


ثلاثون عامًا بالتمام والكمال مرت على أبشع فصول الوصاية السورية في سعيها لحسم هيمنتها على لبنان. ففي “ذينك الشباط والآذار” من العام 1994، أطبق النظام الأمني المشترك على “القوات اللبنانية” وحاصرها بالملفات الكيفية والكيدية، فحل الحزب واعتقل القائد ونكّل شر تنكيل بالمناضلات والمناضلين، وإذ به يعتقل وطنًا برمته باعتقال سمير جعجع، الذي كان الرمز الوحيد الكبير في وجه الاحتلال السوري وأدواته.
اليوم، تسعى الوصاية البديلة ممثلة بـ”الحزب” ومحور الممانعة إلى ما هو أخطر، أي إلى اغتيال وطن برمته عبر الإصرار على منطق التصفية والإلغاء والاغتيال، لا سيما باستهدافها قياديين من “القوات اللبنانية” في رسائل واضحة، علمًا بأن هذا الخيار مآله الفشل، لأن المستهدف يمثل مدرسة للشهادة، ولأن اغتيالا من هنا وآخر من هناك لن يوديا إلى اغتيال وطن كما يراهنون، بل سيوسّعان مروحة الأحرار ويدفعان المترددين إلى حسم تموضعهم في الحلقة السيادية.
في الحرب، تصدت “القوات” وجهًا لوجه للمحتلين والطامعين الباحثين عن وطن بديل، وكان مناضلوها يدركون سلفًا مخاطر استشهادهم، وكان الفارق بينهم وبين أخصامهم أو أعدائهم أن هؤلاء كانوا يَعِدون أنفسهم بمكاسب وغنائم وربما بجنّة وجوائز، لكن هؤلاء الأعداء والأخصام كانوا على الأقل يواجهون صراحة ومباشرة، وكان يسقط منهم العديد من القتلى الذين يعتبرونهم شهداء.
أما اليوم، وفي زمن السلم الأهلي الزائف، فإن شيمة أخصام “القوات” وأخصام كل مؤمن بالحرية والسيادة، هي الغدر، معطوفًا على النفاق والكذب والخداع. وإن دلّ ذلك على شيء، فعلى الجبن والهروب من المواجهة، بل على العجز عن المواجهة، تحت سقف الدستور والقانون والديموقراطية والحق والعدالة. وإلا ما معنى اللجوء إلى أسلوب الاغتيالات والتصفيات، والترهيب والابتزاز، إلا دلالة على أن أصحاب هذا الأسلوب، يريدون تعويض ما يخسرون في السياسة بما يعتقدون أنهم يكسبونه في اعتماد الإلغاء الجسدي، أو الوعيد والإخضاع تحت وطأة سطوة السلاح ومفاعيله.
وما يفضح عوراتهم ويرسّخ الاقتناع العام بنواياهم السود، هو إصرارهم على إزهاق الحق وتعمية الحقيقة وتجهيل المرتكبين، عبر إرهاب القضاء والتمرّد على القانون واستغلال بعض المواقع الرسمية للعبث بوقائع الجرائم وإخفاء الأدلة والتزوير.
وليس صدفة أن تقول السيدة نايلة معوض أكثر من مرة أن ملف اغتيال زوجها الرئيس الشهيد رينيه معوض لا يضم ورقة واحدة جدية. وماذا عن اغتيال وتصفية عدد من المقاومين والكوادر القواتية، وأخصّهم رمزي عيراني، الذي بقيت الدعوات إلى التحقيق الجدي في قضيته أصواتًا ضائعة، على رغم توافر معطيات مهمة. وماذا عن خطف بطرس خوند وجوزف صادر، وماذا عن شهداء ثورة الأرز وملفاتهم المغيّبة. ولولا المحكمة الدولية التي حاولوا بشتى الوسائل منع تشكيلها ومنعها من بلوغ غايتها؟ لما عُرف قتلة الرئيس رفيق الحريري، بعدما نجحت بتجريم المتهمين الأساسيين. ولو قُدِّر لها أن تضع يدها على سائر الاغتيالات لكان هناك كلام آخر.
والغريب أن شهداء تفجير المرفأ وضحاياه ليسوا من سقطوا بالتفجير فحسب، أو ماتوا لاحقًا متأثرين بإصاباتهم، بل شملت اللائحة شهداء آخرين اغتيلوا في ظروف غامضة لأن لهم علاقة بشكل أو بآخر بوقائع ومعلومات حول التفجير المشؤوم. والهدف لا لبس فيه، إخفاء معطيات مهمة وتجهيل المرتكبين والمتسببين بالكارثة، في موازاة ترهيب القضاة وتهديدهم، وصولًا إلى إطاحتهم، على غرار الرسالة التي تمثلت بهرة مذبوحة عند باب المحقق العدلي الأول فادي صوان، واقتحام وفيق صفا قصر العدل ليهدد “بقبع” المحقق العدلي الثاني طارق بيطار.
وفي السياق، كانت غزوة عين الرمانة التي تحولت من تظاهرة نحو قصر العدل للضغط على القضاء في ملف تفجير المرفأ، إلى محاولة وقحة لدخول عين الرمانة بالقوة والنار، بهدف افتعال فتنة وحرف الأنظار عن جريمة المرفأ.
وإذا كان اغتيال الياس الحصروني لترهيب الأهالي الصامدين في المناطق الحدودية، وقد فشلت الرسالة في بلوغ مبتغاها، فإن ما يلفت هو حرص القتلة على إخفاء معالمها الحقيقية والإيحاء بأن ما حصل مجرّد حادث سيارة، لولا تلك الكاميرا الخفية التي كشفت المرتكبين.
والأمر نفسه تكرر في اغتيال باسكال سليمان، حيث أريد أن تبدو مجرّد جريمة مرتبطة بسرقة سيارة، لولا الكلمات الأخيرة التي تلفّظ بها باسكال على الهاتف لرفيق له لحظة تعرّض القتلة له. ولا حاجة لتعداد الكثير من الحيثيات التي ترجح الخلفية السياسية للاغتيال، إلى ملاحظات بديهية تدفع العديد من المراقبين، وحتى من غير القواتيين أو من البعيدين عن جوّ “القوات”، إلى عدم تصديق بعض السيناريوهات التي تنحى الى تسخيف الجريمة، علمًا أن السبب الأساسي لها ولسواها من الجرائم على أشكالها يعود إلى حالة التفلّت الناجمة عن غلبة الدويلة على الدولة.
في قراءة ما سبق، قال دبلوماسي أوروبي سابق في جلسة ضيقة، إن مرتكب هكذا جرائم، يريد من خلالها أن يُعرف بأنه الفاعل، ولكن من دون أن يتبنّاها أو أن يسمح للتحقيق من كشفه، وهذا هو الترهيب بعينه. والأمثلة كثيرة في تاريخكم الحديث.
أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة
“المسيرة” ـ العدد 1752
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]