الأباتي بطرس قزي… نسخة من الإنجيل فُقدت – 2

كتب الأب جوزف قزي في “المسيرة” – العدد 1712

 

كل ما في الرهبانية كان يحظى برضى الأباتي. فهو في طبعه متفائل، وفي إيمانه متكل على عمل الروح. في الرهبانية قديسون كانوا يقلقون الأباتي في زمن رئاسته. ماذا يصنع ليزداد عددهم؟ أو لماذا لا يزداد عددهم؟ روح المحبة في الرهبانية مما تفتخر به وتعتز. صيت الرهبانية في الكنيسة وفي المجتمع مسك وعنبر. إنتشارها في لبنان وفي بلاد الإغتراب واسع جدًا وفعّال. أعمالها في التعليم والزراعة وخدمة الرعايا ونشر الكلمة والعناية بالمرضى… ما يجعلها من عداد المؤسسات الراقية… كل شيء على ما يبدو، كان يحوز برضى الأباتي. وقد عمل هو، في فترة حكمه، على تنمية ما يجب تنميته. ومثّل الرهبانية بشخصه خير تمثيل… وكان، بين إخوته، حاضرًا، ساهرًا على كل فرد منهم، موجّهًا كل محتاج، مقوّمًا كل منحرف، مشددًا كل مسترخٍ، ماسكاً بيد كل متعثّر، واعيًا لكل عمل… همّه كان واحدًا لا غير: إزدياد القداسة في الأديار، في الرهبانية، وفي الكنيسة كلها.

واحدة فقط حطّمت شموخ ذاك النسر المحلّق: الإدارة. الرؤساء. هؤلاء هم الواجهة، لا أولئك القابعون في زوايا الأديار، العابدون الزاهدون الساهرون المصلّون المترقبون عبور الروح… بعض الرؤساء، في مواقعهم، يفسدون الرؤيا، يصدّون الروح من العبور، يتصرفون بمقدّرات الرهبانية وكأنها ملكهم، يعطّلون دورة الحياة، يُدخلون الى أديارهم روح العالم، يُطفئون شعلة القداسة… إنهم لم يعملوا ولم يتركوا غيرهم يعمل. لا يدركون جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم… لهذا كتب الأباتي إليهم كثيرًا، وجمعهم مرّات عديدة، ووجّههم في أهمية دورهم، وبيّن لهم مرارًا وتكرارًا بأن الحياة الرهبانية إنما تقوم على ثلاثة: الدير، والقانون، والرئيس. ثم اختصر رؤيته في رسالة عامة عنونها: «في مسؤولية الرئيس»، وذلك في 12/8/1971، في 12 صفحة. وتوجّه إليهم في كل رسالة وكل مناسبة. ثم منعهم من تأدية ما كانوا يرونه «إكرامية الأب العام»، أو هدية ملغومة، أو عيدية رضى، أو مصروف جيب للأب العام لدى زياراته القانونية… كل هذه مُنعتْ وأُلغيت، وتحرّر الأب العام، فأمسى باستطاعته أن يؤنب ويوبّخ وينبّه ويتصرف بروح حرة في سبيل الخير العام (…)

وكانت رؤياه الأخيرة عن مستقبل الرهبانية، قبيل مرضه، في رياضته للأخوة الرهبان اللاهوتيين، في 27/5/1989: «سوف يصير تحوّل وعمل جديد من الآن الى عشر سنوات، نظرًا الى ما يجري في لبنان… وسوف تختبرون شيئاً جديدًا، ينجح على يدكم أم يفشل… لا يمكن الحياة الرهبانية أن تكمّل كما هي… الكنيسة اللبنانية يجب أن تتبدّل… الحياة الإكليريكية سوف تتغيّر (الأساقفة، الكهنة، الرهبان، الراهبات)… التحوّل آتٍ حتمًا… إصنعوا لكم كنيسة رهبانية… صيغة الرهبانية بحاجة الى تبديل وتحويل… الوضع غلط… الكسليك تقليد معزول. كان رجاء كبيرًا في الرهبانية… الكسليك لم يؤثر في الرهبانية كما كان منتظرًا».

ألا فليفهم مَن يفهم! أمِن مسؤول، بعد أن يسمع إختبار راهب كان قمّة في كل شيء، ويبقى مطمئناً. «الوضع غلط». كم كنت أسمع ذلك من فمه. وهو يتألم مما آلت إليه رهبانية أنبتت قديسين. والمسؤولون اليوم، بسبب جهلهم وفساد رؤياهم، يتحمّلون «الوضع الغلط» كله. هنا كان عذاب الأباتي: من أناس يحبهم بمحبة المسيح، وهم في الوقت ذاته يرفضون العمل من أجل محبة المسيح. ويل لنا بعد غياب «النبي».

 

ثالثاً: فكره اللاهوتي

فكر الأباتي بطرس قزي اللاهوتي هو فكر مؤمن في عمقه، ولكنه يرتكز على معطيات علمية وأبحاث جدية مضنية. فكر يعتمد على الأصول: ينطلق من الإنجيل، ومنه يتدرّج نحو إيمانه العميق بالكنيسة، حيث عمل الروح الخفيّ، الذي وهبه لنا الرب المخلّص، الحمل المذبوح، المائت على الصليب، والقائم من الموت، حتى وصولنا الى الآب، والاتحاد به.

هذا التدرّج هو، في إيمان الأباتي، وكما كان يسمّيه، «العبور الى الآب». ويمكننا أن نختصر هذا «العبور» بأربعة مواضيع أساسية طبعت فكره وإيمانه وأبحاثه وكيانه وحياته كلها: الإنجيل، الكنيسة، الروح القدس، سرّ الخلاص… لاهوت الأباتي كله يدور حول هذه المواضيع. وما من بحث لاهوتي قام به إلا ضمن هذه المواضيع. وما من توجيه أو كلمة كتبها أو حركة أتى بها إلا انطلاقاً من هذه المواضيع واعتمادًا عليها واستنارة بها واستيحاء منها.

 

رابعًا: حياته الإجتماعية والسياسية

حياة الأباتي بطرس قزي الإجتماعية والسياسية تصبغها حياته الرهبانية ومعتقده اللاهوتي وإيمانه الملتزم. بغير هذه، لا يسعنا أن ندرك معنى تصرفات الأباتي في المجتمع، في الإدارة، وفي مواقفه السياسية. وكل هذه تنطلق أيضًا من إحترامه الفائق لكل إنسان، من محبته الشاملة، من شفافيته المميّزة، ومن سخائه اللامحدود على كل طالب حاجة.

مبادئ الأباتي في معاطاته مع الناس هي هذه: تواضع، إنفتاح، تجرّد، حوار، إحترام الغير «حتى الغلط والضعف»، الحفاظ على حرية الآخرين، التنصّت لهمسات الروح، وذلك في سبيل ربح الكل للمسيح. هذا همّه، وهذا مبدأه. قال: «عندما توجد فينا محبة المسيح فإنها تفيض من طبعها محبة نحو الآخرين» (رسالة عامة في 1/1/1969، ص 19) (…)

ومن مبادئه أيضًا: التجرّد. قال: «التجرّد: كل فكرة عن الرهبانية، غير قابلة للتطهير والتنقية، هي فكرة غير صالحة. إن القديسين في حياتهم يتألمون من تلمّس حتىإرادة الله: فمن منا يجرؤ على الإعتقاد بأن رأيه هو حق لا يقبل الإنتقاد ولا التصحيح؟!» (إفتتاح الدورة الرابعة في 25/7/1972، ص 418) (…)

هذه المبادئ الإجتماعية مارسها الأباتي في حياته كلها، وفي جميع مراحل مسؤولياته. عُرف عنه، وهو رئيس عام، بأنه لم يحزم أمره مع المسترخين. وكانت حجته: إحترام هؤلاء ومحبتهم أجدى من الوقوف بوجههم. المحبة أفعل من أي حزم. وهي، في النتيجة، مطلوبنا جميعًا أكثر من الحقيقة نفسها. «ضعيف»! فليكن، شرط أن يكون «أبًا» محبًا، واعيًا، مرشدًا، يعمل من أجل خير الجميع. بعضهم لا ينفع معهم حزم ولا شدة. فلنصلّ من أجلهم، ونحبهم فنكون بالتأكيد على خط مسيحيّ رهباني سليم.

ثم ماذا نقول عن مواقف الأباتي السياسية وعلاقاته مع أهل العالم؟ أيعذرني إخوتي الرهبان إن قلت: إن الأباتي كان ذاك الوجه الرهباني النيّر الصادق الذي نقدّمه للعالم ليروا فيه حقيقة الحياة المسيحية والرهبانية في عمقها وصفائها. هو وجه مميّز بيننا فقدناه عندما أصبحنا بحاجة الى من يغطّي ضعفنا ويستر عرينا. وبوضوح أكثر أقول: لم تُمثّل الرهبانية، في تاريخها، بشخصية رهبانية روحانية لاهوتية جذابة كشخصية الأباتي. يوم كان رئيسًا عامًا، كانت الدوائر الفاتيكانية تترقب قدومه لتأخذ من فمه الحقيقة بعمقها وشموليتها. وكان رؤساء الكنيسة المحلّية، من بطاركة ومطارنة، يصغون إليه إحترامًا وإكبارًا. وكان رؤساء الجمهورية اللبنانية والوزراء والنواب والزعماء كافة يقصدون لقاءه…

وفي خارج لبنان كان له في دير الرهبانية في قبرص لقاء مع رئيس الجمهورية القبرصية المطران مكاريوس والوزراء والنواب وكثير من الشخصيات، وخطب فيهم كلمة باليونانية أدهش مستمعيه، حتى كان موارنة الجزيرة لا يصدقون ما يسمعون، فكانوا يتسرّقون ليروا بأم العين الأباتي يقرأ خطابه المكتوب بالحرف اليوناني. فكان ذلك اليوم، على ما سمّاه رفيقه وحبيبه وأمين سرّه الأب عمانوئيل خوري: «يوم الموارنة في قبرص».

وفي بلاد الإنتشار الرهباني في بلدان أفريقيا وأميركا وأوستراليا وأوروبا كان للأباتي جولات رعائية رسولية رهبانية رجع منها كبيرًا، بعد ما حلّ فيها كبيرًا، نزيهًا، متعاليًا على ظنون البشر. ولدى عودته الى لبنان، أعدّ للمغتربين يومًا حافلاً غنيّاً بكل شيء في عشية يوم عظيم فوق سطوح جامعة الرهبانية في الكسليك. والذين حضروا ذلك الحفل الكبير لن ينسوا ذاك الذي مثّل الرهبانية بكبر وعنفوان.

كان صديقاً أميناً لجميع الشخصيات اللبنانية الذين عرفوه، ولو من لقاء واحد معه. زعماء من كل دين وطائفة. وكان معهم لطيفاً شفّافاً يوصل إليهم ما يريد بنعومة ولطافة نادرتين.

في عهد رئاسته على الجامعة، وعند ابتداء الحرب اللبنانية في 13/4/1975، كان الأباتي حاضرًا، واعيًا، مترقبًا لما يحدث ولما ستصير إليه الأمور. منذ اليوم الأول ابتدأ بعض شخصيات المنطقة تتوافد الى الجامعة. يجتمعون برئيسها، ويسمعون توجيهاته. فانتظموا، واستعدّوا لكل طارئ. فكانت منهم نواة «لجنة البحوث اللبنانية»، كما كانت منهم نشأة «الجبهة اللبنانية» تتولى زمام الأمور. وابتدأت الأحداث تتوالى، والمصائب تتفاقم، والمجتمع اللبناني يتفكّك، والدولة تنهار.. وكان كل انهيار في الدولة يصيب الرهبانية والجامعة في صميمها. وكان الأباتي حاضرًا.

في عمليات التهجير المتوالية، من القاع الى بيت ملاّت الى الجيّة الى الدامور، كان الأباتي حاضرًا، يستقبل النازحين ببشاشة وضيافة قلّ نظيرهما. ومن ينسى كيف تدبّر الأباتي عملية إنقاذ أهل الجيّة والدامور المحاصرين بين البحر الهائج وقذائف الفلسطينيين والسوريين ومجرمي لبنان! أنقذهم وحده يوم عجزت الدولة كلها وبكل أجهزتها عن إنقاذهم. يومها اتصل الأباتي برئيس الجمهورية سليمان فرنجية قائلاً له: «يا فخامة الرئيس. الناس يموتون على شواطئ السعديات. أرسل بواخر لإنقاذهم». أجابه الرئيس: «لا إمكانية عندي. إتصل بقائد الجيش». إتصل الأباتي بقائد الجيش. فكان هذا أعجز من ذاك. فنزل الأباتي بنفسه الى نادي اليخوت في الكسليك، وطلب من أصحاب اليخوت وبحّاريها مساعدة. فاستجاب له الجميع حالاً. وكان ذاك اليوم عظيم الموج شديد الريح. ومع هذا تمت المغامرة، وابتدأ المنكوبون يصلون الى مرفأ الكسليك. وكانت الملابس مهيأة للمحتاجين. والشاي والقهوة والنبيذ والسندويش والبسمة معدّة لجميع المنكوبين الوافدين من تحت القذائف والرعب. في اليوم نفسه نُقل هؤلاء الى أمكنة لسكنهم، في الفنادق والمدارس والبيوت الخاصة، وجُلبت إليهم الملابس والإعاشات.. لكأن كل شيء كان مدبّرًا سلفاً.

للتاريخ نشهد بأن ما عجزت عنه الدولة بكل إمكاناتها البشرية والمادية، وما قصّرت عنه الكنيسة بسبب قصر نظرها واسترخاء المسؤولين فيها، قد قام به الأباتي بطرس قزي مع إخوته.. ورشة رهبانية بقيادة رجل نبيل أسفرت عن نجاح يعجز عنه كل الزعماء السياسيين والعسكريين والكنسيين مجتمعين.

ولما سقطت ثكنات الجيش، الواحدة تلو الأخرى، كان قوّادها الشجعان (!) يدقّون أبواب الجامعة، الواحد تلو الآخر، يشكو همّه، ويبرّر هربه… ثم سقطت بعبدا، ورئاسة الجمهورية، فكانوا على الأباتي ضيوفاً آخرين، نزلوا في مكتبه. منهم وزراء ونواب، كانوا أسودًا في أيام السلم. وها هم الآن يتدحرجون على باب مكتبه… لكأن كارثة لبنان كلها وقعت على أكتاف الأباتي.

قليلون جدًا الذين يعرفون بأن الحل أيضًا ابتدأ ينقشع في مكتب الأباتي: يوم هدّد كمال جنبلاط باجتياح بكفيا وجونيه، كان المبعوث الأميركي دين براون في زيارة الأباتي. قضى ذاك اليوم العصيب ضيفاً عليه. ومن مكتب الأباتي طار دين براون ظهرًا الى دمشق، ثم عاد من دمشق الى مكتب الأباتي. إجتمع به وببعض من أعضاء الجبهة اللبنانية ولجنة البحوث. ونقل إليهم أن الأمور ستقلب رأسًا على عقب خلال يوم أو يومين. وهكذا صار. نحن نعلم ما قاله الأباتي لدين براون، لكن الله أعلم ما أخذ دين براون عن الأباتي!…

بعد هذا الإهراق الكبير، وشعور الأباتي بهول الكارثة، وشدّة تحسّسه بمسؤولياته الجامعية والرهبانية والوطنية… كان لا بد من أن يظهر أثر ذلك في الجسد. الروح مستعد لكن الجسد ضعيف. فأصابت الأباتي نوبة قلبية حادة جدًا كادت تودي بحياته لولا حكمة إلهية تريده من أجل أعمال أخرى يؤديها ومن أجل آلام مبرّحة سيتحمّلها ليتمّ اتّحاده الكامل بالمسيح، قبل أن يدخل مرحلة «عبوره الى الآب».

 

خامسا: مرحلة الآلام

كان قد أصيب الأباتي، إثر نكبات الدهر على الأهل ولبنان، بنوبة قلبية حادة في 20/1/1977. وفي 28/4/1985 أُصيبَ بقتل شقيقه وامرأة شقيقه وشقيقته وزوجها وبعض الأقرباء، إثر هجوم همجي على الجية. وابتدأت آلام نفسية وداخلية، بسبب أوضاع وطنية ورهبانية تتردّى، وتدهور الوضع  اللبناني عموماً، واسترخاء المسؤولين في كل مستوى.

كل هذه وغيرها تجمّعت وتفاقمت، فكانت على موعد مع «حازوقة» متواصلة أدخلته الى مستشفى سان جورج عجلتون في 27/7/1989. حاول الأطباء علاجه من دون جدوى. داووه في الأعصاب وفي المعدة ولم يفلحوا. وتأزمت حالته بسرّ مرض بسيط عقّده جهل الحكماء في تشخيصه، ووُصفت له أدوية لم يكن الكل عليها متفقين. فتعقّدت الأمور أكثر، وراحوا يكثفون الفحوصات والصور (سكانر)، ويكثرون النصائح والإختبارات، ويعدّدون أنواع الأدوية حتى بلغت 21 صنفاً يتناولها في اليوم الواحد. والنتيجة صفر.

نُقل الى مستشفى سيدة المعونات جبيل حيث ازداد تعاسة، فأُصيب بمضاعفات قلبية، والتهب صمّام القلب. فنُقل الى مستشفى القديس جاورجيوس للروم، حيث عولج بواسطة المضادات الحيوية لمدة ستة أسابيع وذلك ليعطي الدواء مفعوله. لكن والحازوقة استمرت كما هي بحدّتها، أُجريت له عملية في توسيع المجاري البولية، وفيما هو كذلك، أصيب بشلل في يده ورجله اليمنى، بسبب «سدادة» في الدماغ أوقفت عملية ضخ الدم.

وعندما استقرّت حالته على ما هي عليه، عاد الى جامعة الروح القدس في 28/10/1989 حيث كان يتلقى علاجه باستمرار، ويتفقده الأطباء كل بحسب إختصاصه. وكانت آلامه تشتد عليه في يده، ويتحمّل منها ما عبّر عنه بعض أطبائه بأن من تصيبهم هذه قد تؤدي بالكثيرين منهم الى الإنتحار لشدة الآلام والأوجاع. وكانت نوبات عصبية شديدة حادة متواصلة تنتابه، حتى كان بحاجة الى من يسنده ويقيمه ويطعمه ويهتم بحاجاته.

لشدة الآلام عليه، عاد الى مستشفى جبيل للمعالجة السريعة والمكثفة، وذلك في منتصف كانون الثاني من العام 1990. وظل متألمًا على وتيرة واحدة، من رجله ويده. واكتُشف بأن «مركز الإحساس بالألم» في الدماغ قد أصيب، فلم يعد بإمكانه دفع الأوجاع عن أي عضو. واستقرّ كذلك فنُقل الى دير جبيل القريب من المستشفى لمزاولة رقابته، وذلك في نيسان 1990.

في 29/6/1990، عيد شفيعه القديس بطرس، صعد الى محبسة مار بطرس وبولس في عنايا، وأقام الذبيحة الإلهية حيث كان قديس الرهبانية وحبساؤها يصلّون ويموتون كل يوم. ولما عاد مساء الى دير جبيل، إرتفعت حرارته واضطربت حالته، فنُقل الى مستشفى المعونات. وبدأت منذ ذلك الحين، مرحلة آلام جديدة.

في المستشفى إكتشف الأطباء أن دودة الظهر أصيبت والتهبت. أصيب بشلل كلي ولم يعد باستطاعته تحريك أي عضو سوى رأسه. وضاق عليه التنفس ففُتح له ثقب في عنقه، وأُخضع للمراقبة الفائقة. كل شيء فيه تعطّل ما عدا عقله ووعيه. كل صور العالم زالت من أمام وجهه ما عدا مناجاته الدائمة للعذراء التي أحبّ. كل مجد العالم زال، وبقي الصليب قائمًا منتصبًا أمام عينيه، يتحمّله بما لا يستطيع إنسان عادي تحمّله.

وفيما الألم يشتدّ، وانسلاخه عن العالم يقترب، إذا بوجه الرب يُشرق عليه وينقله إليه، الساعة الخامسة عشرة والنصف من نهار 13 أيلول عام 1990، عشية عيد إرتفاع الصليب المقدس.

 

سادساً: دفنه

التاسعة والنصف من صباح يوم الجمعة 14 أيلول 1990 عيد إرتفاع الصليب المقدس، نُقل جثمان «رسول الإنجيل» من مستشفى جبيل الى كنيسة جامعة الروح القدس. وأُذيعت وفاته  في وسائل الإعلام، فتوافد المحبون لإلقاء النظرة الأخيرة، بركة ودفعة وأسى.

وجوم على الوجوه. كم من عارف به أمِل أعجوبة شفائه. غير أن الرب أدرى بمصير البشر من البشر أنفسهم. مات الأباتي. «بالحقيقة رجل بار قد مات. رجل عظيم فقدناه»، على حد قول السفير البابوي في لبنان.

شاركت في وداعه شخصيات دينية ومدنية. وأُقيمت الصلاة الرسمية الوداعية في تمام الساعة السادسة عشرة من 14 أيلول، مع كلمة من البطريرك الغائب تلاها مندوب عنه، وكلمة عميقة من السفير البابوي بابلو بوانتي تلاها بنفسه، وبوسام الإستحقاق اللبناني برتبة ضابط من ممثل رئيس الجمهورية.

ثم نُقل جثمان الأباتي في الثامنة عشرة الى مدافن الرهبان في دير سيدة النصر نسبيه غوسطا، يسهر على دير أحبه، أراد أن تكون فيه بقاياه الطاهرة.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: الأباتي بطرس قزي… نسخة من الإنجيل فُقدت – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل