


كتب الأب ميشال حايك في “المسيرة” – العدد 1713
ج – القاعدة والإستثناء
هناك تشابه أخير بين الماروني والأرض فهما يشكلان إستثناء للقاعدة، ولكن إستثناء يكسرها. فالقاعدة نظام يتكرر. (…) في حين أن الإستثناء هو مجال الإبداع، والمخيلة والثورة والتجديد والحرية. في شرق ذا سطح جغرافي رتيب، أحادي الهوية، وثقافة دينية موحدة وسياسية الرأس الواحد، ليشكل لبنان إستثناء على مختلف الصعد: طوبوغرافياً، إنه البلد الوحيد الذي لا تصل اليه الصحراء والكثبان الرملية، ثقافياً ودينياً وسياسياً هو متنوع. باختصار، إنه متعدد في كل النواحي وهذه استثنائية. الموارنة الذين إختاروه كوطن يشكلون مثله ومنذ البدايات، إستثناء. عقائدياً، لقد كان الماروني الكاثوليكي الوحيد مدة قرون (…) سياسياً، إنه الوحيد الذي طالب بوطن في حين أن المحيطين به طالبوا دوماً بأمبراطورية بيزنطية، أموية، عباسية، أو عثمانية. ثقافياً، يتابع بحثه الدائم عن الحرية الشخصية ضد كل ما هو مطلق (…) هذا المفهوم المزدوج للوطن والحرية أدخله الماروني الى الشرق الذي لم يعرف في خلال خمسة آلاف عام الا تعاقب الطغيان والفوضى. بكونهم عاشوا على ضفاف العاصي، النهر الوحيد الذي تجري مياهه نحو الشمال، ذهب الموارنة باتجاه معاكس للشرق باتباعهم مجرى العاصي منبع التمرد.
بمجرد إنشاء بطريركية مستقلة، اقترف الموارنة تمرداً بجرأة غير معقولة، ليس فقط لأنهم اتخذوا بطريركاً من دون اللجوء الى اذن الامبراطور البيزنطي أو الخليفة الأموي بل لأنهم رفضوا طلب فرمان تعيين من أي كان. وهذا الرفض تمسكوا به منذ خلافة الأمويين وحتى السلطنة العثمانية. هذا التصرف المخالف للقوانين الذي تجدد في خلال 12 قرناً يحدد كفاية طبعهم ومشروعهم وقدرهم. هذا القدر، كقدر الأرض، كان نزاعاً «أبدياً» للحصول، أو في بعض الأوقات للحفاظ، أو لفرض أو الزام الآخرين الإقتناع بالحق في الإختلاف، طبعاً، الماروني كان مضطراً، أو قبل أن يكون مضطراً، كلبنان، لأن يطلق عليه إسم آخر غير اسمه. وهكذا قال أو قيل عنه أنه بيزنطي أو فرنسي أو تركي أو سوري أو عربي الخ… ولكن النعوت التي الصقت باسمه، بارادته أو بالقوة لا يمكنها ان تحدد شخصيته الفريدة وغير القابلة للإنتقاص. لم يستطع الماروني أن يتعرف الى نفسه تماماً الا من خلال نعت لبناني الذي أصبح مساوياً لاسمه. أصبح يدعى «لبناني» في حين أن أطفاله سيحملون طويلاً، ليس إسم العائلة، بل إسم الأرض والقرية التي أتى منها: بشراني، إهدني، عاقوري، حصروني، إلخ… كما لو كانت الأرض هي شجرة العائلة بالنسبة للموارنة. وبذلك يختلفون بشكل كامل عن الشعوب المحيطة بهم التي ترى الأرض كمرعى لمواشيها وهي اما يملكها الأمبراطور واما الخليفة. الموارنة منذ البداية أقاموا علاقات حميمة وقوية مع الأرض، وجلولها ومسالكها وجدرانها. الأرض اختلطت بدمائهم وعرق جبينهم تماماً كما أن مياه قاديشا تشكلت من دموع التائبين ودماء الشهداء (…) في خلال قرون، تعلّق الماروني بأرضه فعمل وزرع وبنى كما تذكر الليتورجيا: فكل عمله كان له طعم اسراري ونكهة ليتورجية: الكرمة والقمح لخبز وخمر الإفخارستيا، شجرة الزيتون لصنع الزيوت المقدسة وشجرة التوت لنسج مناديل المذبح وأثواب العرس. كل شيىء لديه كان علامة بالعالم الآخر. منذ ألف عامأ أرض لبنان كانت المحور الذي يدور حوله قدر الموارنة مع أن الكثيرين منهم لم يبصروا النور فيه ولم يعيشوا فيه (…) ومع ذلك، أينما وجد الماروني بقي موجهاً نحو المركز من خلال الغريزة المزدوجة التي يتحدث عنها علم النفس المعاصر غريزة الموت (libido de la mort) التي يعيده في الواقع أم في الحلم الى حيث أبصر النور كي يموت ويمزج رفاته بالتراب الذي منه شكل وغريزة الحياة التي تدفعه للعودة الى أهله الى أحشاء الأم لكي يستمد الحياة من ينبوعها. (…)
إن نهاية الموارنة ستكون بداية نهاية المسيحية المشرقية، ونهاية المسيحية المشرقية تعني الحكم بالموت على كل الاتنيات والمجموعات الثقافية التي تشكل الفرص الفضلى للشرق لكي يستطيع الخروج من القرون الوسطى الجديدة التي يمكن أن يسقط فيها.
باختصار، إن مشروع الإنهاء الجسدي للموارنة أو حتى الإنهاء السياسي والفكري يشكل إعتداء على كل الشرق وبالتحديد على العروبة الإسلامية. السوء الذي يضربهم حالياً يدور كطائر أسود في سماء الشرق ويبحث عن فرائس جديدة. المأساة اللبنانية في السبعينات تبدو وكأنها اعادة عامة للكارثة التي ستضرب المنطقة في الثمانينات. في خلال القرون الثلاثة المنصرمة، اختبر الموارنة في لبنان من أجل كل الشرق كل أشكال الحياة، اليوم يختبرون الموت لكي يظهروا للجميع طريقة الموت التي سيموتونها.
د- الأسطورة والتاريخ بعد قرون
من النضال والتضحيات هل سنشهد
في النهاية ساعة موت المارونية؟
لكي أجيب على هذا السؤال الخطير، سأستعين بأسطورة أعيد تشكيل عناصرها غير المتجانسة: بالقرب من بلدة إهمج، قضاء جبيل، هناك نتوء إسمه قرن حفرون ونفرون كانا أنصاف آلهة توأمين ولدا على هذه القمة الضيقة والجرداء. حفرون، كما يشير إسمه، هو الذي يحفر الصخر ويعمل من دون نتيجة ووجد يوما ميتا من الجوع والبرد والفقر على صخرته. أخوه نفرون، كما يشير إسمه، هاجر الى بعيد، نفر، لكي يبحث عن الثروة في مكان آخر، أخذه البحر الى المجهول وضاع طريق العودة أمامه. كل تاريخ الموارنة في علاقتهم مع أرضهم موجود في هذه الأسطورة. على أرض الآلهة يوجد حفرون، الموارنة المتعلقين بجبالهم التي يحفرونها ويزرعونها متحدّين تقلّب الطبيعة وعدائية البشر. وهناك أيضاً نفرون، الموارنة المهاجرون الذين يغامرون وراء البحار. كل مسألة المارونية تقوم على أبطال الاسطورة بالتاريخ، على تكذيبها بالواقع، وعلى كسر القدر حتى لا يموت حفرون ـ الموارنة في لبنان من الفقر في جبالهم ولكي لا يفقد نفرون ـ الموارنة في المهجر ذاكرة الأرض في مجاهل العالم. حتى الآن مقاومة حفرون واسترجاع نفرون لذاكرته نجحا في تجنّب الأخطار. ولكن أبعد من الميتولوجيا هناك الإيمان. هنا الماروني لا يتماثل مع طائر الفينيق ولا مع أدونيس بل مع المسيح الذي بيع وسلّم وصلب ونزل الى الجحيم من حيث يصعد دائماً الى سماء الشرق كشهود للمسيح في هذا الشرق الذي شاهد آلامه، الموارنة يحملون في جسدهم علامات موت المسيح التي هي أيضاً علامات قيامته. سيتابعون مسيرة درب الصليب حتى يموت الشرق عن نفسه، عن مغالطاته التاريخية، عن أوهامه عن قدريته… وحتى تقوم من بين الأموات سحنة رجل جديد على أرض جديدة. لفشل ونجاح الموارنة إذن معنى أبعد من إطار جماعتهم وحدودها الجغرافية. من خلال قدرهم، سيتحطم أو يتحقق قدر الإنسان في هذا الشرق. إما يكون الشرق حرًا أو لا يكون. من خلال الحرية جسدوا القضية وحملوا مشعلها منذ أكثر من ألف عام في حين أن الشعوب المحيطة بهم إنحنت. من أجل الحرية، أمس واليوم، فضّلوا أن يموتوا واقفين حتى لا يبقى الشرق نائماً عند أقدام الأباطرة والخلفاء الذين يا للأسف لا ينتهون.
(يتبع)
إقرأ أيضاً: الموارنة من أجل الحرية والأرض يموتون واقفين -1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]