات، إنفجرت العمارة، فأُخذت للإستجواب على الفور.

• «كيف عرفت أنه سيحصل مكروه؟».

– «أخي قال لي».

• «أين أخوك؟».

– «لا أعلم أين هو الآن، ولكنه قال لي أن ألقاه في…».

فتم القبض على الشرتوني على الفور. واعترف بعد ذلك، في مؤتمر صحافي، وعندما حاول الشرتوني لوم بشير بالقول إنه باع نفسه لإسرائيل وثبت صحافية صارخة: «أنت لم تقتل رجلاً، أنت قتلت بلدًا». وتحت إصرار الحكومة اللبنانية سلّمت «القوات اللبنانية» الشرتوني الى الدولة. ولكن لم تتم محاكمته قط، على الرغم من أن أمين الجميل شقيق بشير الأكبر خلف أخاه في رئاسة لبنان.

لا أحد يعرف السبب إلا أمين، ولم يُفصح عنه أبدًا. وتقول معظم المصادر إن أمين لم يجلب الشرتوني الى المحاكمة لأنه لم يكن يريد تعزيز منزلة بشير كشهيد. وقيل إنه لو كان باستطاعته، لكان أمين محا كل ذكرى وأثر لأخيه الأصغر.

كما حصل في لبنان، تلقيت الأخبار المزيّفة في البدء. في ظهيرة 14 أيلول تلقيت إتصالاً في مكتبي من ميشال ليدين المساعد الخاص للوزير ألكسندر هيغ. كان ليدين على علم بصداقتي لبشير. قال: رأيت لتوي تقريرًا إذاعيًا «رمى أحدهم بشير بالرصاص، إنه بخير، أصيب بخدوش فقط، ولكنه نُقل الى المستشفى. قالوا إنه يتجوّل في الشوارع ويمازح الناس».

لقد نجا مرة أخرى، فبشير روحه بسبعة أرواح كالقطط كما يقولون، وهذا من حسن حظه. كنت قد تأخرت على موعد مع السيناتور جون غلين في الكابيتول هول، لذلك قررت الإتصال بمكتب بشير في بيروت لاكتشاف ما حصل.

غادرت الى الهيل مع صحافيين من العاملين في «جاك أندرسون كونفيدنشيال». كان موضوع تقريرنا هو الإجراءات الوقائية النووية. وغلين كان رئيس لجنة عدم الإنتشار النووي لمجلس الشيوخ ومستعد للمساعدة. خرجنا من مكتبه بعد ساعات قليلة ونحن نشعر بذلك الشعور الرفيع الذي ينتج عن مقابلة جيدة، وفي طريقنا توقفنا في الـ»مونوكل»، وهو مطعم رفيع المستوى لشرب كأس الإحتفال.

ثم عدنا الى المكتب في «بيتيسيدا» بماريلاند. وما إن دخلنا الى المكتب حوالى الساعة الثامنة مساء، حتى نادى شخص من مكتبي:

• نيومان تعالي الى هنا بسرعة!

– كان الشخص ألكس شفتل، وهو رجل أعمال، وكان يقف وراء منضدتي، والهاتف بيده. أذكر أنني شعرت بالإستياء قليلاً لرؤيته هناك.

• «ماذا حصل؟»، سألته، «ماذا في الأمر؟».

– «مات الجميل»، قال.

إستدرت وغادرت والذهول يرتسم على وجهي. مررت بالصحافيين وخرجت من الباب الخارجي. وصلت حتى الشارع، ثم انهارت قواي.

 

إقرأ أيضاً: لقائي الأول ببشير

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل