من الزيتونة الى شارع المتنبي.. لمَّا كانت بيروت مملكة الليل والسهر و”بنات الخطأ”

حجم الخط

شارع الزيتونة ـ بيروت

شارع الزيتونة ـ بيروتشارع الزيتونة ـ بيروتشارع الزيتونة ـ بيروتشارع المتنبي ـ بيروتالسان جورج ـ بيروت

من الزيتونة الى شارع المتنبي.. أسطورة ليل بيروت المتلألئ تجتذب العالم بوجهين، هناك في تلك “الزيتونة” كان كل الإبهار والأضواء والفنون، والى هناك كان العالم كله يتهافت.. وليس بعيدًا منه، كان شارع “سيئ السمعة” الذي أطلق عليه الأتراك إسم شارع “بنات الخطأ”. هناك كانت تُحاك حكايات وفضائح لكأنها أساطير تصلح كل منها لأن تشكل شريطاً سينمائيًا لا تقلّ جاذبيته عن ذاك الشارع و”باتروناته”، مسطرًا لبيروتنا تاريخًا “سياحيًا ترفيهيًا” من نوع آخر من تواريخ عزها، أراده لها ذاك الانتداب وانصاع إليه البيارتة بالحيلة… وكان يا ما كان قبل أن يحلّ ذاك الدمار وينهار كل ذاك العزّ.

كان ذلك في زمن الانتداب، حين بدأت بيروت تشهد نموًا كبيرًا وسريعًا لمراكز الترفيه والتسلية، عزّزه نمط حياةٍ ترفيهي حديث لطبقة وسطى وبرجوازية “مسحورة” بأسلوب الحياة الباريسية، من السهر في ملاهي المدينة ومطاعمها، والشرب في باراتها، الى التلاقي في مقاهيها، والاستجمام في فنادقها وعلى شواطئها…

وما كانت السلطات الفرنسيّة بعيدةً عن هذه التغيّرات، إذ ساهمتْ في تطوير وتنظيم أماكن الترفيه والتسلية في لبنان عبر سَنّ قوانين الترخيص والرقابة وتنظيمٍ شامل للمهَن المختلفة في المدينة، و”شطحت” بذلك بعيدًا الى حد شرعنة وقوننة وتنظيم مهنة “الدعارة” في لبنان، ما كرّس بيروت سريعًا أيقونة الليل والترفيه والسهر، وذاعت شهرة “الزيتونة” و”شارع المتنبي” بعيدًا بعيدًا…

 

ظُلمت “الزيتونة”!

ما كانت “الزيتونة” سوق الدعارة الشرعي في بيروت وفق ما هو متداول شعبيًا، ثمة “خطأ تاريخي” شائع!! لكن بريق ليلها وسهره وأجواء كاباريهاتها وملاهيها، جعل منها جسدًا “لبيسا” لتلك التهمة، ومع ذلك  “ظُلمت” كثيرًا “الزيتونة” حين وُصمت بسمعة شارع المتنبي، يقول رئيس “جمعية تراثنا بيروت” سهيل منيمنة. فما بين الإثنين كان الليل الباهر وجنون السهر، ولكن ما كان سهر الزيتونة ولياليها المضيئة، على رغم جموحها، كمثل ليالي بيوتات شارع المتنبي “الحمراء”، فلكل ناسه وزبائنه. ولكل أجواؤه. ولكل حكايات تتمرجح بين رقي وابتذال، وما يجمعها قاسم مشترك، هو عز بيروت وضوضاؤها وزحف العالم إليها، شرقاً وغرباً، يوم كانت لؤلؤة ذاك الشرق، ويوم كانت الزيتونة كما ذاك الشارع، أيقونتا ليلها، بكل إيحاءاته… ونسأل كيف صارت الزيتونه نجمة ليل بيروت ومقرًّا للبارات والكباريهات وعلب الليل. كيف صار لبيروت شارع للدعارة المشرعنة؟ وما ذنب ذاك الشاعر العربي الكبير لكي يُطلق اسمه على شارع  “بنات الخطأ” في بيروت؟!

هو الباحث البيروتي زياد عيتاني يحدثنا عن تلك “الزيتونة” تلك المنطقة الرائعة من بيروت التي كانت تتمتّع بخصوصية “طوبوغرافية” بفعل قربها من البحر تزيّنها “جادة الإفرنسيين”، معدّدًا أبرز معالمها من فنادق “النورماندي”، و”بسول”، و”نيو رويال”، إلى مقاهي “الحاج داوود”، و”البحرين”، و”الأوندين”، و”النيل”، و”قصر البحر”… مشيرًا الى أن “تلك المقاهي بحكم موقعها البحري، اعتُبرت متنزهاً وأماكن للتسلية وتمضية الوقت. لذلك كانت تعج بالطاولات والكراسي الخشبية، وبالنراجيل، فيأتي أبناء المدينة ويتلاقون فيها، للتحدث والتسامر والتسلية ولعب الورق وطاولة الزهر، وشرب الشاي والقهوة، وتناول المأكولات البحرية، والسباحة…”.

 

ليالي الزيتونة… وعزّ “الكيت كات”

كان هذا نهارًا، لكن “الزيتونة” ليلاً كانت عالماً آخر قائماً بذاته، يقول عيتاني، “بعد انتشار الملاهي الليلية منذ حقبة ثلاثينات القرن الماضي، وأبرزها: “الكيت كات”، و”التابو”، و”غاردينيا”، و”كازينو منصور”، التي يلتئم فيها رواد السهر والسمر من مشارب وأهواء وجنسيات متنوّعة، حتى ساعات الفجر الأولى، على أنغام الموسيقى الصاخبة والاستعراضات لأكبر النجوم العرب والعالميين، حتى عُرفت “الزيتونة” بـ”أسطورة” ليل بيروت المتلألئ على مدى ثلاثة عقود متتالية، ما زالت ذكراها التي لا تُنسى في أذهان من عاصر تلك المرحلة الذهبية من تاريخ عاصمة “الحياة” بيروت”.

طويلا يتوقف زياد عيتاني عند أمجاد ذاك الملهى الشهير “الكيت كات” لصاحبه ومالك فندق النورماندي رفول موقدية: “هو من أشهر “كباريهات” الزيتونة وملاهيها الليلية على الإطلاق، كان يقع في فندق “نيو رويال” الذي ستهيمن صورته الظلية النموذجية على “جادة الإفرنسيين”.

ويروي: “تأسس “الكيت كات” في منتصف الثلاثينات، من قبل المصمم جان بروسبر جاي بارا، الذي كان يملك شركة تعمل في قطاع الفنادق والسياحة، والتي سعت إلى أن تجعل من بيروت مركزًا للسياحة الإقليمية، حيث بادرت في 16 تشرين الثاني 1951 الى تشغيل فندق “بالم بيتش” في عين المريسة، حيث اعتُبر في حينه من أحدث الفنادق الكبرى في بيروت إلى جانب باقي الفنادق المحيطة.

وقد إجتذب “الكيت كات” في زمن المدينة الصاخبة عدداً كبيراً من الفنانين الأوروبيين والفرق الاستعراضية الراقصة التي قدّمت العروض الجريئة، على غرار تلك العروض التي كانت تُقدّم في “كازينو لبنان”.

وفي سهراته بدأت ملكة جمال أوروبا السابقة، الفرنسية جوسلين بيجار، تقدّم برنامجاً فنياً مميّزاً في الفترة الممتدة بين الأعوام 1952 – 1958.

وكان نجل رفول موقدية، إدوار يدير “الكيت كات”، فوقع في غرام جوسلين، وما لبث أن حمله غرامه بها على الزواج منها”.

ومن حكايات عز “الكيت كات” أيضًا “إستقدامه نجوماً أوروبيين ذائعي الصيت، ومن أبرزهم هنري سلفادور الذي قدم 11 حفلاً”. وما اكتفى بذلك، بل عمد الى «استقدام راقصات من مصر لتقديم وصلات من الرقص الشرقي، على أداء المطربين الذين كانوا يحيون سهراته الشرقية، وأشهرهم في حينه كارم محمود، وكانت تلاقي إقبالاً وإستحساناً كبيرين من السيّاح الأجانب الذين كانوا يتقاطرون بعد إنتهاء السهرة في “الكيت كات”، ومع ساعات الصباح الأولى إلى مطعم “العجمي” لتناول أطباق الفطور من الفول والحمص والشاورما”!!

وعلى سبيل الطرفة، يخبرنا عيتاني كيف كانت مراكب الصيادين تُركن في البحر مقابل “الكيت كات” خصيصاً ليشاهد الصيادون العروض الفنية ولو عن بُعد.

ثمة عزّ آخر ترعرع وكبر في تلك “الزيتونة”، هو “ملهى منصور” لصاحبه منصور القرم الذي كان يعمل “غارسون” في “الكيت كات”، ثم افتتح مطعماً خاصاً به أطلق عليه اسمه، قبل أن يحوّله إلى ملهى ليلي.

ومن حكايات ذاك الملهى يروي عيتاني: “كان من زبائن مطعم “منصور” الرئيسان بشارة الخوري، ورياض الصلح، وقائد البوليس ميشال زكور. وفي إحدى المرات من العام 1944 دخل الرئيس رياض الصلح إلى مطعم منصور يرافقه الإعلامي عفيف الطيبي، وقال لمنصور: “الناس تقدّمت وواجب عليك أن تقدّم برنامجاً ترفيهياً للساهرين”. فاقتنع القرم بكلام رياض بك، وتعاقد مع بعض الفنانين المبتدئين حينذاك لتقديم برنامج فني، الذين شاعت شهرتهم في وقت لاحق، ومنهم: وديع الصافي، وسعاد محمد، ونور الهدى، ونجاح سلام، وسميرة توفيق، ونزهة يونس، وغيرهم، مما جعل من مطعم “منصور” ملهاً ليلياً عامراً بالسهر والأجواء الفنية، ليكمل سلسلة ملاهي “الزيتونة”…

 

باللباس الرسمي والسيارات فاخرة

أسطورة “الزيتونة” تلك، حوّلت بيروت الى عاصمة لا تنام، والكل يتقاطر إليها. وهو الباحث البيروتي سهيل منيمنة يخبرنا عن رقي وفخامة فنادقها وملاهيها وعلب السهر والبارات الشهيرة التي كانت تتمدد في تلك “الزيتونة” متلألئة بأضواء النيون مجتذبة إليها زبائن يأتونها باللباس الرسمي وبالسيارات الفاخرة، بينهم شخصيات رسمية وسياسية كبيرة، ومنهم السيّاح العرب والأجانب، الذين ما كانوا ليفوّتوا مطلقا ذاك الـ«prestige» ولا تلك المتعة بعيش ليالي “الزيتونة” واستكشاف كاباريهاتها وباراتها وعروضها الفنية الباهرة، مع تشديد منيمنة على أن الزيتونة ما كانت ليلاً وسهرًا وحسب، بل وأيضًا نهارات ممتعة على جادة الإفرنسيين الشهيرة والتي كانت تشكل أهم متنزه على شاطئ بيروت مستقطبًا إليه اللّبنانيين والسياح العرب والأجانب، وأيضا أهم المتاجر والمطاعم ومحلات الحلوى ووكالات السياحة والسفر، مساهمًا بايرادات تجارية اقتصادية وسياحية لافتة.

 

غضب بيروتي

لكن “الزيتونة” تلك الثائرة “المتفرنجة”، رسمت صورة جديدة لبيروت ما كانت حتمًا لتروق لعدد كبير من البيارتة والأدباء والصحافيّين. فانتشار المقاهي والملاهي الليليّة، قوبل بغضب وانتقادات لاذعة رسمت علامات استفهام حول قيمة “العاصمة” ودورها، وعمّا يجعل من بيروتَ مدينةً جذّابةً ومركزًا في المنطقة: هل تكون ملاهيها وحياتها الليليّة الجامحة، أم دُور النشر فيها وجامعاتها، وفنانوها ومثقفوها؟

استياء ترجمته جريدة “لسان الحال” آنذاك في افتتاحية تحت عنوان “الحياة في بيروت، ملاهيها الكثيرة، احتلال المشروبات الأجنبيّة لباراتها وحاناتها”، عن التغيير الجذريّ في أسلوب حياة المدينة بعد الحرب الكبرى و”احتلال” العادات الأجنبيّة ونزوعَ البيروتيّين إلى التباهي وتقليد الغرب. وفي مقال آخر ربطت إرتياد هذه المقاهي والملاهي بالفساد الأخلاقيّ… ووصفتْها بأنّها أماكنُ لتجمّع الطبقات الدنيا سيّئة السمعة، مندّدةً بخطورتها على المجتمع، حيث يهدر الشباب أوقاتَهم وأموالَهم مُعاشرين أصحابَ السوء، وتختلط المغنّيات بالرجال، مستعرضاتٍ أصواتهنّ وأجسادهنّ في هذه الأماكن العامّة. واتّهمتْها بأنّها أماكن للفجور، تفتقر إلى الحضارة وتساهم في تراجع المجتمع.

استنكار يجرّ علامات استفهام وتعجُّب أخرى: كيف تقبّلت بيروت نشوء شارع للدعارة في وسطها و”بكل وقاحة” خلف مخفرها مقنعا باسم شاعر عربي شهير؟! وهنا حكاية أخرى ربما الأشد غرابة في حكايات عزّ بيروت.

 

شارع لـ”الدعارة” لحماية “بنات البيوت”!

نعم، ليس بعيدًا عن “الزيتونة”، ثمة الأكثر بكثير مما كان يحصل في باراتها وكباريهاتها، إنه “البغاء” في لبنان يشرعن على الملأ محصورًا في شارع واحد متفرّع من ساحة البرج في وسط العاصمة، أُطلق عليه اسم شارع المتنبي، ليصبح رسميا وباختصار saint denis لبنان، أيّ المكان المخصص لتقديم الخدمات الجنسية، أو الدعارة، عرَّف عنها القانون بمهنة البغاء.

عن نشوء ذاك الشارع، يستفيض عاشق بيروت زياد عيتاني حديثاً ومصححًا: “خلافاً للاعتقاد السائد والغالب بأنّ “السوق العمومي” قد أنشئ عام 1931، مع صدور القرار الحكومي بتنظيم مهنة “الدعارة”، تجاوباً مع رغبة سلطات الانتداب الفرنسي، فإنّ الحقيقة التاريخية تؤكّد أنّ تاريخ إنشاء السوق المذكور يعود إلى العام 1913، عندما قرّر والي بيروت عزمي بك، حصر عمل “المومسات” في المحلة الكائنة خلف دائرة “البوليس”، ذلك المبنى الجميل في ساحة “البرج”، الذي كان قبلاً مقراً لفرع البنك العثماني في بيروت. إلا أن هذه البقعة الجغرافية التي صارت مع الوقت تجمّعاً مركزياً لمهنة الدعارة، تحوّلت إلى سوق مشرعن مخصّص لهذه المهنة بشكل رسمي ومنظم مع دخول الفرنسيين إلى بلادنا، ليُسمّى ذلك الشارع بإسم واحد من أكبر الشعراء العرب (أبو الطيب المتنبي)”.

ويروي عيتاني: “بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، انصاعت دوائر القرار في الإدارات اللبنانية للضغوط، ورضخت لمطلب تشريع البغاء. وكان تبرير التشريع مردّه إلى إشباع رغبات جنود الانتداب الفرنسي، تفادياً لقيامهم بالتحرّش بالفتيات اللبنانيات، أو تعريضهن للاغتصاب عنوة وبالقوة. فأصدرت الحكومة اللبنانية عام 1931 قرارًا بتنظيم مهنة البغاء، وإعطاء تراخيص لفتح بيوت الدعارة”.

قانون تنظيم مهنة البغاء ذاك، الأول والأخير من نوعه في لبنان، منح التراخيص لفتح بيوت الدعارة شرط أن تكون غير مخالفة للشروط الصحية، أي أن الفتيات المرخص لهن يتمتعن بصحة جيدة، ويحملن بطاقة صحية تعرّف عنهن بحيث يخضعن للفحوصات الطبية مرة كل 15 يوماً، إضافة إلى المحافظة على الأخلاق العامة، حيث لا يتصل بيت الدعارة بالأبنية المجاورة المأهولة، بل تكون محصورة في الداخل لتصبح بيوت البغاء محصورة في مناطق معيّنة ضمن شروط مفروضة من قبل وزارتي الصحة والداخلية. وكانت فرق تابعة لوزارة الصحة العامة تقوم بالكشف الدوري على المومسات حفاظاً على الصحة.

ما راق للبيارتة حتمًا ذاك القرار الذي خالف “بوقاحة” قيمهم وتقاليدهم الاجتماعية والأخلاقية والدينية، فرفضوه واعترضوا عليه بشدة، ما دفع الدوائر الحكومية، وفق ما يخبرنا عيتاني، الى “بث شائعة مفادها أنّ حصر الدعارة والسماح بها في شارع واحد من شأنه حماية الفتيات اللبنانيات “بنات البيوت” من شرّ نظرات ونزوات العسكر الفرنسي والسنغالي. وعلى الرغم من أنّ هذا التبرير لا يمتّ للصدق والحقيقة بأيّ صلة، إلّا أنه وجد مكاناً في عقل المواطن البيروتي، فإنَّه وجد قبولاً على مضض، تحت شعار صون شرف العوائل وفضائل التربية والأصول”.

 

دويلة اللذة والشهوات

ويشير الباحث البيروتي الى أن “موقع “السوق العمومي” أثار أيضًا جدلاً وتساؤلات حول ما إذا كان محض صدفة، أو أنّه عن قصد متعمّد، إذ يرى البعض أن قربه من المرفأ، كان هدفه سهولة وصول السيّاح الباحثين عن اللذة والمتعة إليه، في المقابل ثمة من إعتبر أن وجود السوق خلف دائرة الشرطة، كان المراد منه توفير الحماية الأمنية لمشغّليه من “القوادين” و”الباترونات”!!!

وعلى سيرة القوادين والباترونات، يؤكد عيتاني: “التاريخ لن ينسى فترة الأربعينات حتى آواخر الستينات من القرن الماضي، عندما برزت أهم الشبكات التي كانت تديرها أسماء كبيرة، مدعومة ومحمية من شخصيات سياسية وأمنية وقضائية من الصف الأول، لم يخلُ بعضها من الفضائح المشينة التي لطخت سمعتهم”!!!

ويجزم أنه “لولا اندلاع الحرب اللبنانية في أواسط السبعينات وتدمير شارع “المتنبي”، لبقي حتى يومنا هذا “دويلة اللذة والشهوات»، المدارة والمحكومة من قبل أهم “القوادات” اللواتي كنّ يتمتعن بنفوذ وسطوة واسعة في هذا المضمار، لتشغيل طواقمهن الأنثويّة السياحية الناشطة في فن إشباع الرغبات الذكورية”.

 

نفوذ “نجمات” المتنبي

يُروى أن بيوت الراحة التي تمددت في شارع المتنبي ومتفرّعاته بلغ عددها حوالى السبعين بيتاً، وما أدرى أجيال اليوم بـ”نجمات” ذاك الشارع وبيوتاته وقصصه لكأنها من قصص ألف ليلة وليلة، من “عفاف” التي اعتُبرت شخصية الموسم في فترة الخمسينات، حتى أنه أصبح يُشار الى زمانها بـ”عهد عفاف”، حيث كانت تستعين بحماية قوادين مهمتهم اصطياد الغرباء والسيّاح ومصاحبتهم إلى أوكارها حيث تتفنن وغانياتها بتنظيف جيوبهم، ليشكل عهدها “ظاهرة” لافتة في عالم الدعارة، مستقوية بحماية أحد كبار المسؤولين في لبنان.

ويُروى أن عفاف ما كانت تخشى الدولة لا بل تتحداها بجرأة عجيبة، وبفعل الحماية التي كانت تتمتع بها، داهم بوليس الآداب في منتصف الخمسينات عشرات المنازل السرية ولم يداهموا هذا المنزل الكبير الذي يتألف من عدة طبقات والذي يضم عشرات الفتيات… وإذا حصل ودوهم منزلها كانت الفتيات اللواتي يعملن فيه يختفين بأعجوبة، كأنهن قد أنذرن قبل المداهمة بدقائق معدودة.

وفي آذار 1959 صدر قرار من المحكمة بسجنها لمدة ثلاثة أعوام وسجن زوجها سعيد خالد مدة عامين. ومنعًا لتفشّي أسرارها مع كبار المسؤولين والسياسيين، قيل إن محاكمتها كانت سرية ولم يطلع على وقائعها إلا القليلون. أما منزلها الكبير الذي كانت تحتله فقد تحوّل إلى فندق من أرقى فنادق المدينة.

والى عفاف، نجمة أخرى سطعت في شارع المتنبي، هي زعيمة مومسات لبنان “ماريكا أسبريدون”، اليونانية الأصل، التي لم يعد إسمها يدل على إمرأة بعينها بل على المهنة بأسرها. ومن أغرب حكاياتها أنها كانت تحرص على حضور قداس الأحد كل أسبوع، وإنها أهدت إحدى أجمل الثريات إلى احدى الكنائس الأرثوذوكسية في بيروت، لكن الحرب دمرت شارع المتنبي كما فندق ماريكا الذي كان يتلألأ إسمها فوقه بأضواء النيون، ويُقال إنها توفيت وحيدة ومعزولة في منزلها الصغير في فرن الشباك عن 94 عامًا.

وبحسب جريدة “الشرق” كانت ماريكا ذات «جمال أخاذ وكذلك البنات اللواتي اشتغلن تحت إمرتها في مهنة الدعارة، بحيث كان بيت ماريكا يجتذب شخصيات لبنانية وعربية ودبلوماسية وأجنبية.

 

“شارع العهر” باسم “المتنبي”!

ويبقى السؤال الكبير منذ الثلاثينات وحتى أيامنا، والذي حيّر البيارتة ومثقفي وأدباء وشعراء لبنان عمومًا، لماذا أُطلق إسم المتنبي العظيم على شارع كُرّس مقرًّا لـ”بنات الخطأ” وفق ما كان يُطلق عليهن أيام الحكم العثماني؟

وفق عيتاني “الإجابة على هذا التساؤل بقيت بلا رد، إلى أن دُمّر الشارع خلال الحرب، لتدفن تحت ركامه حقيقة التسمية الملتبسة والمسيئة”. فمنذ أطلقت البلدية على “السوق العمومي” إسم شارع “المتنبي”، من دون أيّ مسوغ مقنع، لم يتمكّن أحد من إيجاد تفسير لهذه التسمية، التي لا ربط بينها وبين وظيفة ذلك الشارع، لا من قريب ولا من بعيد، وقد أثار الأديب اللبناني فؤاد سليمان هذا الواقع متسائلاً: “من وضع المتنبي الكبير في مثل هذا المكان الصغير الموبوء؟ وماذا يفعل هذا الشاعر العربي النبيل في هذا الشارع -القاذورة؟ أنقلوا هذا المسكين من هناك”.

ويُروى أن الحكومة اللبنانية حاولت إنقاذ سمعة المتنبي بنقل “السوق العمومية” إلى مكان آخر، لكن نفوذ “بنات الهوى” أحبط تلك المحاولات، لأن إقامتهن في ذاك الشارع، بالقرب من أفخم ساحات المدينة، يدرّ عليهن الكثير من الأموال، حيث “يكثر مرور الغرباء والسيّاح، ويسهل إصطياد الأغنياء”.

لكن ثمة ما انتقم للمتنبي، وإن بلا قصد، فعزّ ذاك الشارع المتمدد منذ الثلاثينات دمّرته الحرب الأهلية، وما تمكّن سحر نجماته ولا إغواؤهن ولا نفوذهن من إنقاذ شبكاتهن ولا بيوتاتهن. هدمت الحرب “شارع الأواد” كاملاً، وما تبقّى من ركام ولافتات أزالتها جرافات إعادة إعمار بيروت، ورحلت باتروناته وفتياته الى مصيرهن المجهول، وكن قد اعتقدن أنهن نجون من قرار فرضه وزير الداخلية كمال جنبلاط في أواخر الستينات للحدّ من مهنة البغاء في لبنان اقتصر على عدم الترخيص بفتح بيوت جديدة للدعارة، لكنه زمن الحرب الأهلية أطاح أيضًا به كما بكلّ القوانين والأعراف، لتستيقظ الدعارة مجددًا وتتمدد وتتفشّى بأشكال جديدة بين كل الأحياء والشوارع والمناطق، محوّلة لبنان الى وطن “للعموم”!

إقرأ ايضًا

“المسيرة” ـ العدد 1750

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل