#dfp #adsense

رميش وجيرانها “صامدين رغم كل التهديدات”…

حجم الخط

رميشرميشرميشرميش

في الخارج، أصوات القذائف الصاروخية والقصف الجوي يصدح في الأرجاء، ويرسم خيوط الموت والرحيل لأهل الجنوب، وفي الداخل، تحت قبة الكنيسة، كان أطفال بلدة رميش الحدودية، يرسمون الصليب على جباههم ويتناولون للمرة الأولى القربان المقدس، ويخطّون بالبراءة خيوط البقاء والحياة. رفض أهالي رميش الأبطال الصامدون وكاهن رعيتها، إلا أن يقيموا مراسم تناول القربانة الأولى لأطفالهم خارج أرضهم، فالمسيح هو الحامي، وبين أصوات التراتيل في بيت الرب، وأزيز الصواريخ في سماء الجنوب حيث بيت الشياطين المتلاعبة بحياة الأبرياء، اختار الأهالي البقاء والصمود.

للبطولة أوجه كثيرة، ومنها الصمود في أرض النار، هي حكاية تتكرر فصولها منذ نحو سبعة أشهر في القرى الحدودية الرافضة لمنطق الحرب العبثية التي تسببت بها ميليشيا إيران في لبنان، بحجة الدفاع عن غزة.

قرى بحالها سُوِيت بالأرض تمامًا، قرى لم تختر أصلًا منطق المواجهات العسكرية، كانت تريد أن تكمل حياتها بسلام من دون حركشة بوكر الدبابير الإسرائيلي ذاك، لكن شاء من يحتل القسم الأعظم من تلك الأراضي، أن يُقحمها ولبنان معها، في حرب استنزاف مدمرة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فكانت النتيجة أن دُمرت البيوت واحترقت المواسم ومات من مات وما زالوا يموتون عبثًا، وتهجّر آلاف الجنوبيين من الطوائف كافة، وضاع العام الدراسي وضاع الأمان والرزق، ولم تعد غزة بل تحولت الى كتل ركام هائلة والاف الضحايا، ولا فلسطين انتصرت، بل دُمر الجنوب بشكل غير مسبوق، وماتت هيبة الدولة المنحنية للدويلة وصار الخراب هو المنتصر الوحيد.

بداية الحرب حاول أهالي بلدات رميش ودبل وعين إبل وكل القرى المسيحية تلك، منع عناصر الميليشيا من التغلغل بين البيوت والقصف، كي يتجنبوا الردود الإسرائيلية العنيفة الوحشية، نجحوا نسبيًا، وبذلك نجت تلك القرى من الدمار الشامل، كما حصل في القرى ذات الغالبية الشيعية التي حوّلها “الحزب” الى خنادق ومتاريس ومنصات لإطلاق الصواريخ، “لكن بالفترة الأخيرة رجعوا تسللوا على حدود الضيعة وبلشوا حفر خنادق ببساتين الزيتون وإطلاق الصواريخ من هناك ما تسبب بحرق اشجار كبيرة معمِرة وحرق موسم الزيتون برمته” يقول غابي الحاج رئيس مركز رميش في “القوات اللبنانية”.

وفي الأيام القليلىة الماضية اندلعت سلسلة حرائق في خراج بلدة رميش ومحيطها، ما أدى الى حرق موسم الزيتون بكامله، وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد مرعبة للجيش الإسرائيلي وهو يستعمل آلة حربية تشبه المنجنيق القديم، تقصف به كريات النار باتجاه القرى الجنوبية، ردًا على قصف “الحزب” لعدد من المواقع الإسرائيلية، ما أدى الى اندلاع عدد كبير من الحرائق التي عمل الأهالي والدفاع المدني المستحيل لإخمادها.

هي حكاية كرّ وفرّ بين الحياة والموت هناك، بين الصمود والاستسلام، بين البقاء والرحيل، لكن الأهالي اختاروا البقاء كي لا تتحول بيوتهم الى متاريس يسكنها الموت حينًا، ومن ثم الدمار والرحيل “ما بدنا نترك أرضنا، أهالي رميش كلن رجعوا وكل القرى المسيحية رفضوا ترك بيوتن، رغم كل شي، شوفي علما الشعب كيف احترقت فيها بساتين الزيتون والشجر المعمر، كمان دير ميماس وغيرن وغيرن من القرى، لكن جميعًا رفضنا ترك بيوتنا، لان إذا هجرنا المكان سيحتلون البيوت وستتحول الى جبهات، لذلك نحنا صامدين ونتحايل على الحياة لنقاوم ونستمر” يقول الحاج.

أصعب ما تواجه تلك القرى، غير تبادل القصف، بحيث تحولت سماء رميش والجوار الى مرسال مراسيل للرسائل النارية المتبادلة بين “الحزب” واسرائيل، وغالبًا ما يقصف “الحزب” فتقع صواريخه فوق تلك البلدات وتحرقها بدل أن تحرق الداخل الإسرائيلي! اذن أصعب ما يواجهون هو الاستشفاء، إذ لا مستشفيات قريبة هناك، ما يضطر الأهالي للإسراع بمرضاهم باتجاه بيروت او الى اقرب مكان بعيدًا عن نار الجبهات. كل شيء متوافر بسبب تعاضد الأهالي مع بعضهم البعض، والأحزاب الموجودة وتحديدًا “القوات اللبنانية” التي تعمل ناشطة للقيام بواجباتها تجاه الأهالي، إضافة الى الجمعيات الأهلية والصليب الأحمر طبعًا والدفاع المدني، لكن ما ينقصهم أولًا وآخرًا هو الدولة، هو الأمان، هو عدم ترك الجنوب تحت رحمة “الحزب” الذي جر لبنان والشعب الجنوبي الى حرب ما كان يومًا يريدها، ولكنه ومنذ حرب تموز الـ 2006 تحصل رغمًا عن إرادة الشعب الحر، مسلمون ومسيحيون على حد سواء.

“لأيمتى بدنا نضل ندفع فاتورة نصرالله وتحرير فلسطين المفترض وأخبار اسماعيل هنية والسنوار وكل هالارهابيين؟ لأيمتى لبنان والجنوب بدو يضل فاتورة موت وخراب تهجير بسبب الحزب؟ اذا فلسطين راضية بحالها نحنا شو خصنا؟” يقول ابو مارون الجنوبي ابن بلدة دير ميماس التي احترق فيها ما احترق من زيتون ومحاصيل وما شابه.

كل يوم كل يوم على مدار الأنفاس، يعيش الجنوبيون على الخيط الرفيع بين الموت والحياة، يلهثون للحفاظ على بيوتهم، على حياتهم وأرزاقهم، يواجهون الدويلة بالصمود وبالعناد المقدس كما هي الأرض تمامًا، أرضهم غالية وكرامتهم عالية، ولا يمكن ان يستسلموا لمنطق التهديد، كلهم حراس لا ينعسون، “بس بدنا نموت منموت وجباهنا عالية، مش كلما حدن حمل سلاح وبدوا يهددنا منقلوا أمرك سيدنا، فشروا” يقول احد أهالي رميش، ويمضي الى أهل ضيعته يرسمون معًا خططًا جديدة لكيفية الحفاظ على أرضهم، وليبقى ما تبقى من أهالي في ذاك الجنوب المضرّج بعذاب السنين، وحسبهم أن الشجاعة صلاة وأن الرب لا يترك شجعانه من دون سلاح، وسلاحهم ذاك الايمان المطلق بأن الشمس ستعود وتشرق على أهل الجنوب وأن من صنع لها المغيب، عاجلًا أم آجلًا سيغيب هو حتمًا.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانبة

خبر عاجل