الراهب المجهول… 2

كتب المخرج يوسف ي. الخوري في “المسيرة” – العدد 1712

الراهب المجهول…

الأب العام عمانوئيل خوري

 

… وبعدُن عم يمشو!

موريس عواد*

أنا وعم شيل وجّي اللبناني من «وينك؟ تْعا»، لآخر مرّا وقول لدواليب المطبعا ابرمي، كانو عينيّ عم يتطلّعو حزن عَ اللّي نطرناه سنين، وما لِحق إجا ت راح متل شَتوِة أيلول عَ الأرض المشقّقا.

قبل ما يتركنا بيومين مرقت صوبو عَ عالأباتيّي وشفتو كلّو راهب، من راسو لكعب اجريه. كان صرلو من طلوع الضو عم يرهبن، وبعد عندو لنص ليل. وكتر ما هوّي شفّاف وتأملي قال كتير بقليل. واختصر عهدو بأربع كلمات مقطّرين متل نبيد القدّاس بينحفرو عَ بوابات الدير: «بدنا نصلّح البيت بالأول».

وهون القصَّا كلاّ من مبارح لبَعد بَعد بكرا: مشكلة لبنان هنّي أهل البيت، اللّي مبارح عمّرو واليوم عم يهدمو اللّي عمّروه. قولك لبنان بيغفرلُن هالمرّا؟

قبل ما يجي عالأباتيّي كان في همس هون وهون إنّو هادا هوّي. ورح يمدّ إيدو لجوّا لجوّا، يقصّ المسوّس من سنديانة الرهبني ويغمِّق القصّا. مش رح ينزل يسبح بالرغوي الصفرا اللّي إسما الممكن. هالدور بيخلّيه للأحلامُن زغيري. دورو إنّو يطلع صوب القيم الكبيري، صوب النبع. الرهبني بتطلع معو، خلف الرهبني الوطن. وكتار سألو: قولك بيقدر؟ اللّي من قماشتو أو بيقدر أو بيموت.

من وصلتو بلّش يحطّ إيدو عَ شيطان العالم اللّي تغلغل بالرهبني، ويحطّ قلبو اللبناني عَ الرهبان اللّي بالنهايي هنّي بشر، وارتين الخطيّي الأصيليّ وطَعمة التفّاحا.

اللي شردو، قبل ما يندهُن ت يرجعو عَ البيت الرهباني كان فتحلُن قلبو ت يسندو راسُن. بس الأصعب بالقصّا إنو في رهبان ـ ومش قلال ـ جسمن صار سقالي للتوب والأبونا صار بالنسبي إلُن متل لقب الدكتورا ـ اللي بتخلعو الجامعا عَ زبونات الحواشي والمراجع ـ وهودي كمان مش قلال وبيروحو يعيشوا من الدكترا المسقعا ـ رهبان، نْمحا من زاكرتُن سبع كنايس آسيا ويمكن كل مناخ الروئيا وبقي دهب الشماعدين السبعا. شي لحقو مامون، شي قعدوا عَ سفرة القيصر، ما عدا اللّي فتحو عَ حسابُن وراحو يفصّلو عَ مزاجُن كأنّو الرهبني عقار وارتينو عن بيُّن وصارو يشوفو اللاهوت والطقوس شي متل الأدب الكلاسيكي للمسيحيّ، والحياة الرهبانيّي رأي أو نظريّي نازلي من القرون الوسطا، زمن القديسين والرهبان.

ضلّ عندي هَمّ واحد وهوّي إن يضل وحدو عَ مسرح الرهبني. يعزف سولو ويكون العازف والعم يسمع بزات الوقت. أو يفوت بصراع مأسوي مع زاتو. وضل ضباب القلق حايم عَ زاكرتي حتى قريت الرسالي الكتبا لإخوتو الرهبان.

قلت الرجّال حَطّ إيدو عَ الجرح. شخّص المرض وعم يركّبلو الدوا الرح يكون مرّ، مرّ. وحطّيت إيدي بالمي الباردي: ما زالو الراهب العايش بالحضور الإلهي ما بيغلط كتير، وطريقو عَ الرهبان ـ اللي هنّي بصراع دايم مع العالم العايشين فيه بدون ما يكونو منّو ـ بالعم يخفق جوّات صدرو مش بالسلطا المدعومي بصليب مدهّب. ومن هيك سمح لحالو يجئرُن جئرة البيّ لولادو: اشلحوا العالم عَ باب الدير وفوتو عَ الكابلاّ تَ نصلّي. سياستنا الرهبانيّي إنّو نكون السندياني اللّي التراب والدير بيتهدّو بشلوشا مش القاعدين بفيّتا وناطرين الجرس يدق. تَعو تَ نرجع ولاد جدودنا والبيّات وقت اللّي كان الدير بَيّ، والرهبني الإم الحنوني العندا خبز للقوايا بس يجوعوا وحليب للزغار، تَ بس يفوتو الناس عَ أوَضنا أو يسلّموا علينا أو يشوفوا سيارتنا أو يقعدو عَ سفرتنا يحسّو إنّو في دم رهباني عم يبرم بجسمنا.

– بس يا ضيعانوا مات.

– ليش؟ كيف؟ شو صار؟

– ما بعرف، بس مات.

– كيف سترجا يموت ويترك الجايين صوبو مَلْو وجُّن.

– يا ضيعانو، قولك بعد في من قماشتو بالرهبني؟

– في كتير، واللّي نقّاه ما عاد ينقّي إلاّ من قماشتو.

– كيف إلو قلب؟

– مات لأن عندو قلب.

– أكيد مات؟ روح شوف مليح، عيّطلو، هِزّو، وعيّه، قِلّو هلّق مش وقتا في ناس موتُن بيحلّ مشكلي وناس ما قدر نطر ولنّو ست سنين تَ كان المطعوم كِبر. يا مَوت، يا مَوت، كيف بتنسا اللّي ناطرينك وبتاخد يلّلي بتلبقلُن الحياة. بعدني مش مصدّق: قوي ما بيشرب، ما بيعض عَ سيكار.

– إنت بتشرب دخان وما مِتّ ولا صرلك شي.

– لو بتعرف شو بيصرلي بس يطلع عبالي سيكارا وما لاقيا حَدّ إيدي.. ما بيعرِّق ولا بيوسِّك. ترويقتو كبّاية مَيّ. عَ الضهر بياكل تَ يعيش، والعشا تأمّل وصلا. وقتو مش إلو وعندو وقت للكل. كيف عندو وقت يموت.

– بدو يكون من اللي بيحطّو بقلبُن.

– عَ كل حال القصّا مش بنت مبارح. كل عمرُن المصلحين الكبار، أو بيموتوا من قهرُن عَ الما بيتصلّح، أو مسمّمين، أو قتل، أو بينحطّ الإيد عليُن وبيروحو عَ الغربي يعدّوا إيام وشهور وسنين.

 

20 كانون التاني 1993

(انتهى)

 

إقرأ أيضاً: الراهب المجهول… 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل