
على الرغم من صبر اللبنانيين “صبر أيوب” على ما يعيشونه جراء التحكم بقرار الدولة، لا تنبض جعبة الممانعين من اختراع مصطلحات جديدة كلما دعت الحاجة. مصطلحات غريبة عجيبة لم يسبقهم إليها أحد في عصرنا الحالي. من أشهر العبارات الممجوجة المكررة على مدى عشرات السنين، وعند كل ضربة لهذا المحور، يأتي الرد الساحق الذي يرعب الأعداء: “نحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين”، وجديدهم في هذا المعترك، عبارة “الصبر الإستراتيجي”!
تأتي هذه العبارة طبعًا بعد أن كانت العنتريات على أشدها قبل عملية غزة في 7 تشرين الأول الفائت، إذ كادت هذه العنتريات أن ترمي إسرائيل في البحر وتزيلها من الوجود، في تهديد ووعيد مقيت، تبين لاحقًا أنه دخان على بلاط لا يحتوي في طياته على أي مصادقية لكي يكون أيلًا للتنفيذ.
اليوم تحولت كل التهديدات الى صبر إستراتيجي! لكن صبر على ماذا؟
الإيديولوجيا المُمانِعة مبنية كلها على القضاء على إسرائيل وإزالتها من الوجود، وكان شعارها المفضل الذي فشل بدوره أيضًا، وحدة الساحات، وقد أتت الفرصة السانحة الذهبية ليحقق هذا المحور هدفه المزمن الذي كان على وشك التحقق ربما، لكن العالم برمته تفاجأ من التنصل المريب المعيب من تلك العملية وغسل أيدي المُمانِعين من أي دعم أو تدريب للذين قاموا بها، ولحفظ ماء وجههم، أطلقوا ما أسموه عمليات المشاغلة، التي تبين ومنذ اليوم الأول، أنها لا تقدم بل تؤخر، وقد عمقت خسائر وتخبط محور الممانعة.
نعود ونسأل، الصبر على ماذا؟
الهدف المحوري الوجودي لهذا المحور الذي بنى كل أمجاده عليه، أصبح بعيد المنال وصعب التحقيق، أقله أبعد وأصعب بكثير عن ما كان عليه قبل 7 تشرين، فما الهدف إذًا من الصبر؟
قبل 7 تشرين، كان هذا المحور يهدد بمحو إسرائيل بـ7 دقائق فقط، متوعدًا إياها بترسانته التي تصل الى ما بعد بعد حيفا، فإذا بنا نرى هذه الترسانة عبارة عن براميل طائرة عمياء سقطت بمعظمها في لبنان، وبينما كان هذا المحور يهدد إسرائيل، كانت ميليشياته تعيث خرابًا في كل الدول العربية، حيث كانت البداية في لبنان منذ العام 2004، وإمتدت الى الشعب السوري والعراقي واليمني والفلسطيني… بينما لم نره يرشق إسرائيل بطبق من الورد.
فهل الصبر الإستراتيجي يعني، أنهم صابرون لتنتهي عملية غزة، فيعودوا بعد ذلك الى ممارسة إستراتيجيتهم الحقيقية وهوايتهم المفضلة، بتخريب الدول العربية والقضاء على شعوبها وتدمير اقتصادها؟!
ممارسة التقية مُشرعة لدى بعض الفئات الاجتماعية. فمهما كذب أحد المنتمين الى هذه الفئات يصدقه الآخرون، وحتى عند اكتشاف كذبه لا يشعر المُضَلَّل بأي حرج، علمًا أننا نعيش اليوم في زمن الانفتاح والمعلومات المتدفقة من كل حدب وصوب، وفي زمن المعرفة التي أصبحت بمتناول الجميع، والتي تسمح برؤية ومعرفة الأهداف والنوايا الحقيقية لكل فريق، بعكس القرون السابقة التي كان من الصعب جداً التفريق بين ما هو حقيقة وما هو تدجيل. فالتحايل والتكاذب والتلون مع الظروف، من أسوأ الآفات والخطايا، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمصير الأوطان والشعوب.
