
ما زال الإنسان، وما يتفرّع منه، القضية الأولى التي تشغل بال المفكرين، منذ أن وعى الإنسان نفسه. وككل قضية، يتعذر الوصول إلى حلها المنشود، ما لم تُفهم في معطياتها، أي ما لم يحطِ العقلُ علمًا بتلك القضية فيتبيّنها كما هي في ذاتها وفي غايتها.
من هنا ينطلق المبدأ الأساسي، وهو أنه لا يمكن إيجاد حلول لمشاكل الإنسان من غير فهم للطبيعة الإنسانية. وكل من يحاول تخطيط سبل الحياة من غير أن يرتكز على هذه الحقيقة، فإنه لا محالة فاشل. كما أن الفشل ينتظر من يخطئ في فهم الإنسان.
“أشك في كل شيء، يقول ديكارت، ولكنني لا أشك في أنني أشك. وبما أنني أشك فأنا أفكر. وبما أنني أفكر فأنا موجود”. ويضيف مفكر آخر ما معناه: ولكنني لست وحيدًا في الوجود. هناك من هو موجود مثلي وهو يفكر أيضًا. وهو شبيهٌ بي، وبالتالي، إذاً، هناك “أنوات” (جمع أنا) عديدة غير أنا. فالأنا الآخر هو شخص أيضًا. أدعوه “أنت” كما أدعو نفسي “أنا”. و”أنت” ألست جزءًا من العالم؟ ألست مثلي ومعي شخصًا تجابه عالم أشيائك كما أجابه أنا عالم أشيائي؟ وعدا أن لك ذاتاً بيولوجية – نفسية – اجتماعية موجودة في العالم، فأنت أيضًا شخص سامٍ وروحي. وإذا كنا، أنت وأنا، مجنّدَين في عوالمنا المليئة بالمسائل، والتي نسعى إلى حلها، معًا، بأعمالنا الفنية والعلمية، فأنت وأنا محاطان بأسئلة تغمرنا معطياتها، وتتسلّل إلى داخلنا، وتتطلب منا إعمال الفكر. فأنت وأنا موجودان في “نحن”، حيث شخصك وشخصي مدعوان أن يتكاملا. إن علاقة أنت ـ أنا تحيل هذا الـ”أنت” وهذا الـ”أنا” إلى “نحن” أسمى، لأن في “نحن” أكون لك وتكون لي.
وقد عبر الفيلسوف إيمانييل مونييه عن ذلك أحسن تعبير حين قال: “أقصر طريق من نفسي إلى نفسي هي التي تمر بالآخر”.
إذاً، ليس من طبيعة الأشياء، أن يقوم تضادٌ بين المجتمع والشخص. فالكائن الإنساني لا يصنع نفسه إلا في المجتمع، حيث يكون مستعدًا للجواب على أي سؤال تطرحه الحياة. وبالتالي، يُخرج الإنسان من ذاته غنًى جديدًا يعطي حياته والعالم معنًى جديدًا، فيكون دومًا محدّدًا.
ولكنه لا يكون محدّدًا إلا إذا كان منخرطاً واعيًا. أقول واعيًا، لأن كل فرد منا قد دخل الحياة من غير مشورته، وهو فيها عامل على الرغم منه. نحن مرغمون أن نجيب عن الأسئلة التي تطرحها الحياة، ولطالما أخذتنا على حين غرّة. فإذا ما كان انخراطنا واعيًا عرفنا كيف نحدّد مواقفنا، وإلا كنا كالتائهين.
يتدخل كل فرد منا في كل نواحي الحياة، ومن يقول إنه لا يتدخل فهو واهم. فمن لا يتدخل هو في الواقع يتدخل. ولكن لمصلحة مَن؟ لمصلحة الوضع القائم، بصرف النظر عن فساد هذا الوضع أو صلاحه. فإن عدم تدخله بصورة واعية هو تدخل سلبي بالنسبة إلى الحركات الرامية إلى تغيير الوضع، وتدخل إيجابي بالنسبة إلى الوضع القائم.
ولكي يكون انخراطه واعيًا، عليه أن يُقرن الفكر بالعمل. أقول الفكر بالعمل لأن الفكر هو في أساس نوع العمل واتجاهه وطريقة تنفيذه.
وكي يتمكن من النجاح، هناك شرط ثانٍ، في مجال إقران الفكر بالعمل. هذا الشرط هو أن يستمد من الواقع الحياتي، الواقع من كل نواحيه، موضوعات نشاطه. أقول إن فكرًا لا يأخذ الواقع في الاعتبار ليستمد منه مواضيع نشاطه هو فكر فاشل حتمًا، لأنه يعمل في الفراغ، ولأنه يستحيل فهم الإنسان إذا تجاهلنا محيطه.
وبما أن المحيط يتطوّر، فإن معطيات الفكر السياسي تتطوّر أيضًا. وبما أن الشخص مدعو لأن يتكامل مع الآخر، فإن الوسيلة الفعّالة هو تعاونهما في بوتقة عمل منظمة، واضحة النهج والبرنامج. بوتقة العمل هذه قد تكون “حزبًا”، فيصبح الحزب، إذ ذاك، أداة عمل لتحقيق الفكر.
وبصورة جليّة واضحة ما هو تأثير الحزب، مطلق حزب، في الفرد والمجتمع؟
قبل أن أنضوي تحت لواء أي حزب أطلع على مبادئه وتاريخه. فإذا لاقت مبادئ هذا الحزب قبولاً في نفسي، أقدّم طلب انتساب إليه. وبكامل إدراكي، أتنازل عن الجزء المتطرّف من حريتي، أي أتنازل عن فوضويتي. فبانخراطي في الحزب، أقسم يمين الولاء (3) لأنني أتعهد بإطاعة أوامر الحزب.
من جهة أخرى، يحق لي كعضوٍ، أن أقترح ما أشاء، وأن اجتمع بأعلى سلطة في الحزب للمناقشة. فأكون قد عززت إسهامي غير المباشر ذاك بإسهام مباشر، مع العلم أنه، نظاميًا ونظريًا، لا يتفرّد شخصٌ واحد في إصدار أي قرار، بل هناك مجموعة، لكل فرد منها حقل اختصاصه، تتعاون كي يأتي القرار على خير وجه ممكن. وفي حال عدم اقتناعي بما جرى، يمكنني الانسحاب. هذا ما يحصل في الأحزاب الديمقراطية التي تشجع الانتساب إليها، لا الأحزاب الدكتاتورية التي تحذر منها.
وفي الحزب مجال واسع لأن أحتك بالناس، فينصقل عقلي ويتوسّع أفق إدراكي.
إن تدريب ذاتي، على الحياة الحزبية النظامية، يساعد على حل معضلة الحرية – السلطة. يعتبر الأفراد في الدولة القوانين ورجال الأمن أعداء لحريتهم. كما أن الدولة تعتبر أن كل حركة شعبية تقوم ضد أحد أساليبها أو قوانينها كأنها طعنة موجّهة إليها، فتقاومها. ففي الحياة الحزبية، يتعلّم المسؤول، المرشّح لتسلّم السلطات، ما هي غاية السلطة وكيفية القيام بها. ويتعلّم المنضوي ما هي الغاية من مراعاة الأنظمة والقوانين. ويتعلم، خصوصًا، أن السلطة والقانون والنظام وُجِدت لخيره ولخير المجتمع.
فالحزب، إذاً، يساهم في تكويني، أي يفسح لي في المجال، أيضًا، أن أحقق إنسانيتي.
ومن جهة أخرى، يحتم عليّ وجودي في الحزب ألا أكتفي بدراسة مبادئه، بل الاطلاع على التيارات الفكرية في العالم كافة، فأتفاعل مع العالم وأتابع تطوّره. وبفهمي ما يجري وراء حدود بلادي، أشعر بنفسي أنني ضمن العائلة البشرية الكبرى، أعيش في صميمها، فأقترب أكثر فأكثر من بني الإنسان.
وباطلاعي على ما تنتجه العقول الإنسانية، ودراستي إياه، أساهم مع العالم في بلورة الإنتاج الفكري، وأقوم بما يترتب عليّ من واجب، في السعي لتطوير البشرية نحو عالم أفضل. إن السعي الإنساني هذا يتيح للقيم مجال النمو. ونمو القيم يقرّبنا إلى العالم الذي ننشد، فينفسح لنا في مجال أن نُغني عالمنا بالقيم.
وأما التأثير الحسّي السريع – بيت القصيد المباشر – فهو أن الحزب يغيّر الواقع الاجتماعي المادي الذي نشتكي منه، فيضع تصاميم لمختلف مرافق الحياة ينفذها في حال تسلّمه الحكم أو اشترك فيه..
وباختصار، يتمكّن العمل الحزبي من أن يوجّه التفتّح المتناسق للشخص الإنساني، في الإطار المجتمعي والعالمي.
وفي سياق ذكرنا التأثير العقائدي المنظم في حياة الإنسان، شخصًا وجماعة، فلا ننسى بعض الأحزاب التي هي مصدر انعزال لا انفتاح، وفوضى لا استقرار.
إن تلك الأحزاب تخون الرسالة الحزبية، وهي حتمًا تلك التي ارتكزت على أسس خاطئة في فهم الإنسان ومتطلّباته، وفهم علاقة الفرد بالمجتمع، والمجتمع بالمجتمعات الأخرى.
فإذا ما قرّر أحدنا الانخراط في أحد الأحزاب، كي يخدم نفسه ويقترب من العالم ويُغنيه بالقيم ويغيّر الواقع الخارجي الذي يشتكي منه، عليه أن يفترض في الحزب، الذي يتجه نحوه، بعض الشروط، وهي:
1 – أن يفهم الحزب الطبيعة الإنسانية والبيئة التي يحيا فيها الإنسان، ليضع في ضوئها مبادئه. إن حزبًا يتجاهل هذا الأساس الهام لَحزبٌ غير جدير بأن يحمل إسم “حزب”. وتجاهل المشكلة لا يحلها.
2 – ألا تعاكس المبادئ التي يدين بها المبدأ الإنساني العام، القائم على اعتبار الإنسان أخًا للإنسان، أيًا كان لونه ولغته وجنسيته، أي أن يحارب العنصرية والتناحر الطبقي وكره الأجنبي لمجرد أنه أجنبي.
3 – أن يحترم الإنسان كشخص بشري له قيمته الإنسانية.
4- ألا ينادي بسيطرة الدولة على الإنسان، وألا يعتبر أن الغاية تكمن في مجد الدولة. الدولة “أداة” نهضة وتقدم وعمران فحسب.
5 – أن يكون ديمقراطيًا.
6 – وفي لبنان، على الحزب أن يؤمن بتعددية الشعب اللبناني، لأنها، وحدها، قادرة على إيجاد استقرار متين في لبنان.
هذا بعض ما يُفترض في الحزب الذي نشجع على الانتساب إليه. إنما الأهم أن يكون الانتساب عن فهم واقتناع.
فإلى المترددين الحائرين،
وإلى الذين يودّون أن يحيوا حياة كريمة ويهيّنوا لمن بعدهم حياة أفضل،
وإلى الذين وعوا واجباتهم فأرادوا أن تكون حياتهم عملاً واعيًا،
إلى الجميع أقول: في بلادنا إمكانات جبّارة.
والأحزاب الديمقراطية المنظمة هي أحد السبل الرئيسة. فلا تكتفِ بالتأييد العاطفي القلبي. يدك بيدنا نرافق الحياة في طريقها الصاعد إذ:
“يعدو الزمان، ومن لا يعدو مستبقاً
أمامه، سحقته أرجل الزمن”
أنطوان نجم ـ عضو الهيئة التنفيذية في حزب القوات اللبنانية ـ 19 آذار 1958
“المسيرة” ـ العدد 1753
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
