
البطريرك إسطفانوس الدّويهي (1630-1704)
إسطفانوس الدّويهي، أيّ جبل هذا الذي عبر بالجبل الماروني نحو الجبال اللبنانيّة كلّها! من إهدن العاصية على جبابرة بني عثمان، ولد في العام 1630 ذلك الإهدنيّ الفذّ بتقاوته وحكمته، حتّى اصطاد معرفته البطريرك جرجس عميرا عند زيارته لإهدن، يوم قصد سنديانتها ـ المدرسة وقتذاك ـ وأعجب بذكاء هذا الثائر اليافع، فعمل على إرساله إلى روما مدينة العلم والمعرفة التي شقّها الموارنة بعقلهم، فوصلها الدّويهي في حزيران 1641، وهو ابن الحادية عشرة سنة، ليغرف من منهلها الذي وَسَمَهُ برجاحة عقله وفكره عبر التّاريخ.
المعلّم والوكيل الأمين
عاد الدّويهي بعدما رفض العروض الأوروبيّة كلّها في العام 1655 لأنّه هذا الوكيل الأمين الذي تركه سيّده في كرمه “الرّومانيّ”، ليعود محمّلًا بالخيرات العلميّة والمعرفيّة والأدبيّة والفنّيّة، ليقدّمها قرابين لشعبه الجائع. وفي العام التالي، رسمه البطريرك يوحنا الصفراوي كاهنًا على رتبة مار يوحنّا مارون مقاومًا مارونيًّا فذًّا صلبًا ملفانًا ولبنانيًّا كِيانيًّا إلى الأبد.
وعلى مذبح دير مار سركيس في إهدن، سِيمَ الدّويهي هذا الخادم الأمين لأهله وشعبه، فاهتم بتعليم أولاد قريته مبادئ القراءة والعلم، لأنّه أدرك أنّ العلم وحده يستطيع أن ينقل شعبه من الخضوع الإقطاعي إلى الحرّيّة السياسيّة الكيانيّة التي تشرّبها من صغره.
ولأنّه تربويّ بامتياز أدرك انّ النّهوض المجتمعي لا يكون إلا عبر التربية. لذلك أراد بناء جيش تربويّ من المعلّمين الموارنة. فقام بإرسال عدد كبير من أبناء رعاياه إلى روما ليغرفوا من معين التطوّر التعليمي ـ التعلّمي الأوروبي فينقلوه إلى تلك الدّساكر والقرى التي يربض فيها الموارنة الفلّاحون. فبفضل هذا الجيش التعليمي استطاع الموارنة في مراحل ما بعد الدّويهي لعب الدّور الجوهريّ في بناء لبنان الفكري، وصولًا إلى مرحلة التأسيس الكياني. رمم دير مار يعقوب وأقام فيه خمس سنوات، ليحمل البشارة بأمر بطريركي إلى حلب والجوار فيصبح الرائد في الحوار في تلك المرحلة، وصولًا حتّى انتخابه بطريركًا في العام 1670.
الراعي الصالح
إنّه البطريرك الانطاكي الذي نقل أنطاكيا وسائر المشرق منذ العام 1670 وحتّى العام 1704 إلى مكانة أرفع، فجعل منها رقمًا صعبًا في سجلات الاحتلال العثماني لأنه جمع، حيث ما حلّ، كل ما يتعلق بالموارنة ولبنان في مدارس روما ومكتباتها من مؤلفات قديمة وحديثة ومخطوطات متنوعة، في المجال الطقسي، ولا سيّما في كتابه الضخم “منارة الأقداس”، وكتابه التأريخي “تاريخ الأزمنة”، وغيرها من عشرات الكتب، منها ما نشر، ومنها لم ينشر بعد، ومنها قد ضاع للأسف!
هو الذي أسّس الرهبنات المارونية الثلاثة: البلدية (اللبنانية)، والحلبية (المريمية فيما بعد)، والأنطونية لأنّه أدرك تمامًا أن لا نهوض للمجتمع اللبناني إلا ببثّ تلك الرّوحيّة الرّهبانيّة النسكيّة التي تربّى عليها في وادي قنّوبين، حيث دفن هناك في مغارة القديسة مارينا إلى جانب أسلافه البطاركة، في هذا الوادي المقدس، بقرب دير سيدة قنّوبين، حيث مقرّ البطريركية المارونية، بعد حياة جهاد وعطاء وعناء لمّا توفّاه الرّبّ القدير وانتقل إلى أحضانه بعطر القداسة سنة 1704 الذي عبق في سماء لبنان كلّه.
الرؤيويّة التأريخيّة
لكنّ هذه المرحلة تاريخيًّا شهدت تنامي الاقطاع والاضطهاد العثماني. فغادر إلى كسروان كما غادر يوسف إلى مصر، وزار معظم قرى الجبل اللبناني ليشدّد عزيمة شعبه المؤمن. وما زالت قرية مجد المعوش التي بنى كنيستها تشهد على عظمة لاهوته النسكيّ. اشتهرت حقبته البطريركيّة بتنظيم شؤون الكنيسة، ومحاربة الإقطاع. كما عرف بتأريخه للدور الماروني حتّى لقبه بعضهم بـ”أبو التاريخ الماروني”، وآخرون بـ”عامود الكنيسة المارونية”، وغيرهم بـ”ذهبي الفم الثاني”.
هذا الرجل الرؤيوي الذي نجح بتثبيت الدّور المارونيّ في هذا الشرق لأنّه حفره بأحرف من ذهب في كتب التّاريخ. وهو الذي آمن أنّه إذا لم يُكتَبْ للموارنة تاريخ فهم حتمًا سيصبحون من التّاريخ. فلولا عمله التأريخي هذا لضاع تاريخ من المقاومة المسيحيّة ـ اللبنانيّة الحقيقيّة في غياهب التّجهيل والتغييب والنكران. هو الذي نجح بصناعة هذا التّاريخ. وما نحن عليه اليوم من لبنانيّتنا إنّما يعود الفضل الأوّل في ذلك إلى هذا الجهد التأريخي الذي بذله، حيث نعتبره كمقاومين لبنانيّين نبراسنا النّورانيّ الذي نستمدّ منه وحي استمرار مقاومتنا اللبنانيّة.
فأهميّة مؤلّفات الدّويهي أنّها وضعت التاريخ الماروني على ناظري الكلّ، حتّى بات هذا التاريخ كلًّا للكلّ لأنّه غدا عن حقّ “تاريخ الأزمنة”. بفضل الدّويهي عرفنا الحقيقة التاريخية لوجودنا في هذا الشرق. وأهميّته بأنّه نجح في إفهامنا حقيقة هذا الوجود، والأهمّ ترك لنا خارطة طريق في التّعامل مع هذا الواقع الذي بتنا فيه بحالة نزاع على الوجود أوّلًا، وعلى الحضور الفاعل ثانيًا. وبفضله عرفنا كيف ننقل تجربتنا من الفردانيّة المارونيّة إلى الكلّانيّة اللبنانيّة، حتّى وصلنا لنجسّد هذه التجربة مع البطريرك الياس الحويّك في وطن يشبه طموحات الدّويهي، لكن للأسف لم يكن هذا الوطن يومًا على قدر طموحات الذين حاول الدّويهي هدايتهم إلى الصراط اللبنانيّ المستقيم؛ وذلك لإيمانه المطلق بهذه التعدّديّة الفريدة من نوعها في شرق أحاديّ الفكر والتفكير. فبالنسبة إليه الماروني الأصيل هو ذلك الذي يستطيع أن يخرق جدار الانعزال الذي وضع الآخر المختلف نفسه خلفه.
ما قبل الدّويهي لا يشبه ما بعده
في مرحلة ما بعد الفتح الإسلامي ـ العربي أضحى لبنان وجبله على هامش التاريخ وذلك لأنّ الاهتمام تركّز في تلك المرحلة على مسألتين: نشر الفكر الجديد، ومقاومة هذا الفكر. وبعد بعض المحاولات التأريخية التي شهدها الموارنة نهاية العهد المملوكي، على أسس زجليّة لبنانيّة ـ سريانيّة قرويّة، ظهر دور البطريرك الدّويهي كدور أساسي في كتابة التاريخ. فقبله، لم يكن للموارنة أيّ تأريخ علميّ فعلي، ومن بعده بات لهم تأريخ حقيقي موضوع على الأسس العلميّة التي غرفها من التاريخ الأوروبي في أثناء تحصيله المعرفي في روما. فهو الذي نجح بتكريس الثوابت الثلاثة التي على أساسها انطلق الحويّك ليعلن لبنان الكبير:
1 ـ التعلّق التاريخي بالأرض الذي تجسّده مسيرة الآباء في قنّوبين العاصية.
2 ـ العيش الحرّ وتسطير ملاحم البطولة في المقاومة اللبنانيّة في أرض كسروان.
3 ـ الانفتاح على الآخر المختلف بتكوينه الحضاري في جبّة الشوف وصولًا إلى جبال جزّين.
ولأنّنا نؤمن بعمل الرّوح القدس، لا نؤمن بالصّدَف أو الأقدار المحتومة. فنحن الذين نصنع أقدارنا بأيدينا. وكلّنا إيمان بأنّ الرّوح يعمل فينا. لذلك أتى تطويب الدّويهي في هذه المرحلة العصيبة التي يمرّ فيها لبنان بشكل عام، والمسيحيّون بشكل خاصّ. أهمّيّة هذه الشخصيّة أنّها نجحت بوضع أسس المستقبل. وما نحن عليه اليوم من حالة مؤسّساتيّة ـ كنسيّة ـ شعبيّة إنما الفضل الأوّل فيه يعود إلى الدّويهي. فهل ما زلنا حتى هذه الساعة، بعدما عاد اليوضاسيّون وقبضوا ثلاثيناتهم، نستحقّ هذا الوطن؟ أم هل أصبحنا أمام حقيقة وجوديّة بين خيارين اثنين لا ثالث لهما: إمّا أن يبحث هؤلاء جميعهم عن وطن يشبههم، وإمّا فليعودوا إلى الوطن الذي أرسى أسسه الدّويهي؟
