
يحكى أنهم من رحم الأرض ولدوا، يحكى أنهم عشقوا الحرية حتى صنعوا منها مجدًا للبنان، فكانت الحرية قدرهم المنتزع من أعماق الأودية ومن صلب المغاور، من الشواطئ الأبية ومن التلال التي تعانق الشمس فخرًا عندما تتنفس أشجارها بحرية. يحكى عنهم أنهم الموارنة.. ويحكى أنهم “المقدمون” و”النساك” و”الأبطال” و”الرهبان”… يحكى كثيراً وقد كثرة صفاتهم عبر التاريخ إلا أن الثابت الوحيد الأوحد هي “الحرية” التي عاهدتهم عهدًا روحيًا الاهيًا، فكانوا بحريتهم مسيحيين موارنة، متشبثين بالأرض وبتشبثهم انتزعوا الحرية من فك “القدر” فجعلوا من تجمعهم وجغرافيتهم مجتمعًا متميزًا عريقًا، فكان لبنان الأرز وكانت حكاية الأبطال من “سيدة قنوبين” الى “بكركي”، حكاية الموارنة لا بل حكاية مارونية لبنانية.
في خانة “الموارنة” يصمت القلم قليلاً، على الرغم من أنهم رواده، إلا أن حرمة التضحية بالذات “حق” واحترامها “واجب”، تضحيتهم متجلية في كل شبر من الوطن، فالصمت احترامٌ قليل والواجب يبقى الحفاظ على “لبنان” كي لا يغدر الأبطال مرتين.
قالها يوماً البطريرك مار نصرالله بطرس صفير رحمه الله، “نحن من عشنا في المغاور والكهوف لتبقى لنا الحرية”، هذه الكلمات ليست بالحبر الجديد على أوراق التاريخ، فأول بطريرك سقط باسم الحرية. هكذا عُرف الموارنة وكما كانت أرضهم صلبة كذلك كانت نفوسهم وأجسادهم.
أحدث الموارنة على مر الزمن بصمة كبيرة في تاريخ لبنان، فكان لهم 1400 سنة من مجده وهويته، فتكون الوقفة لحظة أمامه كـ”مجتمع” يحمل هوية وانتماء ويطرح سؤال، من هم “نساك” الشرق وكيف ارتبطوا بالهوية اللبنانية؟
أولاً ومن دون أدنى شك أن وحي التسمية يدل بشكل مباشر الى أن الموارنة نُسبوا للقديس مارون، الذي ترعرعت حياته النسكية في البرية في قلب جبال سوريا، ومن وحي حياته النسكية انطلق فكر “تلامذة مارون” المسيحي الكنسي الشرقي، ليكون محور اهتمام وجذب لكثيرين والالتحاق بتلاميذ مارون وبروحانيتهم.
محطة البطولة الأولى
لم يُخفى يوماً أن الموارنة حملوا في جعبة تاريخهم ملحمة كاملة متكاملة من البطولة والتضحية والرسالة، كيف لا؟ ويوم تطلب الأمر موقفًا صريحًا كنسيًا كان الموارنة في الواجهة لا بل دفعوا ثمنًا بأرواحهم لتنطلق من هذا الحدث “الرسالة” المارونية. نحن نتكلم عن تلاميذ مار مارون الـ350 الّذين رفضوا التّخلّي عن معتقد الكنيسة الكاثوليكيّة وتعليم المجمع المسكونيّ الرّابع الخلقيدونيّ سنة 451 ميلاديًّا، المعترف بوحدانيّة أقنوم المسيح في طبيعته الإلهيّة والإنسانيّة، فاضُطهدوا من بطريرك أنطاكيا ساويرس ودفعوا حياتهم ثمن معتقدهم عام 517 ومعهم رهبان وأساقفة كثيرين.
موارنة الإيمان قبلوا الحياة الأبدية برحابة صدر ليحملوا ويلقوا على كاهل أجيالهم معتقد المسيح والمبدأ السامي “نكرز في سبيل الإيمان ونبذل النفس دفاعاً عنه”.
الموارنة ولبنان
بحكم الاضطهادات الصعبة التي عاشها الموارنة، انتقلوا عبر الطريق الروماني على طول نهر العاصي الى منطقة العاصي ـ الهرمل في لبنان حيث أسسوا ديرًا لهم وهو ما يعرف بدير العاصي حاليًا، وقد شكل نقطة انطلاق الكنيسة المارونية في لبنان لتتمركز فيما بعد بين إهدن ـ الزاوية، جبة ـ بشري، البترون، وجبة المنيطرة. كان تمركزهم بفعل “الرسالة” والبشارة إذ وللتوضيح التاريخي “جبل لبنان” كان مسكونًا وليس الموارنة من سكنوه، إنما سكان جبل لبنان باتوا موارنة بفعل الإيمان والبشارة، ليتحول الجبل بحكم الحقيقة الى “قلعة روحية بشرية” ارتبطت ارتباط روح بالموارنة والإيمان. وهنا نشير بشكل وجيز الى أن الدراسات حددت أن المجتمع الأصلي تكون من ما يعرف بـ”المردة” و”الجراجمة” وهذا ما فسر تباعًا الطابع العسكري للموارنة.
المارونية ثورة مستمرة
عبر المونسينيور ميشال حايك عن المارونية معتبرًا إياها “ثورة مستمرة”، وهنا نتطرق الى الموارنة بمفهوم “الثورة”، فهم من عاشوا عزلة الجبل على مرّ السنين، ولُقبوا بالنساك، إذ إن وادي قاديشا تعطر بخوراً من كثرة نساكه، وأصبح مبخرة أرضية تمجد السماء بفعل الحرية وقدسيتها، ولا شك في هذا البحث أن الموارنة ارتبطوا بالحرية، فهم رافقوا المغاور والكهوف والأودية، حفاظًا على معتقدهم وحفاظًا على إيمانهم. ويمكن أن تقف الأسطر هنا، ويمكن أن هذه الكلمات ضئيلة أمام مفهومهم للحياة، إنما الأكيد أن لكل منا أن يذهب الى وادي قاديشا عندها لن يقرأ ولن يسمع، عندها سيرى بعينيه من هم الموارنة الذين حولوا الجبال الصخرية الى أجلالٍ للزراعة والارتزاق، لا بل من هذه الصخور نحتوا كيانًا مارونيًا أبديًا ارتكز على أكفه الوجود اللبناني فكانت المارونية اللبنانية مشعلاً للحرية وسط شرق الصعاب.
دعوا أعيونكم ترى “سيدة قنوبين” ومسكن البطاركة، مرورًا بكل المحطات التاريخية وصولاً الى بكركي التي لا تزال تحمل مجد لبنان بكل كيانها وقدرتها.
وبحسب المفكر أنطوان نجم إن لبنان “مساحة روحية” لا بل إنه دخل في كل تفاصيل الموارنة وبـ”ليتورجيتهم” وروحانيتهم وترانيمهم وصلواتهم، فهم من رنموا “أرزتي الخضراء تلثُمُ السماء رمزٌ للعذراء.. عيناها صوبَ لبنان والقلبُ دومًا سهرانْ..”
وبحسب نجم “الموارنة خرقوا الكيان اللبناني خرقًا دائمًا أزليًا”.
الموارنة أساس وطنهم
ارتبط الموارنة بلبنان ارتباطًا صعبًا، على الدول والجماعات المحيطة فهمه، فلبنان بالنسبة للموارنة ليس وطنًا تحده جغرافيته، اذ شكل لهم موطنًا روحيًا تتغذى منه أرواحهم ويتنفس منه أبطالهم وتحمل قضيته الأجيال ببذل ذاتها ليبقى لبنان كما هو دائمًا. فالموارنة أسسوا لبنان التربية بدءًا من مدارسهم العريقة التي كان على رأسها مدرسة “عين ورقة”، ومدرسة “عينطورة” والكثير من المدارس على كافة الأراضي اللبنانية، إضافة الى أول مطبعة ورقية دخلت الشرق، وهي حاليًا في دير مار أنطونيوس قزحيا ـ قنوبين.
يجدر الذكر أن هذه المدارس التي انطلقت من “تحت السنديانة” أصبحت أبرز معالم التربية في الشرق. إضافة الى مفهومهم الزراعي والصناعي بدءًا بالزراعات التقليدية والتجارة بها، وصولاً الى إنتاج الحرير في وسط أزمة الاحتلال العثماني. وهنا نذكر أن الموارنة في صلب حقبة العثمانيين كانوا يتنعمون بحريتهم، هذه الحرية التي فقدها كل أبناء السلطنة من شرقها الى غربها، وهذا ما يفسر أنهم قومٌ إن تنفسوا، تنفسوا “الحرية” فقط.
إنهم الموارنة الذين عاصروا فرنسا وأسسوا برعايتهم لبنان الكبير وحفظوا عيشه المشترك بروحهم، وجعلوا منه “جمهورية” اتصفت في عز السياسة المارونية بـ”سويسرا الشرق”.
في النهاية، الحبر قليلُ على هذا التاريخ، والريشة بين يدي خجولة أمام وطأة البطولة. الموارنة كنيسة، الموارنة فكرٌ ارتبط بأرز لبنان ارتباط الجنين بأمه، الموارنة ثورة حياة مستمرة.. الموارنة رسل المحبة في هذا الشرق، هكذا سلموا أصولهم وهكذا نحملها بهذا العنفوان وبهذه المحبة، بصلابة الأرز وبعشق الأرض لترابها، ليبقى لبنان دولة الرسالة ولتبقى أوديته تبخر السماء بنفح قداستها وشمس قديسيها.
