عندما بحث البطريرك صفير قضية جعجع شخصيًا مع البابا

حجم الخط

البطريرك صفير

لم تكن مسألة سهلة، عملية الغوص في أعماق تفكير البطريرك صفير وطريقة عمله. هو متحفظ حتى في الأمور والقضايا التي تخطاها الزمن ولكنها تبقى ماثلة في ذاكرة التاريخ على الرغم من أن البطريرك صفير كان لعب دورًا بارزًا فيها. لا ينسب لنفسه بطولات وإنجازات. دائمًا كان يعمل بصمت، وعندما يتكلم كان صوته يدوّي. لا مجال معه لدفعه الى الكلام. لا يقول إلا القليل ويقفل أبواب الذاكرة على التفاصيل.

لعب البطريرك صفير دورًا كبيرًا في دعم قضية رفع الظلم عن الدكتور سمير جعجع وعن “القوات اللبنانية”، ليس لأنه يكنّ عاطفة خاصة تجاههم، بل لأنه مع الحق والمظلومين، وإن كان ما فعله في هذا المجال يبقى أمانة للتاريخ، فإنه يفصح أنه حمل هذه القضية في محطات كثيرة. طرحها مع “المسؤولين” في عهد الوصاية وحملها الى الفاتيكان، وبحثها شخصيًا مع قداسة البابا وفي مجلس المطارنة الموارنة وفتح أبواب بكركي للباحثين عن ملجأ.

هذا الحوار مع البطريرك صفير كان في العام 2009 وكان لا يزال بطريركًا.

 

ـ قبل تفجير كنيسة سيدة النجاة كانت لديكم معلومات في بكركي حول مخطط لتفجير الكنائس. هناك شخص أتى وأخبركم عنه، كيف تعاطيتم مع هذا الموضوع؟

البطريرك صفير: أتى أحدهم وأظن أنه مصري وأخذ يروي. كان ذلك قبل التفجير وقد روى بعض الروايات وقد نبّهنا السلطات المختصة لهذا الأمر. وعندما حصل الانفجار، نزلنا الى الكنيسة وزرناها.

 

ـ الى أي حدّ أدى تفجير الكنيسة الى تأجيل زيارة البابا يوحنا بولس الثاني التي كانت مقررة الى لبنان ربيع العام 1994 وهل نسقتم مع الفاتيكان في هذا الموضوع؟

البطريرك صفير: عندما علمت روما بأن هناك تفجيرًا للكنيسة وأن الأمر فيه خطورة، ربما وجدوا أن في هذا الأمر مانعًا يقضي بألا يأتي البابا في ذلك الوقت. لكن الأمور عادت وسويّت وأتى الحبر الأعظم بعد ثلاثة أعوام.

ـ الاقتراح بالتأجيل أتى من روما؟

البطريرك صفير: نعم. عندما عرفوا بأن الأمر فيه خطورة قرروا ذلك.

ـ خطورة على قداسة البابا شخصيًا؟

البطريرك صفير: ربما.

 

ـ كيف تعاطيتم مع المعلومات التي اتهمت “القوات اللبنانية” في البداية بعملية التفجير؟

البطريرك صفير: أتى إلينا من يقول إن القوات هي المسؤولة عن ذلك التفجير، ولكن في ذلك الوقت لم نكن نعرف ما مدى صحة هذا القول.

 

ـ هل القاضي جوزيف فريحة هو الذي أبلغك بذلك؟

البطريرك صفير: لا أذكر بالضبط إنما هو كان يحقق في الأمر.

 

ـ عندما تم اعتقال الدكتور سمير جعجع في 21 نيسان 1994 كنت تزور طبيب الأسنان ورأيت آليات الجيش اللبناني متوجهة الى غدراس لتنفيذ أمر الاعتقال. هل ربطت مباشرة بين الأمرين؟

البطريرك صفير: قيل لنا يومذاك إن هناك “قوات” أتت لتداهم منزل الدكتور جعجع وأنها ستوقفه وتم التوقيف.

ـ بعد التوقيف حصل تجمع في بكركي لرفض الاعتقال وعمليات التوقيف. كيف استقبلتهم؟

البطريرك صفير: تعودنا أن نستقبل جميع الناس الذين يأتون الى بكركي. في ذلك اليوم تجمهر كثيرون وأتوا الى بكركي، استقبلناهم كالعادة.

ـ كيف تابعت موضوع توقيف الدكتور جعجع وكيف قررت إرسال المطران فرنسيس البيسري ليزوره في السجن؟

البطريرك صفير: لأن الدكتور جعجع كان بحاجة الى معونة روحية كان المطران البيسري يذهب اليه بين الحين والآخر ليمده ببعض النشاط الروحي أو ليأخذ له القربان المقدس أو يعرّفه وما سوى ذلك، وكان يأتي إلينا ويقول إنه في حال جيدة ولكنه يشكو من ظروف التوقيف.

 

ـ هل بحثت وضعه مع الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود والمخابرات؟

البطريرك صفير: كنا نقول لهم بإطلاق سراحه ولكن كان هناك تردد وكانوا يقولون إنه ضالع في بعض الأمور.

ـ مثلًا؟

البطريرك صفير: في ما خصّ الأمن في البلد.

ـ طالبتهم بتحسين وضعه وإعطائه حقوق السجين وعدم إبقائه في السجن الإفرادي تحت الأرض؟

البطريرك صفير: نعم. حاولنا أن نطلب منهم أن يحسّنوا وضعه وكانوا يقولون إن وضعه جيد ولا سبيل الى تحسينها.

ـ لماذا أرسلت رسالة الى الرئيس إلياس الهراوي تقول له فيها إنه إذا صدر الحكم على الدكتور جعجع في تفجير الكنيسة فهذا يعني أن الحكم هو على الرأي العام المسيحي الذي يعتبر أنه ليس من الممكن أن يكون مسيحيون فجروا الكنيسة؟

البطريرك صفير: بذلنا جهدًا كبيرًا مع الرئيس الهراوي وأرسلنا إليه رسالة في ما أذكر. وصفنا حالة الدكتور جعجع وطلبنا إليه ريما إطلاق سراحه.

ـ بحثت الموضوع أيضًا مع الرئيس رفيق الحريري عندما زار بكركي وسلمته ورقة المطالب المسيحية؟

البطريرك صفير: لا أذكر على وجه التحديد ماذا حصل بيننا، ولكن أعتقد أنه قال لنا إن الامر ينظر فيه القضاء الذي سيقول كلمته.

 

ـ طرحتم الموضوع في السينودس من أجل لبنان في العام 1995 وطالبتم بإطلاق سراح السجناء السياسيين؟

البطريرك صفير: أثرنا هذا الأمر ضمن إطار الجو العام الذي كنا فيه في السينودس وفي اجتماعات السادة المطارنة وكان الجو على وجه العموم إيجابيًا.

ـ هل تطرق لهذا الأمر مع البابا يوحنا بولس الثاني خلال زيارته الى لبنان؟

البطريرك صفير: تطرقنا إليه أثناء الزيارة وقبلها. كنا في روما عندما أثرنا موضوع الحكيم وطالبنا وقتها بإطلاق سراحه.

ـ هل كان هناك تجاوب في الفاتيكان؟

البطريرك صفير: طبعًا. أخذ البابا علمًا بالأمر والفاتيكان على وجه الإجمال ضد أي ظلم يقع على أي من الناس.

ـ تكلمت مع البابا شخصيًا في الموضوع؟

البطريرك صفير: نعم. أذكر أنني أثرت هذا الموضوع.

ـ كان على اطلاع على ما حصل؟

البطريرك صفير: كان على اطلاع على ما يحصل في لبنان على وجه الإجمال.

 

ـ خلال مرحلة اعتقال الدكتور جعجع كانت تحصل توقيفات وملاحقات وكان أهالي المعتقلين يأتون إليك للشكوى. كيف كنت تستقبلهم؟

البطريرك صفير: كانوا يأتون ويتظلمون ويناشدوننا بأن نتدخل لإطلاق سراح الموقوفين وهذا أمر طبيعي.

 

ـ كيف تصف علاقتك مع ستريدا جعجع في تلك المرحلة؟

البطريرك صفير: كانت تأتي إلينا وتصف لنا الوضع بين الحين والحين وتطلب منا أن نتدخل. وكنا نتدخل بما لدينا من وسائل ونقوم بما يمليه علينا الواجب الضميري. كنا نستقبلها ونساعد في أن نخفف عنها المصاب ونتدخل مع أصحاب السلطة للتخفيف عن الدكتور جعجع قدر الإمكان.

 

ـ ما كان شعورك وتعليقك عندما تمت تبرئة الدكتور جعجع في قضية تفجير الكنيسة؟

البطريرك صفير: طبعًا كسائر الناس الذين يقدّرون الدكتور جعجع وارتاحوا للأمر عندما صدر الحكم بأنه بريء. طبعًا نحن فرحنا لهذا الخبر.

 

ـ كيف كان قادة الأجهزة الأمنية يبررون مسألة التوقيفات؟

البطريرك صفير: كانوا يأتون ويقولون إنهم أخلوا بالأمن وعملوا أعمالًا تضر بالوضع العام في البلد.

 

ـ الأب ميشال عويط أعطى إفادة أمام المجلس العدلي كشاهد في قضية الكنيسة. هل تم ذلك بالتنسيق والتشاور معك؟

البطريرك صفير: قلت له أن يتكلم حسب ضميره ومعرفته ولم أدخل بالتفاصيل.

 

ـ في العام 2000 أصدرتم نداء المطارنة الموارنة الذي يطالب بسحب الجيش السوري من لبنان، في أي إطار تمت صياغة هذا النداء في ظل الظروف السياسية التي كانت سائدة آنذاك؟

البطريرك صفير: أطلقنا النداء لأننا رأينا أن الوضع تأزم كثيرًا وأن الواجب يقضي علينا أن نطلق هذا النداء وأطلقناه. وربما كان هناك تفكير لدى السوريين بترك البلد وكان بلغ الأمر مبلغه من سوء الحال لدى اللبنانيين وكانوا يحاولون أن يتخلصوا من الضغوطات التي كانت تمارس عليهم.

 

ـ ضمن أي أجواء كانت تحصل وساطات بينك وبين سوريا. ولماذا أراد النظام السوري فتح قنوات اتصال معك؟

البطريرك صفير: السوريون حاولوا أكثر من مرة فتح خط مع بكركي، وكان يأتي إلينا بعضهم، بعض الضباط الذين كانوا في لبنان ويزورون بكركي أو الديمان. ولكن هذا لم يؤد الى أي نتيجة.

 

ـ كيف كان اللقاء بينك وبين الدكتور سمير جعجع عندما التقيته في المرة الأولى بعد خروجه من السجن؟

البطريرك صفير: طبعًا هنأناه بالخروج من السجن وتمنينا له الخير وقلنا له إنها فترة مضت والإنسان يمر عليه ما هو حسن وما هو سيء. طبعًا لقد أظهر الكثير من التجلّد والصبر وطول البال والصلابة في موقفه وكان واثقًا من صحة قضيته وسلامتها كما أعتقد.

من كتاب: القوات اللبنانية.. قصة النضال السري 1994 – 2005

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل