
لو يمكننا الجلوس الى كرسي الزمن، واستعادة أحداث الماضي، نحذف ما نكره، ونبقي على ما نحب، ونكرر ما عشقناه، لو قُدِر لنا الحصول على هذه القدرة الفائقة، لأبقيت على ذاك اليوم بتفاصيله كافة مع إمكانية إضافة بسيطة، لأبقيت ولأعدت مرارًا وتكرارًا لحظة إطلاق سمير جعجع من معتقله، وجلوس البطرك صفير الى كرسيه يراقب المشهد مبتسمًا فرحًا، وأنا أرقص أمام شاشة التلفزيون وأقبّلها كالمجنونة. أما التفصيل الصغير الذي كنت أحب إضافته، ولو كان الحكيم سيرفضه، هو معاقبة، كي لا أتجرأ وأقول الانتقام، من بشار الأسد والعملاء الصغار في لبنان، والله فعلها عنا بطرقه الخاصة وما زال يفعل.
11عامًا وثلاثة أشهر، اختفوا فجأة لحظة أطل الحكيم من غياب قهر واضطهاد وعبودية واحتلال ومقاومة على مدار الأيام والساعات، كل ذاك اضمحل بلحظة، ببسمة الوجه النحيل، بطنطنة أجراس الكنائس، بإطلالة قائد بقي هو القائد وهو في ظلام الاعتقال، بقي المقاوم الشرس وهو في زنزانة المتر مترين بالكاد، بقي المنتصر هو المحاصَر بسجّانيه والأغلال تقرقع على باب زنزانته وهزمهم، هزمهم بصلابته وقوة القلب الذي لم يحقد، هزمهم بالقلب النظيف الذي لم يخف على مصيره الشخصي، بل على الرفاق الذين تناهت أصوات تعذيبهم من أبواب زنزانتهم لتهزّ عرش الشجاع ولم يهتز، هزمهم بالصلاة والصلابة والعقيدة، وكما اعتقل وهو مرفوع الرأس، خرج مرفوع الهامة فوق راحات الاحترام، وعاد الى الحرية المناضل الأشرس في وجه مشاريع الهيمنة والاحتلال والفساد، خرج وصارت “القوات اللبنانية”، ليس مجرد حزب، بل قضية الإنسان والأرض والحرية في لبنان.
“ما كنت متوقعة يضهر من الاعتقال صراحة، لكن، وبسبب صموده في الاعتقال، كان عندي إيمان داخلي أنه سيأتي يوم ما ويخرج الحكيم الى الحرية. في إحدى جلسات المحاكمة التي حضرتها، وكنت مراسلة الـLBC، شعرت أنه سيخرج حتمًا لأنه كان مصممًا بشكل كبير على إظهار الحقيقة، وأن يصل بالمحاكمة للنهاية، ولو كان يعيش كل عواقب القرار الذي اتخذه ليبرهن أنه على حق، ولذلك لم يهرب كما نصحوه. في عقلي الباطني كنت مؤمنة أنه لن يبقى أسيرًا، لكن في اليوميات والتفاصيل والجو السياسي العام، كنت أقول إنه لن يخرج. وأذكر هنا ما قاله لي مرّة الرئيس رفيق الحريري، في خلال تغطيتي لإحدى زياراته الى باريس، عندما سألته هل ممكن أن يكون ثمن التمديد لإميل لحود هو إصدار قانون العفو وإطلاق الحكيم؟ قال لي بأسف “كبري عقلك يا دنيز أنا سني ومش حاملني لحود، رح يتحمّل جعجع كزعيم ماروني يطلع من الحبس”؟، تخبر الإعلامية دنيز رحمة فخري، التي واكبت تفاصيل إطلاق سمير جعجع من الأسر، وكانت أول صحافية تجري معه المقابلة الأولى له بعد إطلاقه بفترة قصيرة.
هل توقعت الإعلامية المناضلة المعروفة بشفافيتها ومهنيتها العالية، وبصداقتها للحكيم وعائلته، أن ترى الحكيم بصورة مختلفة على المستوى الحزبي والسياسي؟ “لا أبدًا” تقول، “لمّا خرج ما توقعت صورة جديدة، إذ إن صورته القديمة كانت مطبوعة فيّ، صورة القائد الشجاع صاحب القرار، وأول ما شفتو على المطار، عرفني فورًا، ولفرط حماسي بلقائه كنت كلما عبر وفد لإلقاء التحية عليه، إمشي معن تـ سلِم عليه، وأذكر إني غمرته وقلت له “أنت بطل حكيم”، وبما إني كنت مراسلة الـLBC، كنت الوحيدة التي تمكنت من الدخول الى الكواليس والاقتراب منه الى هذا الحد، ولما عاد من رحلة الاستشفاء واستقر بداية في الأرز، كنت يوميًا أغطي نشاطاته واستقبالاته وأجريت معه المقابلة الأولى، ولاحظت يومها قوة ذاكرته المتقدة، إذ لم ينسَ أي من الوجوه التي عبرت، وكل وجه يحادثه بشكل شخصي، وكنت المس ردة فعل الناس المتعاطفة، والفرح الكبير الذي غمر الناس بخروجه، إذ استرجعت الأمل بمجرد رؤيته حرًا من جديد”، تقول فخري.
حتى اللحظة لم ينسَ مَن رافق خروج الحكيم من الاعتقال، تلك الزيارة الغريبة التي قام بها سجّانه، للاطمئنان عليه في الأرز، لم يكن أحد يتوقع أن يزور سجّان سجينه السابق، وفي البال أنه ليس مجرّد سجّان، بل هو العدو إذا جاز التعبير، لكن ما لم يكن يعرفه كثر آنذاك، أن أشهر معتقل في الجمهورية اللبنانية، أسر سجانه بدماثته وباحترامه لوظيفة الرجل، الذي تحوّل على مرّ الأيام والليالي الطويلة الى صديق صامت، “كان في علاقة خاصة بينهما، علاقة احترام كبير، ويوم زاره السجان طلب الحكيم أن يبقيا على انفراد، وكانت لحظة مؤثرة جدًا” تروي دنيز بتأثر كبير.
تابعت فخري كل خطوات الحكيم، من المطار الى الأرز ثم الى مقره في كسروان، وحتى لحظة استقراره في معراب: “من لحظة خروجه كان مركزًا على الطلاب والجيل الجديد، كان يقول لي الشغل ع الجامعات والمدارس، اعتبر منذ البداية أن الجيل الجديد هو من يجب أن نتعب عليهم، بمعنى آخر أن الحكيم خرج مخططًا ومصممًا على ما يجب أن يفعله، خرج وكأنه كان يتابع يوميًا تفاصيل ما حصل في غياب 11 عامًا وكان مقررًا سلفًا في أي اتجاه يجب العمل وما هي نقطة الانطلاق”، تقول دنيز بدهشة “ومع الأيام اكتشفنا إنو كل ما صمم لأجله نفذه وكان هو الصح” تقول دنيز.
لم ينسَ الحكيم رفاقه القدامى، ولا الشهداء، ولا المعوقين، اهتم بهم جميعًا “ولما انتقل الى أوتيل بزمار، تكثّفت اجتماعاته السياسية والحزبية، وبدأت اللقاءات مع الحلفاء والكتل السياسية كافة، وهنا بدأ مشوار القوات في المشروع السياسي، وكان واضحًا انو الحكيم وضع له خارطة طريق بمسار جديد إنما على المبادئ ذاتها” تقول فخري.
بداية، وبعد إطلاقه من الاعتقال، كان كلام سمير جعجع قليل الكلام، لم يولي الإعلام أهمية كبيرة، وكان يرفض المقابلات ليركِز على عمله، ومن بعدها بفترة عاد الى الإعلام ليظهر للعالم صوابية القوات اللبنانية ومن هم القوات وما هي قضيتهم، “كل عمرو رجل استثنائي، قبل السجن وفي السجن ومن بعده. وأظهرت الأيام بعد خروجه من السجن، مدى استثنائية هذا الرجل الكبير، وما اختبرته أنا شخصيًا معه، أنه صاحب مبدأ ثابت، لا يغيره مهما كانت الضغوطات كبيرة وخطيرة، وأنه مع الحكيم لا شيء مستحيل، لما خرج قلت ستعود القوات، وفي رهانه على الجيل الجديد، قلت إنه سيصل الى القوة والانتشار التي عمل لأجلهما، لأن عنده تصميم، ولأن هذا حزب صاحب قضية لذلك لا مستحيل أمامه” تقول دنيز رحمة فخري.
لو قدر لنا أن نستعيد أحداث حياتنا، لأعدت مرارًا وتكرارًا لحظة اطلاق سمير جعجع من أسره، لأن في تلك اللحظة تحررت أنا وكل رفاقي، وكل لبنان ومعه دخلنا الى عبق النضال من جديد، ولا أعرف متى يريحنا ذاك القائد الذي لا يتعب إلا إذا ارتاح.
