
كتب شارل جبور في “المسيرة” ـ العدد 1750
لهذه الأسباب فجَّر النظام الأمني ـ السوري سيدة النجاة
“القوات” قلبت الطاولة وبقيت!
أمسك النظام السوري اعتبارًا من العام 1991 بمفاصل الدولة اللبنانية الرئاسية والحكومية والوزارية والنيابية والقضائية والعسكرية والأمنية والإدارية، ولم يبق أمامه سوى “القوات اللبنانية” كعقبة في طريق وضع يده بالكامل على لبنان. لم يكن اختيار النظام الأمني اللبناني – السوري المشترك استهداف كنيسة سيدة النجاة محض صدفة، إنما كان عن سابق تصوّر وتصميم لأربعة اعتبارات أساسية:
الاعتبار الأول مسيحي بامتياز، حيث إن الهمّ الأساسي لهذا النظام إبعاد المسيحيين عن “القوات” التي تمثِّل وجدانهم ومشروعهم وتطلعاتهم وتوفِّر الحماية لهم وتدافع عن أمنهم وحريتهم ووجودهم، واتهامها بتفجير كنيسة، وليس أي شيء آخر، يوفِّر مادة للتحريض ضدّ “القوات” من خلال تصويرها أمام مجتمعها خلافاً لثوابتها وأفكارها ومنطلقاتها ومسيرتها وسرديتها.
فالهدف الأول كان إيجاد الشرخ بين “القوات” والمسيحيين، أي فصل “القوات” عن بيئتها ومجتمعها بما يسهِّل ضربها والقضاء عليها والتخلُّص منها، لأنها شكّلت رأس حربة الدفاع عن لبنان السيِّد والحرّ والتعدُّدي، ولطالما “القوات” موجودة في وجدان مجتمعها لطالما أن السيطرة التامة والشاملة على لبنان لن تتحقّق.
الاعتبار الثاني، التأسيس لخط مسيحي جديد موال للنظام السوري كون الحياة لا تحتمل الفراغ، وفي حال عدم استبدال “القوات” يبقى الناس مشدودون باتجاهها، كما أنه يستحيل ولادة خط جديد في ظل وجود “القوات”، وبالتالي بالتوازي مع اعتقالها والتحريض عليها بتفجير الكنيسة يجب وضع الإمكانات كلها بتصرُّف الخط المسيحي الجديد لتدعيمه وتعزيزه من أجل أن ينسى الرأي العام المسيحي “القوات”.
الاعتبار الثالث انتقامي من “القوات اللبنانية” التي أفشلت مخططات النظام السوري كلها لإلحاق لبنان بسوريا بدءًا بحرب الـ100 يوم وما قبلها، مرورًا بحرب زحلة وما بينهما وما بعدهما، وصولاً إلى إسقاط الإتفاق الثلاثي. ولولا “القوات” لكان نجح نظام الأسد بالسيطرة المطلقة على لبنان، وبالتالي كان يتحيّن الفرصة للانتقام والتخلُّص منها، فاستفاد من ضرب المنطقة الشرقية من الداخل، ومن حرب الخليج من الخارج للاستفراد بلبنان وضرب “القوات”.
الاعتبار الرابع وطني بقطع أي تواصل بين “القوات اللبنانية” والقوى السياسية، لأن أي تواصل من هذا القبيل يؤسِّس لتحالف وشبكة أمان وطنية، ما يؤدي إلى قطع الطريق على وضع اليدّ السورية على لبنان، فيما كانت سياسات النظام السوري قائمة على قاعدة تخويف المسيحيين من المسلمين والعكس، أي سياسة فرِّق تسُد.
فلكل هذه الاعتبارات والأسباب وغيرها كان لا بدّ من تفجير كنيسة سيدة النجاة وإلصاق التهمة بـ”القوات” ووضعها في المعتقل من جهة، وفي وضعية دفاعية عن نفسها أمام مجتمعها من جهة ثانية، وذلك بدلاً من أن تكون في وضعية هجومية في مواجهة من يُلحق لبنان بسوريا ويلغي وجود الدولة في لبنان ودورها.
فتفجير كنيسة سيدة النجاة كان جزءًا من مخطّط للتخلُّص من الحاجز الأخير أمام وضع اليد السورية على لبنان، ولكن كيف تصدّت “القوات” لهذا المخطّط الإلغائي الذي أثبت أن إلغاء “القوات” يُلغي السيادة؟
وعلى رغم وجود الجيش السوري والسيطرة على الدولة بكامل مفاصلها، أخضع النظام السوري البلد لخطة طوارئ تبدأ بإسكات الإعلام وإلغاء البرامج السياسية، ولا تنتهي بملاحقة كل من ينتمي إلى “القوات” واعتقاله وإلزامه بتوقيع تعهُّد بعدم تعاطي العمل السياسي، إلا أن من لا يهاب الشهادة لن يخيفه اضطهاد وقمع وملاحقات وتوقيفات وتعقبات، وقد نجحت “القوات” بكسر حلقة التحريض والحصار والإلغاء من خلال أربعة مسارات أساسية:
المسار الأول، التأكيد على أن المجرم يهرب من العدالة ولا يرفض العروض التي تقدمّت له لمغادرة لبنان، وذلك على الرغم من القناعة الراسخة بأن الداخل إلى “السجون السورية” مفقود، والمقصود أن مكان الاعتقال كان في الجغرافيا اللبنانية، ولكن القرار سوري بامتياز، وبالتالي على رغم القناعة بأن لا عدالة في زمن الاحتلال ميّز الحكيم بين محكمة الاحتلال ومحكمة التاريخ، وأظهر بمواجهته، خلافاً لكل الشخصيات في التاريخ التي فضّلت النفي على الاعتقال، أن المستهدف هو القضية التي يحملها ويدافع عنها.
ثانيًا، الصمود الاستثنائي لقائد “القوات” الذي لولا صموده لكانت انتهت “القوات” معه في المعتقل، إنما رفض الانصياع والتراجع والاستسلام وأصرّ على مواقفه ووجهة نظره، وتمسّك بتاريخ فريقه الذي قاوم وناضل واستشهد من أجل أن تحقِّق القضية أهدافها، وقد مدّ بصموده القواتيين بالقوة والعزيمة من منطلق إذا قائدهم صمد على رغم ظروفه التي لا توصف، فإن وضعهم خارج المعتقل يبقى أفضل وأريح بمئات المرات من وضعه، الأمر الذي يستدعي منهم مواصلة النضال على رغم كل شيء، لأن المطلوب إسكاتهم وتعويد الرأي العام بأن «القوات» غير موجودة.
ثالثاً، اعتبرت القاعدة القواتية أن صمود قائدها بمثابة أمر عمليات من طبيعة نضالية من الحكيم من أجل أن تواصل النضال الوطني.
رابعًا، عملت “القوات” وفق خطة رباعية متلازمة:
أولاً، ربط اعتقال “القوات” باعتقال لبنان، فلو كان الهدف فقط «القوات» لما اعتُقِل لبنان ودخل بشكل كامل في الفلك السوري.
ثانيًا، ربط المحاكمات بالاستهداف السياسي من خلال تحويل القضاء إلى أداة بيد النظام الأمني اللبناني-السوري المشترك لتصفية الحسابات السياسية مع “القوات”.
ثالثاً، ربط كسر إرادة “القوات” بكسر إرادة الخط المسيحي السيادي واستطرادا الوطني، إذ مع اعتقال “القوات” حكم النظام السوري وتحكّم بالقرار اللبناني.
رابعًا، ربط ما يحصل مع المسيحيين بما سيحصل مع المسلمين ومع كل من يطالب بسيادة لبنان وحرية قراره، وذلك على طريقة أعذر من أنذر، وأكلت يوم أكل الثور الأبيض.
وكان يكفي لتحقِّق خطة “القوات” أهدافها ثلاثة عوامل أساسية: صلابة الحكيم في المعتقل وهي أصلب من الذين هم خارج المعتقل، نضال القواتيين في المعتقل اللبناني، وهذا النضال لم يتوقّف، وعامل الوقت الكفيل بإدخال معطيات جديدة داخلية وخارجية على المشهد اللبناني.
وقد نجحت “القوات” بكسر ثلاثة حواجز تباعًا: الحاجز الأول إعادة الانتظام قواتيًا ضمن سياق نضالي سرّي، لأن الهدف من خلال اعتقال الحكيم ومئات القواتيين ضرب “القوات” وشلّها، والحاجز الثاني إعادة الوصل مع بكركي والبيئة المسيحية التي لمست بعد وقت قصير جدًا أن الهدف من ضرب “القوات” ضرب المشروع اللبناني بسيادته وحريته وتعدديته، والحاجز الثالث إعادة الوصل مع البيئات المسلمة التي أيقنت بأن الإطباق على لبنان لا يستثني أحدًا، وأن مصيرها لن يختلف عن “القوات” في حال تمسكت بالقرار اللبناني المستقل.
وقد نجحت “القوات” بمثابرة ونضال في كسر الحواجز الثلاثة في غضون عشر سنوات، وكسر هذه الحواجز جعل البيئة اللبنانية جاهزة لأي تغيير من أجل رفع نير الاحتلال السوري، والتغيير في الموقف أو التموضع الخارجي غير كاف ما لم يواكب بتغيير داخلي الذي يبقى الأساس والمحرِّك الرئيس لأي تغيير، وليس مبالغة القول إنه لولا إنضاج “القوات” بنضالها ومواجهتها للبيئة الداخلية لكانت التحوّلات الخارجية وقفت عند الحدود اللبنانية.
ويبقى السؤال لماذا نجحت “القوات اللبنانية” في قلب الطاولة على من حاول قلب الطاولة عليها؟
والجواب بسيط لأن “القوات” ليست حزبًا سلطويًا وتقليديًا يمكن التخلُّص منه بالاعتقال والحل، إنما تشكل النواة الصلبة لمجتمع وجماعة، والتخلُّص من “القوات” نهائيا يتطلّب التخلُّص من الجماعة التي لطالما هي موجودة فإن “القوات” موجودة، فلا جماعة من دون “قوات” ولا “قوات” من دون جماعة، وهذه المعادلة بدأت منذ قرون وتستمر إلى الأبد.
شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]