#adsense

مؤتمر معراب : إلزاميّةُ التقيّدِ بثوابتِ الوطن

حجم الخط

معراب

عجيبٌ هما الأمران : التغيّب عن مؤتمر معراب، من بعض المتسلِّلين الى الواجهة السياسيّة، وأعذارُهم مزاعم، والهجومُ المتربِّصُ في لحظة انفعال موسميّة، يقودها مُهَجَّنون لا جسورَ بينهم وبين الوطنيّة، ولَو صاغوا لإيهام النّاس بالعكس، ألفَ حجّة سفسطائيّة. لن أتمادى في الردّ على هؤلاء وأولئك، فالأمر لا يستحقّ هدرَ الحِبر.

أمّا بعد،

لا شكَّ في أنّ مشروعَ قيامِ دولةٍ قادرةٍ في وطنٍ سيّدٍ، قد تصدّر المداخلة التي كانت للدكتور سمير جعجع، كما في البيان الختامي، لأنّ هذه المسألة تتصدَّرُ مَطالبَ النّاسِ بحقِّهم الثّابتِ بالسّلامةِ، والأمنِ، والعَيشِ الحُرّ، وبَسطِ سلطانِ القانونِ على كاملِ مساحةِ البلاد، وهذا يعني تعلّقاً بفلسفةِ البقاءِ والوجود. كلُّ ذلك يواجهُ استحضاراً لنَقيضِه، حرباً تُمَدمِكُ لتدميرٍ شاملٍ، وتضعُ لبنانَ تحتَ المقصلة، تمهيداً لبسطِ سلطانِ أحاديّةٍ مستبِدَّةٍ تغتالُ الكيانَ، وتصعقُ الهويّة، وتمسخُ السيادة. من هنا، فالصورةُ القاتمةُ الجاثمةُ فوقَ رؤوسِ اللبنانيّن، قد أكّدَ المُنتَدون على أنّ خَطَرَها ليس وَهماً، خصوصاً في بيئةِ الذين يسكنُ الوطنُ في وجدانِهم، انتماءً وولاءً، وحيثيّةَ مصيرٍ في كيانٍ نهائيّ، في مُقابلِ مَنْ انقلبواعلى ثوابتِ وطنٍ لم يكن، مرّةً، وطناً إلّا في تخرّصاتِهم، ليوهموا النّاسَ بأنّهم لبنانيّون، وليتَهم كانوا…

وللأسف، هنالكَ، بعدُ، عندَنا، عاجزونَ، أو مُعَجَّزون، عن إدراكِ الخطرِ الدّاهمِ الذي يتربّصُ بالبلاد، وهم كالواقفِ أمامَ الشّمسِ وعيناهُ مُغمضتان، أو مُجبَرَتانِ على التَّغميض. وحتى هذه اللّحظة، لا يريدونَ أن يعترفوا بأنّ قرارَ زجِّ لبنانَ بحربٍ مدمِّرة من جانبِ المرتبطين بأجندةٍ لا تمتُّ للبنانَ بصلة، وبمرجعيّةٍ هجينةٍ مُنتدِبة، إنّما هو تدميرٌ مُمُنهَجٌ للوطنِ بكيانِه السياسيِّ، ومؤسّساتِه، وحريّتِه، ونهائيّةِ حضورِه، ما يقضي، تالياً، على أبجديّةِ السيادةِ فيه، ويطعنُ بالأرضِ والتاريخِ والثّقافةِ، التي تُدرِجُه، في وجدان السياديّين المُنتَدين، وفي طليعتهم القوّات اللبنانيّة، في هالةِ التّقديس.

إنّ المجاهرةَ السّافرةَ بامتلاكِ قرارِ الحرب، ليسَت سوى طَلاقٍ إستراتيجيٍّ للوطنِ، وعَطَبٍ ناجزٍ لِعَصَبِ الإنتماءِ والولاء، وسلوكٍ تدميريٍّ للهويّةِ الوطنيّة، وزَجٍ سافرٍ للناسِ، ولا سيّما أهلنا في الجنوب المُعَذَب بوجود الطّارئين فيه، في أتونِ مغامرةٍ قاتلةٍ لا تنفعُ لتبريرِها ذرائعُ ومسميّات. من هنا، فإنّ النّضالَ لمواجهةِ هذا السّلوكِ، ينبغي أن يكونَ غيرَ قابلٍ للتَراجع، وهذا، بالذّات، ما تولّاه مؤتمر معراب، على لسانِ الدكتور جعجع، وفي مضمون البيان الختامي، والذي يجبُ أن تتكوكبَ حولَهُ جماعةُ الأَصيلينَ الذين يعانقون الوطنَ في مسيرةٍ سرمديّة. وما تولّاه مؤتمر معراب ليسَ سوى تذكيرٍ واضحٍ بمفهومِ الأرض السيّدة، وأَبعادِ الكيانِ النهائيّ، وبأنّ الهويةَ الوطنيّةَ تشكّلُ منظومةً إجتماعيّةً وأخلاقيّةً، وقضيّةَ التزامٍ بِقِيَمٍ جوهريّةٍ تَتَنَزَّلُ في زمنِ الوطن، وتُحدّدُ حقيقةَ المنتسبين إليه. وأنّ الولاءَ سلوكٌ، ونمطُ حياةٍ، وطموحٌ وجوديّ، وأساسُ ترسيخِ الفردِ بأرضِه، وهو مُعطًى مقدَّسٌ ثابتٌ ونهائيّ، ما يُبعدُه عن المراجعةِ والنّقدِ والتّقويم، وعن تشويهه بتفسيراتٍ مستمدَّةٍ من حفريّاتِ الأعراقِ المنتهيةِ الصلاحيّة، وبادّعاءات فارغة يحاول مُرَوِّجوها تبريرَ زجِّهم الوطن في مغامرةٍ قاتلة لن تكون نتائجها إلّا تدميراً قياسيّاً غير مسبوق، ما يقودُ، حتماً، الى تَقَهقرٍ سحيق  لزمن الإنحطاط والتخلّف، وعلى كلِّ المستويات.

إنّ الصورةَ قاتمةٌ بشدّة، لأنّ مواقفَ المُستَقوينَ، ثقّافي الموت، تجرُّ البلادَ الى حيثُ لا يريدُ أهلُها، خراباً، وضحايا، واضمحلالاً للدولة، وسَحقاً لِبُناها، وزعزعةً لكيانِها، في مواجهةٍ غيرِ محسوبةٍ مع آلةٍ عسكريّةٍ شنيعةٍ، مجرمة، رأينا ما نتجَ عنها في غزّة، من إبادةٍ ودمارٍ وتهجيرٍ وسَفكٍ للحجرِ والبشر. أمّا ما يصوغُهُ المُغامِرون الدونكيشوتيّون من خُطَبٍ لتبريرِ هذه المواقف، فلا يمتُّ الى المقبوليّة، بافتقارِه الى الأخذِ بالإعتبارِ مصلحة الوطنِ والمواطن، وبغَوصِه في تركيباتٍ غريبةٍ عن قناعةِ النّاسِ المؤمنين بالسّلامِ، والحياد، ما يجعلُ الوطنَ يُقيمُ في حيثيّةٍ معزولةٍ عن مصالحِ أهلِه، وكأنّه أسيرٌ في فوّهةِ الإستقواء، والموت.

إنّ اللّحظةَ الحاضرةَ هي في منتهى الخطورة، ففي ظلِّ تَحَكُّمِ غير المُنتمين الى لبنانَ بقرارِهِ، الذين لا يمحضونَه ولاءَهم، ويستهينونَ بمصلحتِه، كانت الدعوة الى مؤتمر معراب، لعَرضِ ما يواجهُ الناسَ من الرّعبِ، والوطنَ من حيثيّة جهنّم، وهي الأشَدُّ قساوةً، وسوءاً في تاريخه، وليطالبَ بتنفيذ القرارات الدوليّة، وبتكليف الجيش الوطنيّ حماية سيادة لبنان، على كلِّ حدوده، وليؤكّد على أنّ قرارَ الحربِ يتماهى مع ثقافةِ الموت، كلُّ ذلك يُبرِزُ الحاجةَ الملحّةَ الى تحرّكٍ فاعلٍ ومستمرٍ، في الدّاخلِ، وفي عواصمِ العالَم، لمطالبةِ  المُمسِكينَ بالقرارِ الدّوليّ، لكي يُسرِعوا الى فَرضِ حلٍّ لمعضلةِ لبنان، بإبعادِ شبحِ الحربِ عنه، بما يتلاءَمُ مع مُرتجى أهلِهِ بالسّلامِ، والحريّة، والطمأنينةِ الى مستقبلهم…وهذه، بالذات، هي الثّوابتُ التي بُنِيَ عليها الوطنُ، ويجبُ صَونُها بالإخلاص، والتي دافع عنها مؤتمر معراب، ودعا الى مواجهةِ مَنْ يريدُ تَقويضَها، حفاظاً على لبنانَ كياناً نهائيّاً، حُرّاً يستحقُّ الحياة.​

اقرا ايضاً

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل