
“هذا النّص ليس حقيقيًّا يا أيتها الأم الرّفيقة، لكنّني جعلت نفسي مكان ابنك، لكأنك أمي ورحت أتخيّل أمنياته إليك في عيد الأم!”
لو عدت حيًّا يا أمّي، وبذاك العمر الذي أبكيتك فيه، لما حملت لك هديّة إلّا قميصي الملطّخ بعرق الكرامة ولون الأرجوان، وكمشة تراب من ذاك الّذي روّيته لأجلك، واعتذارًا عن قسوتي. ولما طلبت منك أن تغسلي جسدي ولا القميص، ولا أن تخبئيه بين الثياب.
كنت ركعت أمامك، ومسحت بقميصي قدميك التي ما عادت تقوى على الوقوف، ثمّ قبلتها، وأنا أقول:
لو كنت أعلم أن هذه الأقدام سيتعبها طول انتظاري، لما غفوت.
لكنّه الوطن يا أمّي، إنه الوطن.. وليست كل الدّماء تليق بأقدام الأمهات في أرض الوطن. وحدها دماء الأبناء الذين رفضوا الهروب، تجعل الموت أجمل من كلّ أعياد المدينة.
ولسألتك: أما زلت حزينة؟! وهل ما زال يبكيك مشهد عودتي الأخير؟!
هنا يا أمّي حيث نحن، لا نقيم الأعياد كما تفعلون…
وأجمل أعيادنا هنا أن ننتظر الوافدين إلينا، نفتّش في قوافلهم عمّن نحب…
عن أم أو حبيبة… عن طفل أو ابنة… عن جار أو عن أخ… عن أب أو صديق…
ليكون عيدنا أنا التقينا من نحب… وإلّا بقينا نسأل عن قادم ما زال يأتي منذ غادرنا الوطن.
هنا يا أمّي لا صبح يطل برائحة الأمهات، ولا حديث يُفعم بدفء صوتهن المنكسر. ولا أماسي تحيطنا بترنيماتهن فوق السّرير.
هنا شوق وانتظار وعين على طريق القادمين.
أخبريني يا أمّي: أما زال في الأماكن ما يذكّر الناس بنا؟!
وهل ما زالت الجارات تناديك بأمّي (أم فلان)؟! ويعدنك بعروس من بناتهن لي؟!
أم أنّ تقادم الزّمن قد أسقط عنك اللّقب؟!
أنا يا أمّ، لا زلت وعلى الرغم من كلّ الموت أقتات على ما تبقى من حليبك فوق طرف لساني.
لذا قلّما أحسّ من معي أني بكيت جوعًا في الغياب.
أخيرًا أحبّك أنت والوطن، وكان لا بدّ لي أن أختار..
فتخيلي أمّي بلا وطن!
وكيف لي أن أحيا لوطن بلا أمّ؟!
أحبّك
وكل عام وأنت بخير
