فكر البطريرك الحويك ودوره – 2

“المسيرة” – العدد 1713

الخوري إسطفان إبراهيم الخوري – من كتاب «وثائق البطريرك الياس الحويك السياسية»

فكر البطريرك الحويك ودوره:

لم نعش لذاتنا بل لخدمة الكنيسة والوطن (2)

في إطار سعي المركز الماروني للتوثيق والأبحاث لإبراز فكر البطريركية المارونية التاريخي، الوطني والسياسي، والدور الذي اضطلعت به في هذا المجال، وبما أن البطاركة الموارنة هم المرجع الماروني الأعلى والناطق الرسمي باسم كنيستهم والمعلن موقفها الوطني والسياسي، كانت العودة الى النصوص السياسية الصادرة عن هؤلاء البطاركة ونشرها.

ولما كان لا بد من إختيار أحد هؤلاء البطاركة لنشر وثائقه أولاً ثم نشر وثائق الآخرين، وبما أن الموارنة إرتبطوا تاريخيًا بلبنان وارتبط تاريخهم بتاريخه وتاريخه بتاريخهم، وبما أن إعلان لبنان الكبير سنة 1920، هو «الحدث الأكبر والأكثر تأثيرًا في تاريخ هذا الوطن» على حد قول البطريرك الحويك، وبما أن البطريرك الحويك تبوأ المقعد الأول في ذاك الإحتفال بسبب الدور الريادي الذي اضطلع به، لهذا السبب وقع الإختيار الأول على البطريرك الحويك (1843 ـ 1931) وهو البطريرك الماروني الثاني والسبعون، الذي امتدت حبريته الطويلة من 1899 حتى 1931 أي زهاء 33 عامًا.

والوثائق التي ننشرها تُبيّن فكر البطريركية المارونية في الشؤون السياسية والوطنية والدور الذي اضطلعت به في هذا المجال من خلال شخص البطريرك الحويك كما يلي:

 

ثانيًا: على صعيد الدور

يمكننا التكلّم عن أربع مراحل تاريخية وطنية مرّ بها عهده: مرحلة المتصرفية (7/12/1899 ـ 22/11/1914)، ثم مرحلة الحرب العالمية الأولى (22/11/1914 ـ 10/10/1918)، وكلتاهما في ظل الهيمنة العثمانية، والمرحلة الإنتقالية، وهي مرحلة المفاوضات لنيل الإستقلال والفوز بالكيان (10/10/1918 ـ 1/9/1920)، فمرحلة الإنتداب الفرنسي (1/9/1920 ـ 24/12/1931)، وكلتا الأخيرتين في ظل إنتصار الحلفاء وتوطيد النفوذ الفرنسي. في كل هذه المراحل تعاطى البطريرك الحويك الشأن الوطني من بابه العالي، وكان أبرز روّاد الحركة الوطنية.

1-في مرحلة المتصرفية (1899 ـ 1914)

كان البطريرك يعبّر دائمًا عن تعلّقه بالمواطنة العثمانية، إلا أنه كان يسعى الى تحصين نظام المتصرفية الخاص بلبنان والإمتيازات التي ينعم بها، ويطالب بإصلاحات إدارية ونظامية، وبتحسين سبل العيش، وجعل البلاد قادرة على الحياة وإيقاف الهجرة. وكان يستعين دائمًا بالقوى الفرنسية. وفيما اتسمت علاقته ببعض متصرفين (مثل أوهانس باشا) بالود والتعاون المتبادل، لم تكن هذه العلاقة ببعض المتصرفين الآخرين جيدة، حتى أن مظفر باشا إتهمه بالعمالة ضد السلطنة، مما اضطُر البطريرك الى السفر في الجزء الثاني من سنة 1905 الى روما ومنها الى باريس، ومن باريس توجّه الى اسطنبول، وبقي في العاصمة العثمانية من 17 تشرين الأول الى 2 تشرين الثاني 1905، وقابل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، ولقد كان لهذه السفرة أهمية كبرى، إذ أكدت رسوخ العلاقة المارونية ـ الفرنسية، رغم صدور «قانون 1905» الذي فصل الكنائس عن الدولة الفرنسية وأقام «العلمنة على الطريقة الفرنسية»، كما أعاد ترميم الثقة التي كانت تزعزعت بين السلطان عبد الحميد والموارنة بسبب وشايات مظفر باشا.

