#dfp #adsense

أكبر خطر على لبنان رميه في حضن الشرق – 2

حجم الخط

الدكتور شارل مالك – “المسيرة” – العدد 1713

مبادئ عرض مصيريّ عام:

• المسيحية الحرة بيتها لبنان            • لا يمكن فرض نظام على لبنان بالقوة

• المطلوب ضمان دولي                   • أكبر خطر على لبنان رميه في حضن الشرق (2)

 

6 – الحوار وشروطه

كل تفكير في فرض أي نظام على لبنان، أو في تعديل نظامه القائم، بالقوة أو بالضغط أو برؤوس الحراب، تفكير لن يُكتب له النجاح الباقي، هو الحوار السلمي الحر وحده، القائم على الإحترام الحقيقي المتبادل، البعيد عن كل ضغط أو إرهاب أو تهديد، الذي له أي حظ بالنجاح، حتى لو دام أمد هذا الحوار عشر سنوات أو عشرين.

الحوار لم يخترعه الشرق ولم نخترعه نحن اللبنانيين. الحوار له تراث عريق يرقى الى ألوف السنين. نجده في شبه كمال في حوارات أفلاطون، أربعمئة سنة قبل المسيح وألف سنة قبل الإسلام. شروط الحوار خمسة: الإحترام المتبادل بين المتحاورين، حرية الكشف عن كل شيء، إحترام الحقيقة في غير تعسّف في كل ما يُعرض ويُقال، إعتماد قواعد إجرائية للحوار (Rules of Procedure) تُطبّق على جميع المتحاورين على السواء (هذا الشرط الرابع يعني أن إدارة جلسات الحوار لا تُناط بأي كان من البشر بل بشخص يعرف جيدًا الأصول الإجرائية لإدارة هذه الجلسات)، وإرادة التوصل الى إتفاق. إذا اختلّ أحد هذه الشروط الخمسة بطل الحوار. عندئذ تنتقل عملية الحسم الى حد السيف.

يُقاس مقدار كوننا شعبًا متحضّرًا، مقدار دخولنا في الحضارة الإنسانية العالمية الواحدة، بمقدار قدرتنا وطاقتنا على هذا الحوار. وبقدر ما ليس لنا به قِبَل نحن خارج هذه الحضارة، نتمرّغ بعدُ في ظلمة خارجية.

 

7 – الشرق والغرب

لبنان ينتمي، معًا، الى المحيط العربي والإسلامي والى محيط البحر الأبيض المتوسط. هذه حال كل بلد، كتركيا ومصر وتونس والجزائر، تتاخم هذا البحر العظيم. لذلك مصير لبنان، كمصير غيره، التفاعل الخلاّق مع هذين المحيطين. فإذا فُصل عن أحدهما، بُتِر.

ينتمي لبنان كذلك الى الحضارة الإنسانية العالمية الواحدة، التي إليها أعطى منها وأخذ.

أكبر خطر يتهدد لبنان اليوم هو أن يؤول التاريخ الى قطع لبنان عن الحضارة الإنسانية العالمية الواحدة، ورميه فقط في حضن الشرق. قد لا يكون أي إنسان هو المسؤول شخصيًا عن هذين القطع والرمي. قد يكون مجرد مآل الأحداث هو المسؤول. لكن الخطر الكبير يبقى محدقاً من دون أن يعي المسؤولون هوله. وكلنا إطلاقاً مسؤولون.

في اللحظة التي لا يقرأ أولادنا فيها إلا الزمخشري والجاحظ، ولا يتحسسون ويتلذذون ويقدّرون ويقرؤون ويتمثلون هوميروس وسوفوكليس وداود وأفلاطون وأرسططاليس وأوغسطينوس ودانته وشكسبير وباسكال وغيته ونيتشه ودوستويفكسي، في تلك اللحظة قُلْ إن قيمة من أعظم قيم العالم والتاريخ، أعني لبنان، قد زالت من الوجود. وأشك أن كثيرين يحبون ويقدّرون الجاحظ وأمثاله أكثر مني، أو يقدّرون عظمة اللغة العربية وإمكاناتها اللامحدودة أكثر مني.

صحيح أن الغرب اليوم في وضع إنحطاطيّ مروّع. إذا استمر إنهيار الخُلق والقيم فيه على ما هو عليه الآن، فقد يُقضى عليه نهائيًا. لكن، يُخطئ أيما خطأ من لا يرى في الغرب إلا هذين الإنحطاط والإنهيار، فقد تعكس هذه الرؤية ليس حقيقة الغرب بتمامها بل جهالة الرائي أو محدودية مدى رؤيته. يوجد في أوروبا وأميركا نُبلٌ وشرف من أرفع ما وُجد ويوجد في العالم. توجد أيضًا في الغرب جامعات ومعاهد ومكاتب لا مثيل لها في العالم كله اليوم ولا في التاريخ كله. وقد تمرّ ألف سنة بعدُ قبل أن تنشأ في أي بلد في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط جامعة كالسوربون في فرنسا وهايدلبرغ في ألمانيا وأوكسفورد في إنكلترا وهارفارد في أميركا، أو مكتبة كاللوفر في باريس أو المتحف البريطاني في لندن أو مكتبة الكونغرس في واشنطن. ثم إن الإنهيار القائم اليوم في الغرب لا يعطّل شيئاً من أن داود وأرسططاليس وأوغسطينوس ولايبنتز وشكسبير وغيته ونيتشه، وغيرهم، الذين أسهموا إسهامًا حاسمًا في تكون التراث الغربي العظيم، لا توجد أسماء في مستواهم في أي تراث آخر، وإننا نبقى خارج الوجود العالمي الفعّال ما دمنا لم نتمثل كيانيًا شيئاً يُذكر من تراثهم الهائل.

من حقنا أن نفتخر أننا شرقيون، وأن بإمكاننا، بتواضع لائق، إعطاء الغرب بعض الشيء، لكن بإمكاننا أيضًا إستيعاب أعمق وأعظم ما في الغرب، وبالتالي بإمكاننا الطموح الى الجلوس الى هذا الأعمق والأعظم ومحاورته كالند للند.

 

8 – التاريخ، التاريخ

إذا كان «رأس الحكمة مخافة الرب» (المزمور 110: 10). فرأس المسؤولية مخافة التاريخ. التاريخ سيحكم على كل شاردة وواردة في تفكير كل واحد منا وقوله وتصرفه. مَنْ مِنَ اللبنانيين اليوم يخاف حكم التاريخ عليه. التاريخ، التاريخ، بمعنى المستقبل الحاكم، هو كل شيء.

العيش في الحاضر فحسب هو عين الحماقة. الحكمة الحق في العيش الدائب في المستقبل. المستقبل، إذن، يسبق الماضي والحاضر معًا.

من ليس له مستقبل ليس له تفرّغ في الحاضر لدراسة الماضي وتذكّره.

كل رجل عظيم في التاريخ تطلّع الى المستقبل ووضعه قبل الماضي والحاضر.

9 – الأخلاق، الأخلاق

المشكلة الخلقية هي أول مشكلة داخلية في لبنان. فما لم نطمح الى خلق مجتمعية لبنانية جديدة تعالج كل إنحطاط خلقي، ترفع النفس، بالقدوة قبل الكرازة، الى أعلى القيم، وتضع الخير العام فوق النفع الخاص، لا أرى أي مستقبل محترم للبنان.

حين أرى الكذب، والنفاق، والرياء، والتعقّد، والحقد، والصغارة، والضغينة، والفنائية، وبيع الذمم، والأنانية التي لا يردعها ضمير، والتآمر بعضنا ضد بعض، وتهديم بعضنا البعض، والقبول بالشيء مع تبييت «فشكلته» فيما بعد، وتقييم كل شيء بالمال، والمتاجرة ليس بالذمم والأعراض فحسب بل حتى بالإنتماء الطائفي وحتى بلبنان ذاته ـ وبدماء الشهداء ـ عندما أرى كل هذا أمامي وحولي في كل حين، أكاد أخجل من أنني لبناني.

أين طبقة النبلاء في لبنان؟ أنا لا أسأل عن نبيل هنا ونبيل هنالك، إنما أسأل عن طبقة نبلاء. الشرف، النبل، التعالي، التجرّد، البطولة، المجد، قداسة الكلمة، إحترام الكلمة، العيش في البعد البعيد، التضحية باسم الله ولوجه الله فقط، الطموح الى مستوى الألوهة، الإقتراب من مستوى الألوهة، التواضع حتى الموت، موت الصليب، إني أفتقد كل هذا في لبنان. وبالطبع يوجد إستثناء هنا وهنالك، غير أن الإستثناء إنما يُبرّر القاعدة.

إذا خرِب لبنان ونحن موجودون، فنحن المسؤولون. الليفانتينية الماركانتيلية اللبنانية الجشعة اللامسؤولة، هي خراب لبنان. كم من اللبنانيين مكتوب على جبينهم «برسم الإيجار»؟

قال المسيح: «إن كل كلمة بطّالة يتكلم بها الناس يُعطون عنها جوابًا في يوم الدين» (إنجيل متى 12: 36). أسأل نفسي: كم كلمة بطّالة تكلمت بها اليوم؟! ثرثرة الناس، كل الناس، لا حد لها. نعمة الصمت البليغ لم تُغدق بغزارة علينا في لبنان.

الخصلة اللبنانية في الإنحاء باللائمة دائمًا على الغير، هي التي أسهمت في تخريب لبنان. أفتش بسراج ديوجينيس على الرفعة والكِبر في لبنان، على مَنْ يقول في الشؤون المصيرية الخطيرة الكبرى: «الحق عليّ».

الإدّعاء الفارغ، الغرور، «التفشيط»، عدم الإقرار بأننا متأخرون مئات السنين بل آلافها، العيش في الأوهام والتخيّل، التوهّم أن ما نتخيّله هو الحقيقة، الإكتفاء بقشور القشور، عدم الجلوس العظيم الى مأدبة الوجود الكبرى، كل هذا يؤلّف تعاسة لبنان. وتعاسة التعاسة عدم الشعور بها.

البطل الوحيد في لبنان هو شعبه. هذا الشعب المتألم، الصامت، الصبور، المحبّ، اللاصق بأرضه وتراثه، الواثق من قيمه وحرياته، المتعلّق بها حتى الموت، هذا الشعب العريق العظيم يتلهّف بظماء لا يُوصف الى يوم الخلاص. وتلهّفه هذا، النابع من كآبة كيانية سحيقة، هو الذي سيُفرز في يومه البطل المخلّص المنقذ المنتظر، الذي لن يسمح بأن يسأله المستقبل الحاكم: «مِنْ أين لك هذا؟». ذلك لأنه لن يكون له شيء.

(يتبع)

إقرأ أيضاً: أكبر خطر على لبنان رميه في حضن الشرق – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل