لم يكن ما حدث أو ما كشف عنه في رميش إلا حلقة من سلسلة طويلة من الإرتكابات والانتهاكات والتعديّات التي طالت وتطال القرى والبلدات والمشاعات والخراجات الواقعة تحت سيطرة وهيمنة وشعاع نفوذ “الحزب” منذ العام 2000 وحتى تاريخ 26 آذار 2024، حيث حاول “الحزب” جرّ بلدة رميش الى وحدة ساحاته الإقليمية مع ما تكبّدته تلك الساحات من خسائر في الأرواح والأملاك. ولم تكن ردة فعل أبناء رميش إلا جرس إنذار لطالما دقّوه منذ عشرات السنين أمام انتهاكات وتعديات الحزب وفصيله “البيئي”، “الأخضر بلا حدود” على الأراضي ومنع أصحاب الاراضي والحطابين من استثمار أملاكهم وحتى من المرور بها.
رُبّ معتقد بأن الانتهاكات تستهدف حصرًا القرى والبلدات المسيحية كبلدة رميش أو أطرافًا معينة بعينها، الا أن التجارب المؤرخة والموثقة والتصاريح المعلنة ولا سيما الأحداث الأخيرة، تثبت أن ضرر “الحزب” يكاد يصيب كل الجسم اللبناني بكافة أعضائه وأطرافه وأطيافه.
بالعودة الى حرب تموز 2006، نرى أن الطائفة الشيعية كانت من أكبر المتضررين من تلك الحرب، وقد عبّر عن هذا الضرر أمين عام الحزب نفسه حين صرّح نادمًا في 27 آب من العام 2006: “تسألينني لو كانت 11 تموز تحتمل ولو واحد بالمئة أن عملية الأسر بتوصّل لحرب كالتي حصلت بتروح بتعمل عملية أسر، بقلّك لأ قطعاً لأ… لأسباب إنسانية وأخلاقية واجتماعية وأمنيّة وعسكرية وسياسية”.
ما خشي منه أهالي رميش من استعمالهم وبلدتهم دروعًا بشرية في المواجهة الحالية مبرر في ما فعله “الحزب” في حرب تموز، إذ قال الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية جان إيغلاند بعد مهمته لتنسيق جهود المساعدات في لبنان في 3 آب 2006: “يجب على الحزب أن يوقف هذا المزج الجبان… بين النساء والأطفال وسمعت أنهم فخورون لأنهم فقدوا عددًا قليلًا جدًا من المقاتلين، بينما كان المدنيون يتحملون العبء الأكبر من هذا ولا أعتقد أنه ينبغي لأي شخص أن يفخر بوجود عدد أكبر من الأطفال والنساء القتلى أكثر من الرجال المسلحين”.
ما نراه اليوم من تدمير العدو الإسرائيلي أبنية سكنية على رؤوس قاطنيها من المدنيين لاستهداف قيادي أو عنصر من “الحزب” أو من حركة ح، يعزز ويبرّر خوف اللبنانيين عامة وأبناء الجنوب خاصة وأبناء رميش على شكل أخص وردّات فعلهم، من استجرار “الحزب” الدمار والموت لقراهم ومنازلهم وعائلاتهم.
إن قرع أجراس الكنائس إنذارًا في رميش البلدة المسيحية في قضاء بنت جبيل في 26 آذار 2024 سبق أن حصل مثله وبشكل أوضح وأفصح وأفضح، في بلدة شويا الدرزية في قضاء حاصبيا في 6 آب 2021 حيث اعترض الأهالي على مرور راجمة للحزب بأراضيهم وسيطروا عليها، وطبعًا كان الاعتراض لعدم تعرضهم وبلدتهم للاستهداف.
المخاوف والهواجس والاعتراضات نفسها أثيرت عند اكتشاف سقوط شاحنة عتاد وذخائر لـ”الحزب” على كوع الكحالة في 9 آب 2023 حيث قام مسلحو الحزب بإطلاق النار على المدافعين المعترضين الخائفين من تعريض الكحالة لو انفجر ما بالشاحنة أو قصفت من عدو متربص بالحزب وبلبنان شرًا، تمامًا كما أطلق عناصر “الحزب” النار على ابن رميش المعترض على نصب راجمة الصواريخ في بلدته التي من المفترض أن تكون آمنة هانئة.
إن ردود الفعل الأهلية والمحلية على انتهاكات “الحزب” لا تعفي الدولة بأجهزتها الرسمية الأمنية من واجباتها، حيال أمن القرى والمدنيين في رميش وفي الجنوب اللبناني، وخاصة منذ العام 2000 بعد تحرير الجنوب والأخص بعد قبول لبنان بالقرار 1701 بعد حرب تموز، في هذا الإطار نقف عند قراءتين لما تعرّض له الجنوبيون في ظل نفوذ “الحزب” بعد 25 أيار 2000 على عكس ما يدعيه “الحزب” من حرص مزعوم.
1 ـ يقول الرئيس السابق ميشال عون في 2 حزيران 2000: “لماذا خافت النّساء وهربت الأمّهات مع أطفالهنَّ الى المخيّمات الإسرائيليَّة؟ أليس الذي حدث هو نتيجة خطابات بَقرْ البطون في الأسِرَّة؟”
2 – كتب الصحافي بهجت جابر مقالًا تحت عنوان “ارفعوا الظلم عن الناس” في صحيفة النهار في 24 نيسان 2001 يقول فيه: “من واجب الدولة عبر أجهزتها تأمين الحماية للأبرياء الذين أطلقوا بعد ثبوت براءة كل منهم. ولكن هؤلاء الأبرياء يتعرضون اليوم لأعنف عمليات الانتقام والتشفي بحرق منازلهم أو نسفها أو إحراق سياراتهم أو خطفهم على أيدي أشخاص لم يتوصل التحقيق الى معرفتهم. إضافة الى أن العديد من الموقوفين في رومية والذين جرمتهم المحكمة العسكرية، تتعرض ممتلكاتهم من منازل وسيارات في القرى الجنوبية للحرق والتدمير… فهل تحزم الدولة أمرها وتفرض وجودها في الجنوب حيث تنتهك حقوق الانسان وحيث تتعرض الكرامة للنسف والحرق والتدمير؟ هل يجوز ألا تحمي الدولة الأبرياء وترفع الظلم عنهم، والى أين نحن سائرون؟”
ما تم توثيقه وما جرى في بلدة رميش، إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على أن “الحزب” لا ينفكّ ينحرف بسلاحه ومهامه عن “وظيفته” المعلنة، ليجيّرها للمشروع الأساسي الأكبر المضمر ذي اللون “الأخضر” بمعناه الديني العقائدي ولا يحدّه “حدود” بمعناه الشمولي التوسعي… حتى ولو تلبّست وظيفة “الحزب” لبوس اللبننة أو فلسطين أو المقاومة والدفاع والبيئة… فهذا “الأخطر بلا حدود”.
.jpg)