
أيتها المرتفعة حتى أعالي حدود تنورين القمم والقيَم، كسفرِ تكوينٍ أصيل من كيان جبال القورشيّة المنذورة، الموهوبة الإرث والميراث لحاملي أمانة حريَّة مُقاسة على قياس شعب قد قاسى طويلاً معاناة ومعاني مساكنته لأرضٍ، هي مملكة الشقاء الجسدي والارتقاء الروحي، إلى إيمانه بأنَّ الأشواك البريَّة التي تتعايش مع زرعه، إن لم تُثمر له عنبًا ودِبسًا وخمرًا فإنَّها حتمًا ستثمرُ تيجانًا تُكلِّل بظفَرِ الشهداء رؤوس ملوك صلبانه!
هي تنورين المرتفعة التِّلال والهضاب والرهبان والمُفكِّرين والأدباء والشعراء والمُرنِّمين رفعة القربان المرافقة لترنيمة: “الأقداس تُعطى للقديسين”.
وتنورين التي أهدت دائرة التطويب والتقديس داخل الكرسي البطرسيّ الرسوليِّ ثلاثة أسماء تنورية، هي بذاتِها عيدٌ يُضاف بكلّ ثقة وجدارة وفخر على عيد جميع القدٍّيسين:
ـ الأب أتناسيوس أبي مارون الصَّغبيني حبيس محبسة مار جرجس التابعة لدير مار أنطونيوس حوب، الذي أذهلَ ملائكة السماء وتفوَّق عليهم بسيرةٍ رهبانيَّةٍ نسكيَّة ملكوتيَّة وملائكية، عاشها طوال خمسين سنة، عيشةً وازت نسكيات النسّاك القورشيين والعموديين، حتى حوَّلت جسده إلى جسد هيوليّ لا حركة في يديه ورجليه حيث ألَّف هذا الجسدُ الأتناسيوسيّ العجيب ملحمةً سماوية حين كان تلميذه البار الأب مرقس داغر التنوري الحبيس يضع معلمه داخل سلٍ كبير من القصب، يحمله على ظهره كل صباح لينقله من قلاّيتِه إلى كنيسة المحبسة، كي يمضي كامل النهار أمام بيت القربان، ثمَّ يعود به إلى مهجعه عند المساء ليسهر ويغفو ويستيقظ على التسابيح والتهاليل وأفراميات صلواتِه الآرامية.
جنوب شرق ساحة دير مار أنطونيوس حوب يركن ضريح الصَّغبيني ” قديس ” العامَّة أنقياء القلوب والنية والإيمان وشفيع الرعيان والفلاحين الذين كانوا ويستمرون، أركان الجرود المارونية وأعيانها وأعيادها!
من تنورين، الأب العام أغناطيوس داغر التنوري الواقف الأشرس والصّامد الأصلب بوجه ووجهة قطار حرب “سَفَر برلِك”، مع ساعده الأيمن والأيسر وأمين سرِّه الأب مرتينوس طربيه التنوري المعروف “بالراهب القبضاي”.
ـ الأب العام التنوري قديس جياع مجاعة الحرب العالمية الأولى، لبس أسكيمًا رهبانيًا أبويًا مفصَّلاً ذات تفصيلة أغلى آيات وأمنيات معلمه الأقدس يسوع :”كنتُ جائعًا فأطعمتموني”، ويسوع أغناطيوس داغر التنوري كان الجائع الأول بين جياع جبل لبنان، فكانت كؤوس قرابين مذابح كنائس أديار الرهبانية اللبنانية المارونية وصليب صدر أبيها العام وتاجه الحبري، مع جميع أملاك الرهبانية وأرزاقها، أقدس رهينة أنقذت كثيرًا من الصادرة بحقهم أحكام الموت جوعًا وتجويعًا، على الرغمِ من الحصار الجهنمي الذي فرضه على قمح اللبنانيين وخبزهم، السفّاح العثماني الأكثر إجرامًا وبطشًا ووحشيَّة المدعو جمال باشا!
الرب يسوع مشى مشيتَه العجائبية على المياه، فلاقاه راهبه أغناطيوس داغر التنوري ماشيًا في الهواء، تحيط به ملائكة تواكبه بأجنحةٍ محبوكة متزيِّنة بجميع أرغفة الخبز التي أمَّنها لشعبه قديس جيّاع مجاعة حرب “سَفر برلٍك”!
ـ الأب أنطونيوس طربيه التنوري الحبيس كوكب بريِّة قاديشا وادي القديسين وكنز كنوز معلَّقات محابس أشيار قنوبين المُقامةِ في مساحاتٍ أرضية مسجَّلةٍ لعقارات آية توصية الرب يسوع: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض”، فارتفع بونا أنطون ارتفاع شير الحريَّة التنوري مُنقِّبًا في مناجم السماويين عن كنوزٍ لا تفنى، فوجدها على مذبح قداديسه جسدًا إلهيًا أفخارستيًا مولودًا من خبز وخمر.
وجدها تلمع في عيون أم الله الحنونة كنز الرحمة والمعونة. وجدها في طيور الوادي المُتَّكلة على خالقها بتأمين حصَّة طعامها. وجدها في بيوت ورديته الممتلئة بأسرار الخلاص التي تحتفظ بها أم المُخلِّص. وبونا أنطون وجد كنزه في خبزه اليابس ووجده جرحًا بليغًا موسومًا بركبتيه معظم النهار والليل على مركع الحجارة. وجده مسحًا شائكًا ينغرسُ ألمًا في لحم جسده كي يشفيَ غليل روحه التوّاقة دائمًا إلى “نبع الينابيع وسيِّد العطايا”. وجده في صيامٍ يأمل ويرجو أن يكفِّر بعض التكفير عن كبير آثام المُتسبِّبين بمجاعات الأطفال. ووجد بونا أنطون طربيه التنوري أثمن كنوزه في جسده المُرسَّم بخريطة درب الصليب من أولها حتى رابع عشرها، متماثلاً متشابهًا بجسد سيده المصلوب، كأنَّ جسديهما جرح مفتوحٌ من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين !!
تنورين القِمم والقيَم، لكِ من الأرز الربّاني ما يؤهِلكِ لأحقية ثأرك من هيكل سليمان المسحوبة أخشاب بنيانه من ضلوع وعروق أرز لبنان وأنتِ تزيدين وزنات كنائسك وأديارك ومحابسك ومزاراتِك ثلاث وزنات عمرانيّة كنائسية جديدة تُشيِّدينها على اسم ثالوث قدّيسي عهدك الجديد مار أتناسيوس أبي مارون الصَّغبيني. مار أغناطيوس داغر التنوري. مار أنطونيوس طربيه التنّوري!
لك من المفكِّرين الاقتحاميين والشعراء الثوار ما يكفي للارتقاء والانتساب والانضمام إلى جبهة آداب وقصائد أفرام السرياني الموصوف بكنارة الروح القدس، تلك الجبهة الأفرامية التي حمت قدسية الكلمة من هجمة الإسفاف وحرست البحور الشعريةِ مِن غزوات قراصنة القوافي، وهل أجدر من الفكرِ التنّوري الخلاَّق في بناء خَورس شعريّ موسيقيّ يتعهَّدُ أيام احتفالات تطويب وتقديس رهبانٍ تنارنة، حوَّلوا تنورينهم ولبنانهم إلى أعرق وأبهى هياكل الروح القدس!
لك من الرهبان ما يكفي لجميع صفحات سنكسار “رهبان ضيعتنا”، كما لكل صفحات كتاب “كشف الخباء عن محابس لبنان والحبساء” ولكِ من أيقونة شربل الرسمية وجه راهبك الأب مارون كرم الحوبيّ التنوري المنسوخ عن وجهه أصدق وأدق وأوضح ملامح حبيس عنايا قديس لبنان والعالم. ولكِ جميع حقوق وواجبات إعادة نشر وتوزيع قانونٍ كان هدفه الأول والأخير منع وتحريم بيع ميراث أرض بلاد الأرز بالمزاد العلني والسري، زمن هبطت تلك الثروات المالية الأسطورية المفاجئة على حاملي صكوك آبار النفط.. “قانون الحَدّ مِن تملُّكِ الأجانب في لبنان” الذي نُشرَ وأقِرَّ زمن الستينات من القرن الماضي هو القانون الذي ركَّزَ ومتَّن أساساته القانونية والدستورية وتبنّاه وجاهد وجابه وواجه لأجل أقراره وتنفيذه رئيسٌ عام مِن أفذاذ رؤساء الرهبانية اللبنانية المارونية الأب العام يوسف طربيه التنوري الذي تمَّ في عهده المثمر المبارك أعلان طوباوية الراهب اللبناني الماروني شربل مخلوف نهاية المجمع المسكوني الثاني يوم 5 كانون الأول 1965!
ولكِ من المواهب الموسيقية يا تنورين ما يوازن مواهب الروح القدس السبعة وما يحافظ على ميراث أوزان زجليّات القديس يعقوب السروجي الآرامي كما على ميراث زجليات أبن القلاعي. ولكِ يا منبع الأصوات الجوريّة من المرنٍّمات ما يكفي لتأليف جوقة ساروفيم تنورية تقدِّم نعمة حناجرها ليوم أفراح تطويب وتقديس قديسيك الثلاثة وليوم رفعهم سراجًا رهبانيًا تنوريًا لبنانيًا ساطعًا فوق مكيال هذا العالم!!!
