
لم تكن مفاجئة ردات فعل الكثير من اللبنانيين الموحدة والمجمعة على نشر “الحزب” للفيديو الممنتج فنيًا وتقنيًا، عن أنفاقه العملاقة التي تحمل اسم عماد 4، إذ سبقتها ردات فعل مثيلة عربية وفلسطينية موحدة ومجمعة على أنفاق حركة ح. التي شيدت لعشرات السنوات ولمئات الكيلومترات تحت مدينة غزة، والتي كلفت ملايين الدولارات من الدول الداعمة لـ”الحزب” والحركة وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية في إيران.
لقد استغرب الكثيرون بعد اندلاع المواجهات في غزة كيف أن المقاتلين ينعمون بالحماية والزود عن أرواحهم في الأنفاق، في حين يحرم المدنيون من شيوخ وأطفال ونساء من أبسط وسائل الصمود والأمان والبنى التحتية والملاجئ والمستشفيات التي لم يصرف عليها “شيكل” واحد (العملة المعتمدة في غزة)، في حين أن دولة إيران تغدق ملايينها على العتاد الحربية والدشم والتجهيزات تحت الأرض مما تسبب بتعريض عشرات الآلاف للموت والاصابات والتهجير.
شأنه شأن حركة ح. وبالاستناد الى ما يستنتج حتى الآن من لحظة خوض مواجهة الإسناد، لم يعر “الحزب” أي اهتمام قبل خوضه حرب تموز في 2006 وبعدها، وقبل إعلان معركته على طريق القدس لبيئته المدنية وأهله من شيوخ وأطفال ونساء، وهذا ما أكده مضمون منشور الإعلام الحربي لـ”الحزب” عن الأنفاق العملاقة المجهزة المكلفة في حين أن المنازل على طول خطوط المواجهة تسقط على رؤوس قاطنيها وما من ملجأ أو ملاذ يلجأون اليه أو يلوذون به. وبدل أن تكون الملاجئ لحماية الناس، ها هي الأنفاق تحت قرى وبلدات ومنازل الناس، لكن لمقاتلي “الحزب” دون بقية خلق الله.
لقد كان للأمين العام للحزب نفس موقف أخصامه وردّات فعلهم على عدم إيلاء تأمين الملاجئ للمدنيين الاهتمام الكافي، إذ يقول في 25 أيار 2013: “…الإنسان يتحدث عن عدوه وهو يحسن صنعًا، فيما يعني مصالحه ومشاريعه، لديهم وزارة خاصة اسمها وزارة الجبهة الداخلية، هناك وزير الجبهة الداخلية، هذا عمله إن حصل أي شيء على الكيان هو يدير الجبهة الداخلية كلها. هذا ملف، له صاحب، له مسؤول… عند العدو هناك وزير جبهة داخلية… ماذا تعني الجبهة الداخلية؟ تبدأ المناورة من رئيس الوزراء للجيش والشرطة والدفاع المدني ويجرون فحصًا على الملاجئ، على صفارات الإنذار، وعلى وسائل الاتصال وعلى الإسعافات وعلى المستشفيات وعلى الطرقات واستيعاب المهجرين والنازحين. يجرون مناورة كاملة منذ ست سنوات. وهذا العام ستبدأ غدًا ـ ربما كثر من اللبنانيين ليس لديهم علم ـ الأحد لديهم مناورة للجبهة الداخلية لكن لم يطلقوا عليها اسم تحول 7 بل أطلقوا عليها اسم جبهة صلبة واحد. ست مناورات في الجبهة الداخلية، بحثوا نقاط الضعف. أنا لا اتحدث بكل هذا لتعبئة وقت، رأوا نقاط الضعف أين، والنواقص أين وأين، عالجوها في السنة الثانية والثالثة وسادس سنة. الآن يقول العدو: لدي جبهة داخلية صلبة وجاهز للحرب على كل الجبهات ولأسوأ الفرضيات…
لنترك الإدارة جانبًا. في المستشفيات والاسعافات والدفاع الوطني يا أخي صفارة إنذار، رادار يقول إن هناك طيران داخل على البلد، لا يوجد شيء على الإطلاق، ولا حتى بنية تحتية، هم عندما يجرون مناورات الجبهة الداخلية يفحصون الملاجئ. الحمد لله في لبنان ليس لدينا ملاجئ نفحصها، يفحص الغرف الآمنة، وفي لبنان لا يوجد غرف آمنة لنفحصها…”
بمقابل تحميل نصرالله الدولة اللبنانية “العاجزة المفلسة”، يتباهى “الحزب” بالدعم الايراني “المفتوح” لحزبه ولن يكون آخره ما كشفه من إنفاق ايراني على الأنفاق كونها جزء من الدعم العسكري الاستراتيجي لـ”الحزب”، وعن هذا الدعم يقول نصرالله في 7 شباط 2012: “نعم نحن نتلقى الدعم المعنوي والسياسي والمادي بكل أشكاله الممكنة والمتاحة من الجمهورية الإسلامية في إيران منذ عام 1982. هذا الدعم الذي قدم منذ البداية هو مفخرة الجمهورية الإسلامية في إيران لأن هذه المقاومة في لبنان التي حققت أكبر وأهم وأوضح انتصار عربي على إسرائيل في 25 أيار 2000 ما كان هذا الانتصار ليتحقق لولا هذا الدعم المعنوي والمادي الإيراني لحركة المقاومة في لبنان، هذا الانتصار الذي تحقق بلا قيد ولا شرط تحقق بدعم إيراني”، ليعود ويقول في 24 حزيران من العام 2016: “نحن يا خيي على راس السطح موازنة الحزب ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران، تمام؟…طالما يوجد في إيران فلوس يعني نحن لدينا فلوس، ومالنا المقرر لنا يصل إلينا”، لافتًا في الإطار نفسه في 1 تشرين الثاني من العام 2019، “إذا انهار البلد ولم تعد الدولة تستطيع دفع المعاشات فإن المقاومة ستبقى موجودة وتدفع المعاشات لشعبها”، متباهيًا في 17 حزيران 2020 بقوله: “نحن من يأتي بالدولار إلى لبنان”.
فالإنفاق الإيراني على حركة ح. و”الحزب” والحشد والحوثي وعلى الأنفاق لم يمنع تدمير غزة على رؤوس أكثر من مئة ألف فلسطيني مدني بين قتيل وجريح معظمهم من الأطفال والشيوخ والنساء، وإحجام كل من حركة ح. و”الحزب” عن إنفاق ما يصل اليهم من “مال مقرر لهم” من إيران على المدارس والمستشفيات والبنى التحتية وبناء الملاجئ، هو من فاقم أزمة جبهتيهما الداخلية النازفة حتى الموت.
وتثبيتًا لما يفعله كل من “الحزب” وحركة ح. واقعيًا في هذا الإطار ولصوابيّة التشكيك وردّات الفعل الموحدة المجمعة، كشف المسؤول الحمساوي موسى أبو مرزوق في 30 تشرين الأول 2023 لقناة روسيا اليوم “إن الأنفاق في غزة تم بناؤها لحماية مقاتلي الحركة من الضربات الجوية وليس لحماية المدنيين، والجميع يعلم أن نسبة 75% من سكان قطاع غزة هم لاجئون، وبالتالي يتوجب على الأمم المتحدة حمايتهم”، مشيرًا إلى أنه وفقًا لاتفاقيات جنيف، يتوجب على الاحتلال تقديم جميع الخدمات للمدنيين… أي أن بو مرزوق رفع مسؤولية حماية “مدنييه” من نساء وأطفال وشيوخ عن كاهل حركته ومنحها و”رقبتهم” لكل من الأمم المتحدة والعدو الإسرائيلي الذي لطالما اتهمته الحركة وحلفاؤها بسعيه لإبادة الشعب الفلسطيني “جماعيًا”.
وانطلاقًا من مسؤولية “قوى السلطة” سواء كانت رسمية حكومية أو قوى بحكم الأمر الواقع كـ”الحزب” وحركة ح. أو حتى احتلالًا على ما أشار بو مرزوق، فإنه لا يمكن اعتبار الإنفاق على الأنفاق لحماية المسلحين بدل بناء الملاجئ لتأمين المدنيين، على ما أشار نصرالله نفسه، انجازًا أو انتصارًا بل إخفاق في حماية البيئة الحاضنة لكل من “الحزب” وحركة ح. وانطلاقًا من دعوة نصرالله السابقة لضرورة تجهيز الملاجئ على الطريقة الإسرائيلية وهو يتحدث عن عدوه “وهو يحسن صنعًا”، من الضروري أيضًا العودة الى نموذج ودرس قديم مماثل، حبذا لو يحتذى به، عندما منحت الحكومة البريطانية في 21 أيلول 1940 الإذن الرسمي لاستخدام مترو أنفاق لندن كملاجئ للمدنيين” على عكس ما تفعله الحكومات والأحزاب والحركات الممانعة.
.jpg)