
يعجبني المثل الشعبي اللبناني “احترنا يا قرعة من وين بدنا نبوسك”، مع انه مثل يمثّل الضياع تجاه مواقف رمادية ملتبسة متناقضة غوغائية في المواقف، فتحتار حيالها ماذا تفعل، وكيف تكون ردة الفعل. يعيش الصحافي غسان ريفي حالًا من الضياع والتناقض الواضح. صحيح أن ريفي ناطق باسم البيئة الممانعة، ومطلوب منه أن يكتب المستحيل في محاولات بائسة يائسة للنيل من مصداقية “القوات اللبنانية” خصوصاً، تجاه الاستحقاقات الوطنية كافة، وتحديدًا الاستحقاق الرئاسي، لكن المفارقة أن الرجل، ولفرط حقده على السياديين عمومًا في لبنان، وانعدام المهنية في تحليلاته الصحافية، يغرق غالبًا في تناقضاته، ويكذب نفسه بنفسه!
في مقاله الأخير، وتحت عنوان “هل يريد التيار والقوات انتخاب رئيس؟”، يضع صحافي الممانعة، “القوات اللبنانية” بالموازاة مع موقف النائب جبران باسيل، اذ اعتبر ان “الكتلتين المسيحيتين الاساسيتين في مجلس النواب، تعتمدان أسلوب المناورة وتضع العصي في الدواليب أمام أي اقتراح يمكن أن يفضي الى إنهاء الشغور الرئاسي”!! للتذكير، أولًا، موقف القوات لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال، أن يُقارن بموقف التيار الوطني الحر، لسنا بوارد الغوص فيها الآن، في حين تحاول القوات وبكل ما اوتيت من قوة، طرح مرشحها الجدي جهاد ازعور منذ البداية، ولم ترشح سمير جعجع مثلًا، علًما أن لا أحد في كل تلك الجمهورية البائسة، يستحق أن يكون رئيسًا اكثر من جعجع، لكن ليس هدف القوات نفسها، بل الجمهورية القوية أولا وآخرًا، علمًا أن وللتذكير، بأن كاتب المقال إياه، كان ذكر في إحدى مقابلاته وفي 24 تشرين الثاني 2022 بان “القوات اللبنانية بخصومتها مع التيار لها مصلحة في انتخاب فرنجية للرئاسة”! عند أي بر ممكن أن ترسو حضرة الإعلامي؟!
الغريب هنا، ورغم الدعوات المتواصلة للقوات اللبنانية، لعقد جلسات انتخاب مفتوحة، يصرّ ريفي على الادعاء بأن “موقف القوات يشير الى خوف من حضور أي جلسة انتخابية يكون فيها سليمان فرنجية مرشحًا لكي لا تفاجأ بفوز غير متوقع بالنسبة لها، خصوصًا أن كل الإحصاءات تشير الى أنه بات يمتلك أصواتًا إضافية عن تلك التي حصل عليها في جلسة 14 حزيران الماضية، لذلك هي تضع في أولوياتها تخلي الثنائي الشيعي عن دعم فرنجية وترفض التحدث بأي اسم قبل حصول ذلك، تلافيًا لأي صدمة قد تتعرض لها في مجلس النواب”!
صدمة؟! طريف ريفي، والسؤال هل يقرأ ريفي الاعلام الخصم؟ أشك في ذلك، أو انه يقرأ ويرى ويتجاهل مواقف القوات، التي دخلت ولا تزال، في سجالات طويلة عريضة مع رئيس البرلمان الذي يرفض حتى الساعة، دعوة القوات لجلسات انتخاب مفتوحة انطلاقًا من إصرار الثنائي الشيعي على انتخاب فرنجية أو لا أحد، في حين تطالب القوات بطرح المرشحين كافة ومن بينهم فرنجيه “ويللي بيربح صحتين على قلبو” كما قال سمير جعجع أكثر من مرة. فهل تقرأ يا رجل الإعلام الآخر؟! أو لعلك تتابع ما تحب أن تراه وليس ما كُتب وحُكي عبر الإعلام وفي الحقيقة.
ومن بعد تحليل عميق مدوي بالحقائق والبراهين الدامغة، على “استقتال” القوات لتعطيل الاستحقاق الرئاسي، إسوة بالتيار العوني، تقدم ريفي بخاتمة لمقاله صادمة محطمة لكيان القوات اللبنانية ومعنوياتها، حين كشف الفضيحة المدوية بان “اليوم توافق القوات والتيار على مبادرة تكتل الاعتدال شكلًا، لكن في المضمون تحاول القوات الاستفادة من المبادرة لاستفزاز الرئيس نبيه بري ومصادرة صلاحياته، في حين يتفرّج التيار على السجال القائم ليتعاطى معه وفق ما تقتضيه مصالحه. إذا عُرف السبب بطُل العجب!”
غلبنا ريفي والله بحججه، والمفارقة، أن المواقف القواتية الموثّقة في مقابلات وبيانات الحكيم والقوات عمومًا، لم يكلف نفسه ريفي حتى العودة السطحية اليها، والتي توضح بما لا يقبل أي لبس أو جدال، بأن الصدام بين القوات ونبيه بري استعر خصوصًا بعد رفض الاخير لمبادرة تكتل “الاعتدال الوطني”، التي رحبت بها القوات واعتبرتها بداية حل للدخول في الانتخابات، انطلاقًا من أن الحوار بين الكتل النيابية داخل البرلمان، سيؤدي الى انتخابات رئاسية عبر عقد جلسات مفتوحة، الأمر الذي رفضه بري رفضًا قاطعًا معتبرًا أن لا مبادرات ولا حوار ما لم يكن هو المبادر في كل شيء. فهل تعرف ما تقرأه يا رجل؟ هل تفهم؟ هل تريد أن تفهم أساسًا أن المعرقل الرئيس لكل طروحات الحل، هو الرئيس بري ومن خلفه طبعا “الحزب”؟!
أنت تعرف وتعي تمامًا هذه الحقيقة، لكن عندما يتحوّل قلم الاعلامي الى صحافة صفراء تحاكي أسلوب الصحّاف المعروف بالكذب وتحوير الحقائق، تتعرى الصحافة عن رسالتها كمهنة الحقيقة، لتصبح سوق نخاسة لبيع وشراء المواقف والاستزلام الرخيص، وطبعًا وأكيد اقتضى التصحيح والتصويب والتذكير، بان الإعلام مهنة نبيلة سواء اكان أصحاب الأقلام أخصامًا أو حلفاء، لأن شرف المهنة هو الأساس، وهنا لا نجد أيًا من حروف تلك القيمة الانسانية العظيمة، وفعلًا إذا عُرف السبب بطل العجب…!
