حيث تكون “القوّات” تكون القضية

حجم الخط

القوات اللبنانية
القوات اللبنانية

تُعتبر مرحلة نهاية الحرب اللبنانية وما رافقها من تحوّلات إقليمية جوهريّة بدأت مع غزو الكويت عام 1990 وبعدها تحريرها مع “عمليّة عاصفة الصحراء” عام 1991، من أدقّ المحطاّت التي فرضت توازنات جديدة في المنطقة، كذلك في لبنان. تعزز نفوذ الرئيس السوري حافظ الأسد آنذاك بعد تقليم أظافر ألدّ أعدائه في المنطقة الرئيس العراقي صدام حسين مع تحرير الكويت من الجيش العراقي بقيادة تحالف دوليّ قادته الولايات المتحدّة الاميركية على رأس أربع وثلاثين دولة كانت سوريا واحدة منها. قبل ذلك كانت سوريا وسّعت سيطرتها أيضًا في الداخل اللبناني بعد هجوم عسكريّ على القوّات اللبنانية أراده العماد ميشال عون الذي سعى لأن يكون اللاعب المسيحي الأوحد على الساحة اللبنانية، لكن مخططه فشل، وهذا أثّر على  قدرة “القوّات” آخر المقاومين الجدّيين لاحتلال الأسد.

 

“القوّات” والتحوّلات

لم تحقق “حرب التحرير” التي بدأها عون في 14 آذار 1989 ضد الجيش السوري أيّة نتيجة مرجوّة، لا بل ساهمت هذه الحرب بتدمير المنطقة الشرقيّة وسببت خسائر هائلة نتيجة القصف السوري. كما أنها سرّعت في تحقيق التعديلات الدستوريّة المطروحة والمؤجلة منذ بداية الثمانينات مع المفاوضات التي حصلت في مدينة الطائف والتي أفضت الى هذه التعديلات.

رسائل سوريا الرافضة لقيام اي حلّ جدّي في لبنان كانت واضحة منذ البداية، على الرغم من أنها قدّمت ضمانات للمملكة العربية السعوديّة في مرحلة المفاوضات في الطائف بالتزامها بنود هذا الاتفاق، وانسحاب جيشها الى البقاع في حلول العام 1992، لكنها تراجعت عنها في ما بعد ونسفتها. كل ذلك كان واضحًا منذ البدايات فسوريا لا تريد سوى تطبيق أجندتها الخاصة بها. الإشارة الأولى لذلك أتت مع اغتيال الرئيس رينيه معوّض في 22 تشرين الثاني 1989 وفرضها انتخاب الرئيس الياس الهراوي الذي أرادت من رئاسته تعزيز سلطتها في السيطرة على لبنان.

دخلت القوّات اللبنانية الى الوفاق الوطني بجدّية كاملة بعد أن ألقت السلاح حاملةً نيّة العبور الى حلّ مُستدام في لبنان، ولعلّ رسالة قائدها سمير جعجع، والتي نشرتها “المسيرة” في 6 أيّار 1991 بعنوان “أيها المقاومون” خير تعبير عن إرادة القوّات اللبنانية في تلك المرحلة عندما اعتبر أنه “جاءت فرصة تكاد تكون يتيمة في الزمن المنظور، تفسح لدولة لبنانية ما مجال القيامة واستلام مقدرات المجتمع ومسؤولياته… حقّ لكم أن تستريحوا كمقاتلين، ولكن كمناضلين مقاومين ملتزمين، فإن دوركم الرائد لم ينته بعد”. في المقابل، اصطدمت هذه الارادة القواتية بممارسات الاحتلال السوري وأعوانه الذين أرادوا تطبيقًا للطائف معاكسًا لنصوص قيام الدولة وعلى قياس المصالح السورية في لبنان. فدخل لبنان مع الممارسات السوريّة المعتورة مرحلة جديدة بسيادة منتقصة رفضتها القوات اللبنانية بكل أشكالها.

مع ذلك حاولوا استمالة قائد القوات اللبنانية لتغطية ما أرادوا واستيعابه في حفنة من مقاعد السلطة، فلم يستجب لهم وبدأ جعجع يؤسس لمعارضة سياسية من مقرّه في غدراس. لم يحتمل الاحتلال وأدواته اللبنانية معارضة القوات اللبنانية السلميّة حتى، واعتبروا أن مواقف قائدها آنذاك قد تبني حالة اعتراض أوسع في الأوساط المسيحية تحديدًا، فهذا ما أظهرته أجواء المقاطعة المسيحية للانتخابات النيابية عام 1992 التي شكّلت «القوّات» رافعة أساسية لإنجاحها.

أهداف حافظ الأسد ركّزت آنذاك على إسكات الصوت المسيحيّ الأخير المؤثّر والمعارض للسيطرة السوريّة على لبنان بالإضافة الى فرضه متغيّرات في إدارة الحكم، مدخلها تعديل قانون الانتخابات النيابيّة وفقًا للاستراتيجيّة السوريّة التي أصرّت دائمًا على ضمان ثلثي مقاعد المجلس النيابي اللبناني كأداة في يدها. وهذا بعد رفع عدد مقاعد المجلس النيابي من 108 مقاعد (بحسب اتفاق الطائف) الى 128 مقعدًا وتوزيعها على دوائر انتخابية وفقًا لمصلحته الانتخابية. بالتالي، بدأ تعليق المطالب بتطبيق اتّفاق الطائف نصًّا وروحًا وحمى الاسد ضرب التوازن السياسي، فكان القرار بعدها بالإطباق على “القوّات” ومحاصرتها بالكامل وصولًا الى اقتلاعها من الحياة السياسية.

ضرب “القوات اللبنانية” لم يتحقق بين ليلة وضحاها ومرّ بفصول عدّة بدأت عام 1991 واستمرّت حتى حلّ الحزب في 23 آذار 1994 واعتقال قائده سمير جعجع في 21 نيسان من العام نفسه. وبين العام 1991 ونيسان 1994 اغتالوا أربعة كوادر قواتيّة، إيلي ضوّ في كفرشيما، سامي أبو جوده في جل الديب، نديم عبد النور في الأشرفية، وسليمان عقيقي في كفرذبيان. كما تمّ اكتشاف محاولة لاغتيال قائد “القوّات” كان يتم التحضير لها. وضعوا متفجرات بجانب الملعب البلدي في جونيه ووجهوا أصابع الاتهام نحو “القوّات”. فجّروا بيت الكتائب في الصيفي وأشاروا الى تورّط “القوّات”. حاولوا اغتيال الوزير ميشال المرّ وألصقوا التهمة أيضا بالقوّات. وعندما فشلوا في إلصاق كل هذه الاتهامات بالقوات اللبنانية، فجّروا كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل حيث استشهد 11 مواطنًا لبنانيًا كانوا مشاركين في الذبيحة الإلهية. اتهموا “القوّات” حينها أيضًا بتفجير الكنيسة وبنوا باتهامهم سرديّة مزيّفة أخذوا من خلالها القوّات اللبنانية وقائدها الى الاعتقال لتحقيق أهدافهم السياسية.

 

في الاعتقال ومعانيه

نجح سمير جعجع في صنع انطلاقته الجديدة داخل المُعتقل ووسّع مساحة حرّيته التي كانت بالنسبة للبعض تقتصر على ستة أمتار مربعة، فبمجرّد أنه تكيّف مع ظروف الاعتقال القاسية فهذا هدف سجّله في مرمى المُحتلّ الذي اعتقد أيضًا ان ما بلغه جعجع من نفوذ قبل الاعتقال لن يساعده على المستوى المعنويّ والنفسيّ ان يقبل واقعه في المعتَقَل. وقد غاب عنهم ان نقطة قوّته العميقة هي ان الرجل يجيد التعامل مع اللحظات الصعبة مهما كانت. روّض سمير جعجع قضبان المُعتقل قراءةً وتأملا وحوّلها مقاومة من نوع آخر، فكان المُلهم لرفاقه في لحظات الضغط والتنكيل، وتحوّل معه الاعتقال السياسي بوصلة جديدة لقضيّة حقّ أثمرت فيما بعد وحجزت لنفسها مكانة شريفة في سجلات الحرّية والكرامة.

لولا ذاك الاعتقال وقضيّته ومعاني تحمّل المسؤولية، لسقط معقل مقاومة الاحتلال السوري. ولو ساوم حاملو القضيّة آنذاك واختاروا الهروب من المسؤولية وعدم المواجهة لسقطت القضيّة ومعانيها العميقة وتبخر كل شيء. اعتقال سمير جعجع واختياره ذاك الاعتقال، كأنه من خلاله خاطب اللبنانيين أن إمكانية الصمود والمواجهة ولو تبدّل مسرحها فهي ممكنة. في هذه المرحلة اعتقد البعض أنه انتهى سياسيا، ولكنه ثبّت في وجدان الجميع أن الإنسان بإمكانه الذهاب بقناعاته الى أبعد الحدود؛ حمى القضيّة اللبنانية وخيارات الأكثرية الصامتة داخل «معتقل» وحافظ على الأمانة، ولعبت “القوّات” في نضالها هذا دور المحافظ على إرث نضالي ثمين واستمرّت في المواجهة ولم تتلوّن.

 

أجندة القوات… اللبنانية

عانق نضالها فيما بعد أكثريّة اللبنانيين الذين أرادوا مصالحة شعبيّة وفعليّة في 14 آذار 2005 وكانت “القوّات” في تلك المرحلة في موقع المُنتصر فأصبح الجميع يتكلّم بلغة “لبنان أولا”. والسيناريو تكرر بعد 14 عامًا، فرافق حزب القوات انتفاضة “17 تشرين” عام 2019 وحمل معها عناوين الإصلاح ومحاربة الفساد، التي لطالما آمن بها وعمل جاهدًا لتطبيقها؛ فكان رأس حربة في ساحات الاحتجاجات الشعبية. واليوم وبعد بدء “حرب غزة” وادخال لبنان في الصراع بسبب تدخل “حزب الله” بحجّة مساندة غزة والذي لم يغيّر شيئا في مشهد الصراع، ترفع القوات اللبنانية الصوت عاليًا وهي صوت الشعب اللبناني في المطالبة بمصلحة لبنان قبل مصلحة إيران وقضايا أخرى لا تعنيه عبر رفضها الحرب والدمار وما يمكن أن تخلّفه من أضرار لا قدرة للبنان على تحملها.

تجربة “القوات اللبنانية” أثبتت أنه “حيث تكون القوّات، تكون القضيّة”، فمن جبهات الحديد والنار مرورًا بالنضال داخل المعتقلات وصولًا الى ساحات الحريّة والشرف، وقفت “القوّات” دائمًا الى جانب مصلحة لبنان. في المقابل هناك من حافظ على سلاحه برعاية سوريّة في مرحلة الوفاق الوطني، وهناك من قال مرّة “شكرًا سوريا” عندما هتف اللبنانيون “لبنان أولًا”، وانقضّ على مطالب الإصلاح والسيادة عندما انتفض الشعب اللبناني من جنوبه حتى شماله؛ هذا الفريق نفسه يعمل على التوقيت الإيراني متجاهلًا مصلحة لبنان في الإنقاذ والنهوض من أزماته الكبيرة.

إقرأ أيضًا

“المسيرة” ـ العدد 1751

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل