الأب يوسف عودة يكتب: الموارنة في فكر الدكتور هنري كريمونا ـ 2 ـ

حجم الخط

الموارنة ـ لبنانالموارنة ـ البطريرك حدشيتيالموارنة ـ مار مارونالموارنة ـ وادي قنوبينالموارنة ـ حردينالموارنة ـ كتاب مسيحيون مقاومون

كتبت “المسيرة” – العدد 1749

في الجزء الثاني من كتاب “مسيحيون مقاومون” للأب يوسف عودة تنشر “المسيرة” ما نقله عن المفكر الدكتور هنري كريمونا حول دور الموارنة، قوتهم وضعفهم، عن إيمانهم المتجذِّر في التاريخ، عن الحقيقة التي هي عندهم جسدٌ حي، عن إيمانهم وتمسكهم بالحرية وتمرّسهم بالصبر عبرَ تاريخ مصقول بالشدة. عشية عيد مار مارون، هذه حقيقة الموارنة “إما أن يتجددوا ويُجددوا الشرق معهم، وإما أن يموتوا ويبقى الشرق في رقاده”… ولن يموتوا!

 

إنه الفيلسوف المسيحي وأستاذ الأجيال على مدى عشرات السنين، وكان ليَ الشرف أن تعلّمت المعنى المسيحي للنضال وا.ل.ش.ه.ا.د.ة للإيمان المسيحي في هذا الشرق على يد الدكتور هنري كريمونا. وها أنا أنقل ما حملته من عصارة فكر الدكتور كريمونا وقد خطّها بيده تحت عنوان: “ثمن قربان الحرية”.

“يوم الثاني عشر من شهر نيسان 1975، كنا في لقاء سياسي، نستمع إلى أحد القادة الفلسطينيين يقول لنا: “إن تحرير فلسطين يمرّ من خلال تحرير الأنظمة العربية”! يومها كنا نوافقه القول، على جهل منا لقراءة لم نُحسن تبيُّن أحرفها إلا مساء اليوم التالي، حين بدأت ا.ل.ح.ر.ب على لبنان، وعصفت الروح فينا، فانفتحت أعيننا وانكببنا على الزمن نسائله، فيجيبنا داعيًا إيانا لنستفيق فنحسن “تفهّم الوقت الحاضر” (لو 12: 56).

لم يدم تغرّبنا عن ذاتنا، إثر هذا اللقاء، أكثر من أربع وعشرين ساعة، استيقظ فينا على إثره، نسغ الحياة، فقرأنا وارتسم أمام ذهننا عمق معنى وجودنا في الشرق، ثم نظرنا إلى عمق مسار تاريخنا الماروني، فبانت عطية الرب لنا، إذ أدركنا كيف أنّه يُغدق علينا دومًا نعمة “تفسير الأزمنة” (متى 16: 3) كلما كانت الأقدار تعصف بنا.

1 – قلوب من لحم

قراءة الأزمنة وتبيُّن معناها على ضوء الإيمان، هي خصائص الأنبياء. هذه النعمة حباها الله لنا، حتى أصبحنا، كشعب ماروني بمثابة نبيّ الشرق. فهل كنا دومًا نُحسن تفسير الأزمنة؟

عندما كنا نُحسن هذه القراءة، عبر تاريخنا، كانت الحرية عندنا القربان الأسمى، نتغذّى منها ونغذّي من هم بحاجة إليها، أما عندما كنا نجهل القراءة فكانت التبعيّة عارنا الأدهى، ننكفئ فيها ونقتات من فُتات من يتصدّق علينا، وهو ليس بحاجة إلينا. وإذا أمعنا النظر في تاريخنا، فإننا نستشفّ وجود جدلية بين حُسن القراءة وجهلها.

وحُسن القراءة كان دومًا حصة الشعب الماروني المؤمن، لأن قلوب هذا الشعب هي، وما تزال، قلوب من لحم تنبض إيمانًا ورجاء بالرب يسوع، وتنتعش فيها الثقة بالذات وبنبل الحرية. أما جهل التفسير فكان يجرّ علينا الكوارث. فكان يصدر، وما يزال، عن بعض قيادات لنا، انزلقت في متاهات الأنانية والتبعيّة، من دون أن تقوى قلوب اللحم على تليين قلوب الحجر فيها!

يكمننا القول إن سرّ وجودنا واستمرارنا في هذه المساحة الشرقية من العالم، يعود إلى علاقة جدلية خفية بين حُسن القراءة وجهلها. فكلما كانت قراءة الشعب وقراءة القادة في توافق وتآلف، كنا ننعم بالثبات في كياننا، ونمسك مصيرنا بجرأة وعنفوان، نسكر بحريتنا، مهما كانت الأوضاع المحيطة بنا، وتتجلى صورتنا في أسمى مقامات الوجود أمام أعين أبناء الشرق.

فكيف نُحسن اليوم تفسير أزمتنا الحاضرة؟

ليس من دليل مادي لهذه القراءة، إنما السبيل ينطلق من نبضات قلوب اللحم فينا ويدفعنا إلى أن ننمّي الرغبة في تنشّق روحانية مارون الناسك، لأن تلك الروحانية تستلهم، في عمقها الإيماني، صورة الابن الإلهي في صفاء حبه وحريته النابعين من قلب الثالوث الأقدس. فكما مات الرب يسوع على الصليب، ثمّ قام منتصرًا، كذلك وعلى مثال حبَّة الحنطة، مات مارون الناسك عن العالم، فقام الرهبان من بعده، وأقاموا كنيسة لا تزال مستمرة لغاية اليوم بقوة الروح. إنها روحانية ا.ل.م.و.ت والقيامة. وقد اختبرناها عبر تاريخنا الطويل فكنا نُعلَّق على صليب الآلام مرة أو مرتين وأكثر، في كل قرن، ثم نقوم بقوة الروح القدس وشفاعة العذراء مريم، وبفعل ثباتنا ومثابرتنا على إيماننا، وتأكيد وحدتنا في إطارنا الكنسي.

2 ـ قوة الموارنة وضعفهم

شكّلت هذه الروحانية العمق الوجداني والإيماني للموارنة عبر صيرورتهم التاريخية، فارتضوها ويرتضونها اليوم، وقد اعتنقوها حتى في أجسادهم وأرزاقهم، فكانت القيامة تنبُت من ضعفهم، حتى أصبح الضعف قوة عندهم، لأن قيامتهم لم يستمدوها من حكمة هذا العالم، في أمواله وسلاحه، بل في لغة “المسيح المصلوب” (1 قور 1: 23)، فأدركوا أن قوتهم تكمن في ضعفهم، وأن الضعف عندهم هو قوة الرب يسوع القائم من ا.ل.م.و.ت، وهو القائل: “ستُعانون ضيقاً في العالم، ولكن ثِقوا فأَنا غَلَبْتُ العالم” (يو 16: 33)، “فلا تخف أيُّها القطيع الصغير” (لو 12: 32).

هذا الإيمان المتجذّر في التاريخ، والذي يحمله الشعب الماروني، لا يستلهم عقيدة سياسية أو اجتماعية، بل يستنير من حقيقة تاريخية، في إله حيّ متأنس بين البشر، يسكن معهم، قضيته المحبة وهدفه ارتقاء الإنسان. لذلك فإن الحقيقة عند الموارنة ليست أفكارًا أو مفاهيم، وليست تعليمًا أو إرشادًا فقط، الحقيقة عندهم هي جسد حيّ. فكما أن كلمة الله والكلمة لحمًا صارتْ، وبيننا سكنتْ، ورأينا مَجدَها “(يو 1: 14)، كذلك فإن شهادتهم للمحبة الآتية من الآب، وللحرية المتجلّية في البنوّة له، تظهر في أجسادهم وتصرفاتهم، في أفعالهم وأقوالهم، أو لا تظهر.

يكون الموارنة اليوم أجسادًا حيّة، في المحبة والحرية، يلمس الآخرون من خلالها جسد المسيح الحيّ، أو تبقى أجسادهم بائدة معرّضة للذلّ والفتك والانقراض. يموت الموارنة عندما يعتقدون أن الصليب هو النهاية، ويحيون عندما يدركون أن لا قيامة حقيقية لهم من دون العبور في الصليب. هذا الالتصاق بفعل التجسّد الإلهي، يؤهّل الموارنة وكل مؤمن بالمسيح كي يدركوا أنّهم أصبحوا أبناء الله، بكل ما لكلمة بنوّة من معنى ينادونه: “أبًا” (روم 8: 15). ويحيون معه وفيه حرية أبناء الله، فلا يرتضون قيدًا بشريًا ولا يستسيغون تسلّطاً، بل يعملون على نزع وهدم كل قهر وقمع وإذلال.

اقترن وجود الموارنة بالحرية كما تقترن الحرية بذاتها، من دون حاجة إلى غيرها، حتى أصبحت الحرية قربان الموارنة على مذبح الشرق وضمانة لارتقائهم وأبناء الشرق معهم نحو النور والصفاء. وباعتناق الحرية منهجًا حياتيًا لبناء مصيرهم أكّد الموارنة أن الإنسان هو القيمة المطلقة في هذه الدنيا، لا تعلوها أي قيمة أخرى، ولا تحدّها قوانين أو أنظمة أو أحزاب أو رغبة حاكم مستبد. الإنسان قيمة بذاته، في حرية كيانه الذاتي، يتمتع بكرامة ذاتية ولا يمكن أن يكون وسيلة لفتحٍ سياسيّ أو عسكريّ أو ماليّ تفقده أهليّة الوجود الكياني الحر.

3 ـ الكلمة والسيف

من أعتى المخاطر التي واجهها الموارنة عبر التاريخ كانت يوم تتعرّض الحرية للانتهاك والتهديد في كيان وجودها عندهم، فتصطدم بأحدٍ من الناس من هؤلاء الذين يمتهنون إرادة إلغاء الآخر باسم دينه أو عقيدته أو كبريائه، ساعيًا لينفي مَن هو مغاير عنه، ولكي يضمّه إلى جزئيته الخاصة. أمام أخطار تواجه حريتهم وحفاظاً على وجودهم الحر كان الموارنة بحكمة قراءةٍ لعلامات الأزمنة، يستنبطون الحلول المتوفرة الفكرية والسياسية والاجتماعية. ومتى تبطل هذه الحلول كانوا يستلّون السيف كحلّ أقصى، يرتضون أن يدفعوا بدمائهم ثمن حريتهم، إذ تراهم عندئذ يقفون لا محالة أمام خيارين، إما العيش مع الآخرين بذميّة ذليلة، أو التطلّع نحو حرية ذاتية دونهم، فيختارون الثانية ولو بثمن باهظٍ.

يؤمن الموارنة في قرارة أنفسهم بأن السلاح ليس وسيلة مباشرة للدفاع عن الذات، بل هو الوسيلة الأخيرة قبل الفناء المحتّم، لذلك نراهم إذ تمرّسوا على الصبر عبر تاريخهم تصقلهم الشدّة، تنعشهم الأرض المرويّة بالدماء، ويحييهم الإيمان بذاك الذي يقول لهم: “شُدُّوا وسطكم، وأسرجوا سِراجكم. تشبّهوا بأناس ينتظرون عودة سيّدهم من العرس، حتى إذا ما جاء وطرق، فتحوا له من دون إبطاء” (لو 12: 35 – 36).

يشهد الموارنة للحرية، لأنهم يشهدون للإنسان كون وجود هذا الإنسان لا يقتصر على الأكل والشرب، بل هو في كيانه الذاتيّ والتاريخيّ، وجود يحتوي على دعوة جوهرية سامية لأن ينمو، كل واحد منهم، ليبلغ ملء قامة المسيح. هنا تكمن عظمة الموارنة في هذه الرسالة الإلهية، وهنا أيضًا يرتسم عنفوانهم النابع من تواضع إلههم. هذه هي شهادة الموارنة في لبنان والشرق، “بصبركم تكسِبونَ أَنفُسَكُم” (لو 21: 19). إذاً لا تخافوا، يقول لهم الرب يسوع: “أما أنتم فشَعْرُ رأسِكُم نفسُه مَعْدُودٌ كلُّه” (متى 10: 30).

يؤدي الموارنة هذه الشهادة بفخر واعتزاز، أو يفقدون هويّتهم، ويسقطون في وديان الضياع والتشتت، فيستخف بهم أبناء الشرق والغرب معًا. يشهد الموارنة لعالم الروح الذي أصبح كلمة، أو يغلقون ذواتهم في جزئيات الحرف، والمصالح الذاتية والمكاسب الآنيّة، فيموتون. وحينئذ يحلّ زمن جنازة الشرق كلّه.

4- الخطر الداهم في أيامنا

هل يذهب الموارنة اليوم إلى وليمة الحياة، يتغذّون من جسد الرب، ومن كلمته الحيّة، يتنشقون الحرية الرائدة، فتتهلّل نفوسهم، وتبتهج أرواحهم، “فلا يجوعون ولا يعطشون” (يو 6: 35)، ولا يندفعون ليملأوا فراغ قلوبهم وعقولهم، بأقوال وأعمال الشياطين من هذا العالم، ولا يسقطون في غياهب المفاهيم النسبيّة القاتلة، فيحابون الوجوه؟

في حُسن قراءة للأزمنة الحاضرة عندنا اليوم، هناك خطر داهم يهدد فكرنا وثقافتنا ومن شأنه أن يشلّ أواصر وجودنا، ليذيب مستقبل أولادنا، ويحوّلهم إلى جواري في أروقة الظلام. على الموارنة أن يدركوا أن الخطر الداهم اليوم، يكمن في هذه الروحية النسبيّة التي تقتحم عالم الفكر المعاصر في جامعاتنا ومجتمعاتنا، والتي ينادي بها من يدّعون زورًا العلم والمعرفة. ينادي أعوان النسبيّة، وقد استهواها البعض عندنا، بأن الحقيقة مجزأة، وأن لا مطلق فيها، فيشيّعون بأن الركون إلى أي عقيدة إيمانية، هو في حد ذاته حق، لأن العقيدة الأخرى هي أيضًا حق، فتصبح عندئذٍ الحرية هباءً، والمحبة تواطؤًا، ويُمحى الرجاء من القلوب.

هؤلاء المنادون بالنسبيّة أدخلوا روحيتها إلى مواقع الفكر وأُطر المجتمع عندنا، في مواقعنا المارونية، يستخدمون تعاويذ الألفاظ المنمّقة، والكلمات المعسولة الفارغة، ليُبهروا الناس، إنما ليس كل الناس، “ولا عَجَب، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يَتَلَبَّسُ بِزَيِّ مَلاكِ نُور” (2 قور 11: 14).

في الختام

أمام الموارنة خمسون سنة من زمن الروح، فإما أن يتجدّدوا ويُجدّدوا الشرق معهم، وإما أن يموتوا، ويبقى الشرق في رقاده. لا لن يموتوا، سينهض الشرق وسيخرج الزيت من أرض لبنان لينتشر في أرجاء الشرق كلّه.

يردد الشعب الماروني اليوم، في حنايا قلبه، بجرأة تحمل قوة الحرية، وعزيمة تحمل صفاء الإيمان: لن يفصلنا عن محبّة المسيح شيء، لا شدّة، ولا ضيق، ولا اضطهاد، ولا جوع، ولا عري، ولا خطر، ولا سيف، ولا موت، ولا حياة، ولا ملائكة، ولا أصحاب رئاسة، ولا أية خليقة (روم 8 : 35 – 39). لقد آن الزمن لنا، والروح يعمل، وقراءتنا هنا تستلهم أنواره، والحرية بدأت تنبت في الشرق هنا وهناك، في ربيعٍ قاسٍ سيحمل ثمارًا، أفلا ننطلق كما الإثني عشر، والرب يُرسلنا ويبقى معنا إلى انقضاء الدهر!

من كتاب “مسيحيون مقاومون”  للأب يوسف عودة

(يتبع)

إقرأ أيضًا: الأب يوسف عوده يكتب: تاريخ المسيحيين المقاومين في رؤية سمير جعجع ـ 1 ـ

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل