Site icon Lebanese Forces Official Website

الموارنة من أجل الحرية والأرض يموتون واقفين – 3

كتب الأب ميشال حايك في “المسيرة” – العدد 1713

 

ه – مساحة الحرية

على رغم كون لبنان نقطة الإرتكاز أو نقطة البيكار للإنتشار الماروني، فإن ذلك لا يعني أن المارونية تنحصر بين النهر الكبير ورأس الناقورة، وطبعاً بين نهر الموت وجسر المدفون. نحن الموارنة المهاجرون الآتون (الى المؤتمر الماروني) من كل بلدان العالم، نشهد أن مساحة الموارنة هي أرض البشر. وهذا ينسحب أيضا على المستوى الروحي: القديسون الذين أنجبهم الموارنة هم رسل الى العالم، من مارون الى شربل، هناك تأكيد على أولوية بطولة الروح. وكذلك ينسحب على المستوى الثقافي، فالمفكرون تيوفيليوس من الرها الى السمعاني، الى الحاقلاني الى جبران هم منارات اتقدّت في بغداد وروما وباريس وبوسطن وأناروا طرق تلاقي الحضارات والثقافات. وسياسياً لم يرغب الموارنة الإنغلاق في بيت قومي خاص، بل إن ورثاء أنطاكية وسائر المشرق مدوا يدهم دومًا الى البيزنطيين والعرب والفرنسيين وفي وقت لاحق الى الطوائف غير المسيحية، الدروز والشيعة والسنّة لبناء مساحة البطريركية الأصلية إما في شكل سوريا الكبرى أو الهلال الخصيب أو للبعض أيضاً على امتداد يضم شبه الجزيرة العربية. لتحقيق مشاريعهم الطموحة، أحيوا اللغة وجدّدوا المجتمع وأعملوا أدوات الحداثة. فاستنبطوا نظريات القومية العربية والوطن العربي وهكذا اخترعوا، من أجل خدمة الايديولوجيا العربية، الأسلحة التي يقاتلون بها الآن. لقد فشلوا في تحقيق مشروع الشرق الحر، والمتعدد والعلماني والمؤمن، ولكنهم على الأقل تمكنوا من أن ينشئوا في لبنان مختصرا عن الشرق. في الواقع لبنان إستقبل ويستقبل كل إتنيات الشرق: اللاجئون من المجازر، الأرمن، اليونانيون، الأشوريون، السريان، الأكراد والفلسطينيون، وجميع هؤلاء يتمكنون من تأكيد شخصيتهم ويمارسون حريتهم فيه. لأن لبنان تمّكن أن يكون رمز الكونية، بدا للماروني بأنه بالقدر الذي يصبح لبنانياً بالقدر الذي يحقق ما يربط قدره وقدر أرضه بالكونية. غير أن لبنان – الرمز اليوم ممزق كدولة وكأرض، وها إن الموارنة يجدون أنفسهم مدفوعين الى قساوتهم الأصلية، وحيدين متروكين من الدول العظمى كما في زمن هجرتهم الى أرضهم الموعودة. ما أفادهم ان يكونوا قريبين من الغرب أو عربًا أو حتى لبنانيين؟ يجدون أنفسهم اليوم غائصين في عصورهم الأولى الى هويتهم الأصلية «موارنة بس» على بطاقة هويتهم، ليس هناك إلا إسمهم متحرر من كل الإضافات والألقاب المبهمة والوهمية. إنهم يشعرون بأنهم أقل ثقلاً وقدرة على تسلق لبنان الى أعلى قممه حيث يمكنهم تنشق الهواء النقي. سيكتشفون «فلسفة العراء» التي استنبطها مار مارون كما يقول كاتب سيرته تيودوريتس القورشي، سيكتشفون وطنهم الحقيقي الذي هو قبل كل شيء مساحة روحية. قديسوهم وشهداؤهم يدعونهم الى هناك ويذكرونهم بقول الإنجيل «الذين يرثون الأرض هم المدعوون الى ملكوت الله»، الأرض هنا رمز لملكوت الله الذي يشكل الإيمان الباب له. عندما يتعرضون للقتل من أجل أرضهم، الموارنة لا يدافعون في النهاية عن إرث مادي بل ما يمثله هذا الإرث وما يرمز إليه. من دون الرموزية الأرض المادية قشرة زائلة. الموارنة عرفوا دائماً أن لبنان جميل بشكل خاص من جراء حقائقه الروحية وإفراغه من هذه القيم ليس إلا صخرة ناكرة للجميل.. «المارونية» مشروع حرية يشكل لبنان رمزًا له، على مدخل القارات الثلاث التي شكلت العالم القديم كما أن تمثال الحرية يشكل رمزاً للحرية على مدخل العالم الجديد. في السابق، كان يأتي من الغرب من يساعد على إعادة نصب التمثال، اليوم تقع على عاتق الموارنة المهاجرين مسؤولية، الحلول مكان العالم الحر المتداعي في عملية إعادة لبنان كرمز للحرية الى موقعه على مفترق طرق الأمم. قد يُقال بعد كل شيء إننا نتكلم عن شعب صغير عدد سكانه أقل من عدد سكان حي في نيويورك، وأرضه أصغر من أراضي بعض المزارعين في تكساس. هذا صحيح من زاوية الكمّ والعدد والمساحة، أما من زاوية القيم ليس صغيرا البلد الذي أعطى الأبجدية الأولى على الأرض وليس صغيراً الشعب الذي أرسل القديس الأخير الى السماء.

ما المطلوب من المسيحية المشرقية،

ومن المسيحيين اللبنانيين،

ومن الموارنة تخصيصًا؟

أن تعي المسيحية، أولاً ونظريًا، ما أُعطيت بإنجيلها. ليس من السهل أن تجد عظة كعظة المسيح على الجبل، أو خطابًا كخطابه الوداعي في العشاء السري، أو رسالة كرسالة مار يوحنا التلميذ الحبيب. أن تعي هذه المسيحية ما أُعطيت إياه من الكنز الروحي في الإنجيل.

وأن تعي، ثانيًا، أن من أُعطي كثيرًا يُطلب منه كثيرًا. أن تعي الكنوز الثقافية التي ورثتها رغم ما اعتراها بأجيالها من عصبيات حوّلتها طوائف، وحوّلت الكنيسة طوائف، وهذا أكبر الشرور التي أصيبت بها، ولا تزال حية في لغات عبادتها وممارسة طقوسها، أي في أبهى مواقفها في التاريخ. هنا أيضًا، من أُعطي الكثير يُطلب منه الكثير.

وأن تعي، ثالثاً، موقعها الجغرافي الذي يضعها في مهبّ الرياح العالمية على ملتقى ثلاث قارات، وملتقى ديانات، محل الأزمة. أي أن يكون منتصف خط ساحلها الذي يربطها بين قاراتها الثلاث، آسيا وأوروبا وأفريقيا، هو مضيق نهر الكلب. أشعر هناك على تلك النقطة التي ينزل فيها الجبل مبدئيًا في البحر وتبطل المسافة وتتعطل، أشعر أني صرت معلقاً في الخطر، إنها حال الأزمة الميتافيزقية. الشعور أنك في الضيق، في قلب هذا البلد. هذه المسيحية في موقعها الجغرافي هذا الذي يفتحها على القارات الثلاث، يجعلها تحسّ أن الأخطار تدهمها، فهي في ضيق كلما حدث إرتجاج أو إهتزاز في العالم. هذا أيضًا من الكنوز التي يُفترض على المسيحي، إذا كان يعي ذلك كله، أن يكون في يقظة، في قلق، في حال إحراج للعثور على أجوبة عن كل هذه الأسئلة المطروحة عليه من جراء هذا التلاقي. كيف يمكن عيش هذا الضيق؟ هذا هو أيضًا توسيع للإنسان والإنسانية. هذه هي حال المسيحي: أن يكون في الضيق. حال الضيق هي حاله، باستثناء السكرات والترف العابر، كما كانت حاله في الإنتداب.

على المسيحية، رابعًا واستطرادًا، أن تعي الضيق الذي تحدث عنه الإنجيل: سيكون لكم في العالم ضيق، ولكن تقوّوا فأنا غلبت العالم. قالها المسيح وهو ذاهب الى ليلة إعتقاله وبدء آلامه. المسيحي هو الذي يعتقد أنه غلب العالم، وانطلاقه هو إنطلاق الواثق المتفائل الذي يمكن أن يُقتل جسده ولا تُقتل روحه (لا تخافوا من يقتل الجسد بل خافوا ممن يقتل النفس والجسد معًا في جهنم).

الخوف هو البغض وهو عدو المسيحية. فإذا كان هناك رسالة للمسيحية، من حيث هي دعوة الى فعل المحبة الكبرى، ومن حيث هي تجميع لكل التراثات في الكلمة ـ إبن الإنسان، فلا يمكنها أن تحلم بمصير يُبنى على الترف والبذخ إنطلاقاً من الثروات المادية، لأنها تعرف أن ثمن الخلاص صليب وأنه لا يمكن أن تكون مسيحيًا إذا لم تشارك في عملية الخلق التي هي عملية مخاض ووجع وخطر.

يقول الإنجيل إن فرح المسيحي هو فرح الأم التي تلد، مرّا بخطر الإجهاض والموت. أبشع ما سمعتُ من مقولات إنطلقت من هنا، أن بعضهم يكره إلهًا يبكي، هذا مع الإعتبار أن المسيحي وُجد للفرح والسلام، لكن هذا لن يتم إلا عبر فعل ولادة هي الموت والحياة.

وعلى المسيحية أن تعي، خامسًا، أن الرسالة شاقة وصعبة ولا مفر للمسيحيين إذا أرادوا أن يتمموها من الرجوع الى مبادئ وجودهم كمسيحيين، وحمل هذه الرسالة عبر هذا الضيق الى الفرح. ولا فاصل هنا بين الفرح والألم. ومفروض أن يكون الحب هو الواسطة الذي ينقذك من فرحك وحده لئلا يتحول هذا الفرح لذة عابرة، وأن يكون هو الواسطة الذي ينقذك من ألمك وحده لئلا يتحول هذ الألم يأسًا. هذا الثالوث الذي يُعبَّر عنه بالحب والفرح والألم هو إنعكاس الخبرة الروحية اليومية للعقيدة المسيحية في الثالوث القدوس.

وعلى المسيحية، سادسًا، أن تعي أن شعبها حاضر وتاريخه شاهد وإنجازاته شاهدة، وأن الدهر دولاب والحق نطاح وأن المسيح قام.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: الموارنة من أجل الحرية والأرض يموتون واقفين -2

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​

Exit mobile version