2-في مرحلة الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)

دخل العثمانيون جبل لبنان وحلّوا مجلس إدارته، وألغوا نظام المتصرفية والإمتيازات الأجنبية. وفي 23/8/1915، حاصر العثمانيون جبل لبنان برًا، فاستفحلت المجاعة فيه. فعمد البطريرك الى تشديد أبناء رعيته بالروح الإيمانية وتأمين حاجاتهم الجسدية. وفي منشور 14/12/1917 حثهم قائلاً: «إسعوا أيها الأبناء الأعزاء في أن تدفعوا الضربات الحالّة بكم بإنعاش روح الإيمان والتقوى في قلوبكم وبإصلاح سيرتكم وبالرجوع الحقيقي الى الله». ووصّى الكهنة: «حرّضوا أبناءكم في هذه الشدّة على التسليم المطلق لمشيئة الله القدوسة، سلّوا المكروبين عزّوا الحزانى، إفتقدوا المرضى واهتموا حق الإهتمام بالمدنفين…». وفي المنشور عينه كتب: «أنتم تعلمون أننا في مؤاساتنا لكم لم نقف عند حد الشعور فقط»، إذ جيّر أموال البطريركية المارونية وأمواله الخاصة لمساعدة الفقراء وإطعامهم، ونظم عمليات الإغاثة. ويُذكر أن مقر البطريركية كان أحد مراكز توزيع الطعام. وأمر غبطته كل الأوقاف والأديار بإعالة الفقراء، وأذن لهم بالرهن والإستدانة والبيع لهذه الغاية. وحصل البطريرك على معونات مالية من المغتربين اللبنانيين ومن الحكومة الفرنسية عن طريق مفوّضها في أرواد. وعلى رغم ذلك مات ثلث السكان من الجوع، واعتبر البطريرك أن المجاعة كانت مدبّرة لإبادة سكان جبل لبنان.

وقد حاول جمال باشا الملقب بـ»السفاح» نفي البطريرك الحويك لكنه فشل. وطلب منه الحضور الى مقره مرات عدة، وتناول معه في شكل أساسي علاقة الكنيسة المارونية بفرنسا، واتهمه بالوقوف وراء مقالات صدرت في الصحف الفرنسية عن محاولة إبادة اللبنانيين بواسطة المجاعة، وأرغمه على تحرير رسائل يُشيد فيها بحسن معاملة جمال باشا له، وبحدبه على الشعب من خلال تأمين المواد الغذائية له، واحتجزه ثم أطلقه بعد تدخل الفاتيكان وإمبراطور النمسا.

وكان مؤتمر فرساي قد أفضى الى تشكيل لجنة «كينغ ـ كراين» لاستقصاء رغبات سكان سوريا ولبنان وفلسطين في مستقبل بلدانهم. وقد قابلت اللجنة البطريرك الحويك في حزيران 1919، فطالب باستقلال لبنان وبالحماية الفرنسية له.

3-في المرحلة الإنتقالية ومرحلة المفاوضات لنيل الإستقلال والكيان (1918 ـ 1920)

لم يتجاوب البطريرك الحويك مع الدعوة التي وجّهها إليه الأمير محمد سعيد ليطلب منه باسم العربية (العروبة) والوطن أن يؤسس الحكومة العربية المستقلة في جبل لبنان، مع أن هذا ما طلب أيضًا إنفاذه عدد من وجهاء كسروان وممثلون عن عائلاتها. بل إنه أبرق الى الأمير مالك شهاب المنتخب من موظفي الحكومة في بعبدا لإدارة الحكومة الموقتة العربية، وأعلمه بوجوب المثابرة على إدارة الحكومة الموقتة بحزم وحكمة، ووقف كل مخابرة تتعلّق بشؤون البلاد الى أن يتم تبادل الآراء في هذا الشأن. وبعد أيام رحّب البطريرك الحويك بدخول الحلفاء الى بيروت وجبل لبنان، وبحلّ الحكومات العربية التي كانت أُعلِنت وبانتهاء الحكم العربي.

في 9/12/1918، أرسل مجلس الإدارة الى مؤتمر الصلح في باريس أول وفد لبناني رسمي، برئاسة داود عمّون، لكنه لم يلقَ أي جواب.

في 20/5/1919، أعلن مجلس الإدارة إستقلال لبنان في حدود 1860. بعد هذا الإعلان، وإذ صرّح فيصل في دمشق بأن لبنان هو جزء من سوريا، أمّت الوفود اللبنانية الصرح البطريركي من كل الطوائف، وسلّمت البطريرك الحويك تفويضات من اللبنانيين على اختلاف طوائفهم في جبل لبنان ولبنان الكبير والمهجر على السواء، تُخوِّله التكلّم باسمهم والسعي الى تحقيق مطالبهم. فألّف البطريرك الوفد الثاني الى مؤتمر الصلح. وفي 23/8/1919 وصل الى باريس، فنزل ضيفاً على الحكومة الفرنسية. وحمل البطريرك الحويك بيده خطابًا الى رئيس مجلس الوزراء الفرنسي ورئيس مؤتمر الصلح كليمنصو يتضمن مطلب الإستقلال المطلق والسيادة التامة الداخلية والخارجية. إلا أن الواقع الذي لقيه في باريس، جعله يُغيِّر في مطالبه ويتبنّى المذكرة التي أُعِدّت هناك ويقدمها لمؤتمر الصلح في 25/10/1919. وقد أُدرج فيها مطلب الإنتداب الفرنسي وحملت عنوان: «Les revendications du Liban». وفي 10/11/1919، حصل البطريرك الحويك على تعهّد خطي من رئيس مجلس الوزراء الفرنسي ورئيس مؤتمر الصلح كليمنصو، يعد فيه اللبنانيين بالإستقلال، والجبل اللبناني بالسهول والمرافئ البحرية الضرورية لازدهاره. واعتُبر هذا التعهّد بمثابة وثيقة الإستقلال.

في 17/12/1919 أرسل البطريرك الحويك المطران شكرالله خوري زائرًا بطريركيًا الى القارتين الأميركيتين. ومن أهداف زيارته الأساسية دعوة الموارنة الى العودة الى وطنهم الأم، لانتفاء الأسباب التي دفعتهم الى الهجرة بعد حصول البلاد على استقلالها والوعد بتوسيعها وجعلها قابلة للحياة. في 18/12/1919 ترك البطريرك الحويك الأراضي الفرنسية. وفي 25/12/1919 وصل الى بيروت.

إلا أن فيصل، وفور عودته من باريس، صرّح أيضًا بأن لبنان لن يُوسّع ولن يستقلّ عن سوريا، بل سيحصل في الأكثر على حكم ذاتي واسع من ضمن سوريا. لذلك قلقت الأفكار في لبنان، ورفض البطريرك الحويك هذا الطرح. ولمعالجة هذه الأزمة، قرر، وبقوة التفويض الذي حصل عليه من اللبنانيين، إرسال وفد لمتابعة المهمة التي كان قد باشر بها، فكان الوفد الثالث برئاسة المطران عبدالله خوري.

في 11/2/1920 وصل الوفد الثالث الى باريس. وقد سعى لتحقيق مطالب اللبنانيين وفق ما حدّدها البطريرك الحويك في مذكرته الى مؤتمر الصلح في 25/10/1919، وتركّزت مهمته الأساسية على توسيع الكيان اللبناني بمنحه السهول والمدن والمرافئ البحرية، وعلى المطالبة بالإنتداب الفرنسي. وفي 1/9/1920 أعلن المفوض السامي الجنرال هنري غورو ولادة دولة لبنان الكبير تحت الإنتداب الفرنسي من قصر الصنوبر في بيروت والى يمينه البطريرك الحويك، معتليًا الكرسي رقم ـ1ـ والى يساره مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا. وفي 25/9/1920 عاد الوفد الثالث الى لبنان، بعدما حصل على تعهّد من رئيس مجلس الوزراء الفرنسي ميللران باستقلال لبنان الكبير في حدوده الطبيعية والتاريخية. وقد مرّ بروما وحصل على بركة البابا بنديكتوس الخامس عشر خطيًا على خريطة لبنان الكبير. وكان البطريرك الحويك يتراسل مع المطران عبدالله خوري، ويتابع من لبنان كل شيء ويقوم بكل ما يلزم.

لكن مساعي الوفد الثالث لتثبيت الكيان اللبناني الكبير وللإعتراف باستقلاله لم تمرّ بسهولة ولا بسلام، لا خلال وجوده في باريس ولا بعد عودته الى لبنان. فبينما كان الوفد في باريس، جمع فيصل حلفاءه في دمشق في 7/3/1920، وعقد ما عُرف بالمؤتمر السوري الثاني، الذي أعلن فيصل ملكاً على سوريا وفلسطين ولبنان. وكان هذا الإعلان الرسمي الأول للمملكة السورية وعلى رأسها فيصل ملكاً. وفي 25/4/1920، أوكل مؤتمر سان ريمو الى فرنسا الإنتداب على سوريا وأغفل ذكر لبنان. وفي 12/7/1920، كتب غورو الى البطريرك الحويك يبلّغه أن فيصل أرسل مالاً الى بيروت بغية رشوة الناس لينحازوا إليه. ووقعت حادثة مجلس الإدارة.

4-في مرحلة الإنتداب (1920 ـ 1931)

واجه البطريرك صعوبات جمّة. فمن 25 آب حتى 21 أيلول 1921، عُقد المؤتمر السوري ـ الفلسطيني في جنيف، وشارك فيه لبنانيون. ورفض المؤتمر الإنتداب الفرنسي وطالب بالوحدة السورية، كما طالب بعض اللبنانيين المشاركين في المؤتمر بالمحافظة على نظام لبنان وحدوده السابقين. وفي 24/7/1923، وُضعت معاهدة السلام مع تركيا. وقد جاءت على ذكر الأرمن والأشوريين والكلدان وسوريا، ولم تذكر لبنان ولا اللبنانيين. وحصلت حوادث دامية وفتن طائفية مدعومة من فيصل، في جبل عامل والبقاع والشمال، راح ضحيتها مسيحيون كثر أحرق منازلهم وزرعهم شيعة ونصيريون، كما حصلت تعديات شيعية في جرود كسروان، وأخذ سنّة من طرابلس وبيروت يطالبون بضم المدينتين الى سوريا. وخلال عامي 1925 ـ 1926، تكررت الحوادث الدامية على يد الشيعة والعلويين، وانضم إليهم الدروز، وشهد جبل الدروز في لبنان وسوريا قسمًا منها. وأخذ الفرنسيون يطرحون من جديد مسألة الولايات المتحدة السورية التي تؤلف في ما بينها فيديراسيون، وفكرة الإستفتاء من جديد على نهائية كيان لبنان الكبير واستقلاله، وتقاعسوا تكرارًا في ملاحقة المجرمين ومحاكمتهم، ولم يُنصفوا الأبرياء المظلومين، بل عاملوهم أحياناً معاملة المذنبين، ونزعوا سلاحهم وتركوا السلاح في أيدي المعتدين ولم يحموا الضحايا.

وعلى رغم أن الموارنة لم يجتمعوا كلهم على رأي واحد سياسي ووطني بقيادة البطريرك الحويك، إلا أن غبطته حسم أمره وحدّد رؤيته للقضية اللبنانية وخطة الوصول الى تحقيقها، ولم يحِدْ عن الثوابت والأفكار التي قادت أسلافه. وردًا على كل من تكلم باسم لبنان مطالبًا بأمور منافية للمطالب التي تقدم بها لمؤتمر الصلح، كان البطريرك الحويك يذكّر بأنه الوحيد المفوّض من كل اللبنانيين والمُخوّل التكلّم باسمهم.

وعزز موقف البطريرك الحويك إلتقاء شخصيات وطنية وأجنبية مع رؤيته وخطة عمله، بحيث تعاون وإياهم، وامتدح وطنية اللبنانيين منهم، وصداقة الأجانب ومحبتهم.

صحيح أن الحوادث المؤلمة والأحداث الصعبة التي مرّت بها البلاد سنتَي 1925 و1926 جعلت البطريرك الحويك يطرح حلولاً جذرية كنقل الشعوب حتى يصبح لبنان بلدًا متجانسًا، لكنه كرر، في أكثر من رسالة، إيمانه بالعيش المشترك والوحدة اللبنانية. ورأى أن السبب في كل ما يحدث ليس دينيًا بل هو سياسي، الهدف منه إنهاء الإنتداب الفرنسي والقضاء على إستقلال لبنان وإخضاعه لسوريا الموحّدة. واعتبر أن ما جرى من حوادث لا يعبّر عن الواقع اللبناني الأصيل ولا عن إرادة لبنانية وطنية، بل هو نتيجة لتأثير إقليمي، ولتقاعس في تطبيق العدالة والمساواة، ولضعف في حكم البلد وإدارة شؤونه من السلطة الحاكمة. ورأى البطريرك الحويك أن الفرنسيين يُضحّون بأصدقائهم المسيحيين ليكسبوا محبة المسلمين ولا يعاقبوا هؤلاء على أعمالهم الإجرامية، بل يمنحونهم وظائف إدارية أكثر مما يستحقون وعلى حساب المسيحيين، وهم بسياستهم هذه خسروا محبة الأصدقاء ولم يكسبوا محبة الآخرين. وأشار الى أن التطبيق العادل للإنتداب، وتسليم المواطنين زمام الحكم والإدارة والعدل وإحقاق العدل والنظام، وإنصاف الجماعات ومساواتها، تُعيد الأمور الى مجراها التاريخي الخاص بلبنان، فتعيش الطوائف اللبنانية بسلام كما كانت في الماضي.

وسعى البطريرك الحويك أيضًا الى حسن تطبيق الإنتداب وعدم تحويله شكلاً من أشكال الإستعمار، والى وضع قانون أساسي موافق للبلاد ولطموحات أبنائها وطوائفها في المضمون والشكل كما في طريقة نصه، وشدّد على المحافظة على نظام الأحوال الشخصية، وطالب السلطات الفرنسية بعدم التدخل في الشؤون الدينية واحترام الخصوصية اللبنانية، وعدم إدخال أفكار أجنبية الى لبنان لا تتلاءم وواقعه. وأكد في الوقت نفسه على المحافظة على هيبة فرنسا واحترامها.

في آخر أربع سنوات من حبريته، أصدر البطريرك الحويك على التوالي مناشيره السنوية التالية:

– في 21/11/1927 «المحبة المسيحية»

– في 21/11/1928 «محبة الله».

– في 5/12/1929 «محبة الكنيسة».

– في 8/12/1930 «محبة الوطن».

ودعا المسيحيين الى إعتبار القضية اللبنانية قضية مسيحية مقدسة مرتبطة بحب الله وحب الكنيسة. وكتب: «أما المسيحي فتدعوه فضيلة محبة الله الى محبة وطنه وتقضي عليه بأن يؤسس محبة الوطن على محبة الله». وكأن به أيضًا يقول إن المحبة المسيحية التي تتصف وتتميّز في نظره بالشمولية و»تتناول جميع الناس بأي إسم تسمّوا ومن أي لون كانوا»، هي الرافعة الأساسية للوطن المشترك وللوحدة اللبنانية التي هي في نظره «وديعة ثمينة».

بعد عرض فكر البطريركية المارونية ودورها الوطني والسياسي على يد البطريرك الحويك، نتوقف عند بعض تجلّيات الإنجاز الذي حققته:

على رغم أن البطريرك الحويك لم يتمكن من تحقيق سيادة لبنان التامة الخارجية والداخلية التي طالب بها باسم الشعب اللبناني في خطابه أمام الرئيس كليمنصو خلال سفره عام 1919، وعلى رغم أن البعض أخذ عليه قبوله مبدأ الإنتداب والتعرّض للإستقلال وتسليم مفتاح البلاد الى الأجنبي، إلا أن الوثائق التي ننشرها تُظهر عظمة الإنجاز الذي تحقق في 1/9/1920 يوم إعلان قيام دولة لبنان الكبير تحت وصاية الإنتداب الفرنسي. فلبنان حاز أولاً إستقلاله عن أي بلد مجاور رغم أنه لم يحصل على سيادته التامة، فلقد ميّز حينها اللبنانيون والمنتدبون ما بين مفهومي الإستقلال والسيادة ومفاعيلهما، وقبل البطريرك بالإنتداب شرط أن لا يمسّ بحق لبنان في سيادته التامة بل لكي يُحضِّر لها. ثم إن لبنان إستعاد المناطق التي كانت قد سُلِبت منه، وأعاد الى أهلها العيش المشترك بالعدالة والتساوي بين الطوائف كلها. وبقيام دولة لبنان الكبير، عاد لبنان بلدًا قابلاً للحياة، إذ إستعاد السهول والمرافئ البحرية التي كان قد حُرم منها. وإن منطق الحرية على أرض الوطن، الذي استهوى اللبنانيين لأجيال، تحقق بالفعل، وإن مجرد المقارنة بين خطاب البطريرك الحويك أمام السلطان عبد الحميد عام 1905 في الأستانة والجنرال غورو عام 1920 في الديمان يُظهر عظمة الإنجاز.

ففي عام 1905، وبسبب الوشاية أمام الباب العالي، إضطُر البطريرك للسفر الى الأستانة بعد أن مر بفرنسا وروما وطلب التوسط والتدخل لإصلاح ذات البين، كما اضطُر البطريرك لالتماس الرضى الشاهاني بعبارات العبودية والولاء المعتادة حينها ولكن أيضًا بالثناء والدعاء. أما في عام 1920، فلأن اللبنانيين كانوا مستائين من طريقة الحكم وتطبيق الإنتداب الفرنسي، إضطُر ممثل الدولة الفرنسية الوصية والمنتدبة، الجنرال غورو، الى زيارة المقر البطريركي الصيفي في الديمان حيث ألقى البطريرك على مسمعه خطابه الوطني الشهير والصريح الذي عبّر فيه عن مطالب اللبنانيين كافة وشكاويهم، بدون تملّق وثناء، وأنذر رجال الإنتداب من سوء المغبة. وهذا ما تكرر في مناسبات ومواضيع أخرى. وبينما أكرَه جمال باشا السفاح والظالم البطريرك على كتابة رسالة عن حدب جمال باشا على الشعب أيام الضيق والمجاعة، كتب البطريرك الحويك بملء حريته وقناعته رسائل تقدير ومحبة لكل من ساهم في استقلال لبنان. إن ما حققه البطريرك الحويك في 1/9/1920 باسم الشعب اللبناني هو في أساس ما استُكمل تحقيقه عام 1943، ولولا إستقلال لبنان عام 1920 لكان مستحيلاً حتى التكلم عن سيادة لبنان عام 1943. وما كانت استمرت على أرض لبنان الديناميكية التي تُحلّ الوطنية السياسية محلّ الوطنية الدينية.

 

في الختام

إننا إذ نشكر الله على ما قدّرنا على القيام به لإبراز فكر البطريرك الحويك ودوره في القضية اللبنانية، نحذو حذوه، فنقدّم هذا العمل «لمجد الجود الإلهي الأعظم» و»خير الكنيسة والوطن»، وإذ نرجو منه تعالى «نعمة العيش والموت في رضاه» نلتمس منه نعمة الإتحاد بإرادته القدوسة والإنقياد لها، ونجدّد إتكالنا على رحمته وعنايته إتكالاً مطلقاً، ونسأل الله أن يحفظ لبنان وطناً للحرية والعدالة والمساواة، وأن تبقى البطريركية المارونية دومًا ضميره الحيّ. وإن يقيننا هو أن البطريرك الحويك عاش ومات في رضى الله، متكلاً على العناية الإلهية ففاز بأعماله كلها، وإن قداسة حياته جعلت سيرته مستقيمة خالية من العيب والملامة، وحلّته بالصدق والجرأة الأدبية، وجمّلته بالحلم والشفقة، وميّزته بالوفاء والإخلاص، والمحبة الشاملة والوطنية. وإنه، في حال أعلنته الكنيسة قديسًا، يستحق فعلاً لقب شفيع لبنان، لا سيما أنه كتب في منشوره الأخير في 8/12/1930: «يمكننا القول إننا لم نعش لذاتنا بل لخدمة الكنيسة وخدمة الوطن. ولنا الرجاء الوطيد بمراحمه تعالى ألا يحرمنا من الحصول على الوطن الحقيقي الثابت مقرّ الراحة… وهناك لا نتحوّل عن حب هذا الوطن وعن مواصلة طلب البركات له».

(انتهى)

إقرأ ايضاً: فكر البطريرك الحويك ودوره – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل