
يُعتبر لبنان من الدول التي ترتبط سياستها الخارجية بوضعها الداخلي إرتباطًا وثيقًا الى حد أن انعكاساتهما على بعضهما بعضا، سلبًا أو إيجابًا، أصبح من ثوابت الواقع اللبناني.
وفي ضوء التجارب التي عانتها الدولة اللبنانية أرى أن الأرضية التي يجب أن ننطلق منها هي سياسة “حياد لبنان الدولي الدائم”. فتُبنى سياسة لبنان الخارجية على مبدأ “الحياد الدولي الدائم” مع بقاء لبنان عضوًا في جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة.
الحياد الدولي الدائم هو الوضع القانوني والسياسي لبلاد يفرض نظامها الدُولي الامتناع عن كل عمل من شأنه جرّها الى نزاع مسلّح قائم، أو محتمل، أو مسّ عدم الانحياز الذي ينبغي أن يسود علاقاتها مع سائر الدول، أيام سِلْم هذه وحربها. إنه “وضع إتفاقي يتخذ في كل حالة وجهًا خاصًا”.
ولا بد من لفت النظر الى أن مجلس إدارة “متصرفية جبل لبنان” كان قد طالب، رسميًا، بتاريخ 10 تموز 1920، – أي قبل إعلان “دولة لبنان الكبير” في 1 أيلول 1920 – بالأمور الآتي نصّها الحرفي:
استقلال لبنان التام المطلق.
حياده السياسي، بحيث لا يحارِب ولا يُحارَب ويكون بمعزل عن كل تدخل حربي.
إعادة المسلوخ منه سابقاً بموجب اتفاق يتم بينه وبين حكومة سوريا.
المسائل الاقتصادية يجري درسها وتقرر بواسطة لجنة مؤلفة من الطرفين وتنفذ قراراتها بعد موافقة مجلس نواب لبنان وسوريا.
يتعاون الفريقان في السعي لدى الدول للتصديق على هذه البنود الأربعة وضمانة أحكامها.
الفقرة الثانية، كما رأينا، تعبّر صراحة عن “الحياد” في تلك الظروف الصعبة.
وعمر هذه المطالبة قرن. والداعون الى الحياد هم: “الحاج محمد حسن، الياس الشويري، فؤاد عبد الملك، محمود جنبلاط، سليمان كنعان، خليل عقل، سعدالله الحويك”، الذين يشكّلون أكثرية تمثل مجلس إدارة جبل لبنان النيابي المؤلف من ثلاثة عشر نائبًا. وسعدالله الحويك هو “شقيق” البطريرك الماروني الياس الحويك الذي عمل، في العمق، على تحقيق “دولة لبنان الكبير”.
يكمن “دور لبنان” في تعميم مبدأ احترام التعدّدية المجتمعية احترامًا صادقًا نابعًا من جوهر الضمير الذي أنشأ “دولة لبنان الكبير”. فيوم ينجح اللبنانيون في ذلك سيفسحون لكل جماعة منها في وضع نظراتها وتطلّعاتها، بكل حرّية، على محك التجربة الحضارية. فيبقى وينمو ما هو قابل للتطوّر. ويزول ما لم يعد متوافقا والتقدم المطّرِد. وهكذا يعطي اللبنانيون شيئاً جديدًا يساهم في إغناء الحضارة الإنسانية في الشرق، وفي جعل الأسرة الدولية تَلِجُ طريقاً يكون لها في كل خير.
أنطوان نجم ـ “المسيرة” ـ العدد 1755 ـ من كتاب مفاهيم وقضايا
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]