Site icon Lebanese Forces Official Website

جرن الكبة ومعول فلاح… ومقاومون من يوم يومنا! (2)

من يوم يومنا عشنا مقاومين. من الأرض جعلناها مورد الحياة، ومن التراب جعلناه قضية الكرامة، ومن عاداتنا وتقاليدنا وجدنا لنا وطناً يشبه وجه الرب، فكنّا مقاومة الأجيال لكل الأجيال وهكذا نبقى.

مقال على حلقتين يختصر نضال وصمود أهلنا في الجبال والتلال وتلك الأرض الطيبة.

 

إقرأ أيضاً: جرن الكبة ومعول فلاح… ومقاومون من يوم يومنا! (1)

في عاداتهم وتقاليدهم، شكّل أهل الجبال مقاومة استثنائية لكل ظروفهم الصعبة. فلم يكن أحد منهم مثلاً ليموت لوحده، الفقيد لأهله وللضيعة كلها، عونة للدفن والوقوف الى جانب المحزون، “ليس من منطلق الواجبات الاجتماعية المفروضة عليهم فقط، ولا حتى مجرّد كرم أخلاق من قِبلهم، إنما انطلاقاً من مبدأ تعاضد اجتماعي قل نظيره، هو بمثابة صلاتهم اليومية التي دخلت من صلب صلب مقاومتهم” يقول الدكتور إيلي الياس، الحزن كما الفرح عمومي، معاً عاشوا كل المشاعر الحلوة والمرّة، والمهم الا يشعر أحد منهم أنه لوحده في مصابه.

كانت العونة في كل شيء، وانسحبت حتى على قرع جرس الكنيسة مثلا، وأجراس الكنائس كانت وسيلة الإعلام الوحيدة المتوافرة، كانت بمثابة تلفون الأيام الغابرة أو واتساب ذاك الزمن الذي لم يعرف الاّ الصمود، أجراس الكنائس كانت أيضاً كلمة السرّ التي لا يعرفها سواهم. نقرع جرس الأحد لنذهب الى القداس. نقرع الجرس إذا تعرضت الضيعة لحريق ما فيهرع الأهالي لإطفاء الحريق، وهي عادة لا تزال سارية المفعول حتى اللحظة في بعض قرانا، والأهم الأهم، نقرع جرس الكنيسة للإشارة الى أي خطر داهم أو هجوم تتعرّض له الضيعة أو حتى القرى المجاورة، “ومن هون وُجدت عادة التحدي بتربيع الجرس، وهي دلالة على مين قبضاي أكتر بالضيعة لأنه هو سيكون المنقذ الأول وقت الخطر. بمجزرة شكا بتموز من العام 1976، دقت الضيعة أجراسها ونزلت العالم على الطريق حتى تواجه المهاجمين، هيدي عادة حملها المقاومون من جدودهم، وما زالت لليوم في قرانا وجبالنا” يقول الدكتور الياس.

لماذا يحتفظ أهل الجبال بعدة الحراثة حتى اليوم، وبجرن الكبّة الذي أصبح ديكور البيوت؟ لماذا سيدات الجيل الأعتق ما زلن يحتفظن مثلا بفساتين أعراس جدّاتهن؟ “أحد ركائز المقاومة هو الحفاظ على الإرث أيضاً” يقول الياس. فستان العروس كان يتنقّل من الأم للبنت للحفيدة، ولكل من تشاء من عرائس زمن المقاومة كي لا يضطر العرسان لتكبّد المزيد من المصاريف، أو والأهم، كي لا يُلغي العرسان زفافهم بسبب ضيق الحال، ما يؤدي الى ضمور في عدد الولادات، وهنا كان تبرز مهمة كاهن الرعية، الذي لم يكن يقتصر دوره على نشر الدين وحسب، بل كان واجهة رعيته ومرشدها ومختارها أيضاً، وحتى الناطق باسمها لدى سلطة الاحتلال، التي كانت تعتبر أن أي ضرر يلحق بها هو بتحريض من الكاهن.

كان خير الأرض كثيراً، لكن الأيام صعبة وهم يقاومون. فحملوا خير أرضهم على ظهر الدواب لبيعها في أسواق بيروت وفي طرابلس ومدن لبنان الكبيرة، فأمضوا الليالي على الطرقات الطويلة الصعبة لتصريف إنتاجهم، فكان الصيف للتعب في الأرض والشتاء لجني ثمار الغلال التي وإن لم تكن غالباً وافرة، لكن الكوارة كانت دائماً ممتلئة قمحاً وقورما وخلاً وطحيناً وبرغلاً وحتى نبيذاً، وبجانبهم تلك البارودة العتيقة المتوارثة من جيل الى جيل.

كان الاحتلال يطبق على قلب الأهالي، هم يكرهون لنا الحياة، وأهل الجبال عاشوا ليكونوا أحراراً كهواء قممنا العالية، المحتل يريدنا بلا علم ونور كي نبقى خاضعين، والأهل يعشقون بفطرتهم المعرفة. انطلقوا من مدرسة تحت السنديانة بداية، فكان أستاذ المدرسة الذي يعلّم القراءة والكتابة فقط، هو سلطان الضيعة، لم يكن يتقاضى القروش أجراً له، بل تصله المؤون والبيض البلدي والخبز الصاج الطازج وما شابه من ستات الضيعة، في مقابل أن يتعلم الأولاد فك الحرف على الأقل، وما توافر من علوم حصدها الأستاذ من قراءاته من هنا وهناك، ومن تحت السنديانة تلك تخرّج أدباء كبار ومن بينهم شاعر القرية مارون عبود. كانوا بالعلم يريدون مواجهة الجهل، كانوا بالعلم يريدون أن يشكلوا أيضاً مقاومتهم الصغيرة كي لا تبقى الأرض بأيدي الجهّال او العملاء، كانوا بالعلم يريدون مجابهة رحيل الأبناء عن أرضهم بحثاً عن آفاق جديدة.

“أحد كبار الاقتصاديين الانكليز يقول إنه حتى القرن الـ19، ما كان المسيحييون ينزلون الى المدينة لشراء حاجياتهم، لأن مقاومتهم عبر اكتفائهم الذاتي، جعلتهم يعيشون الصمود بأبهى حلله، ولما فتحت أميركا أبوابها للعالم، بدأت الأمور تتغير. كل ما كان يحصل في جبالنا هو انعكاس لمقاومة تاريخية اقتصادية اجتماعية، وهو خيار اتخذه أجدادنا المقاومون ليكونوا أحراراً عبر تقاليدهم وتراثهم العريق وتكاتفهم وعلاقتهم المباشرة بالأرض” يقول الدكتور الياس.

فلاح مكفي سلطان مخفي، قالها مرّة المير بشير المعني الكبير. كانوا فلاحين، وكانوا عمالاً وكانوا شبعانين، كانوا رجالاً شجعان وكانوا هم الشجعان. كانوا مقاومين وكانوا هم المقاومة.​

Exit mobile version