#dfp #adsense

23 آب.. بشير والدولة الأمّة

حجم الخط

بشير الجميل

انتُخِب بشير الجميل رئيسًا للجمهوريّة في 23 آب 1982 ويومها صار للجمهوريّة اللبنانيّة فخامة. ويوم سقط في 14 أيلول 1982 سقطت فخامة الجمهوريّة، ولا زالت بلا فخامة حتّى يومنا هذا.  بشير الجميل حلم سقط، لكنّ إصرارنا على البقاء والاستمرار في هذا الوطن لم يسقط “الحلم”. لذلك، نحن مستمرّون على نهج البشير. قيادتنا حكيمة. تميّز الخطأ من الصواب. ولن نكرّر تجارب الماضي. بل سنستكمل ما بدأه البشير.

 

بشير صار الرئيس قبل انتخابه

هذا الرئيس الذي بدأ برئاسته قبل ثماني سنوات من الوصول إليها. يوم عمل بكلّ ما أوتي من قوّة ليؤسّس “القوّات اللبنانيّة”، الحاضنة الضامنة للوجود المسيحي الحرّ، التي نجح بتحويلها إلى مقاومة لبنانيّة أصيلة، أخرجها من بوتقتها الطائفيّة ليجعل منها نموذجًا في الحفاظ على الدّولة والمؤسّسات.

بشير أقسم يمينه طالبًا من منتخبيه أن يكونوا شركاء لا شهود وحسب. ولعلّ هذا ما جعله غير مقبول عند أولئك الذين حاولوا أن يغرّوه بسلام أحاديّ الطرف، حتّى أدّى ذلك إلى اغتياله. بدأ مشروعه بتطبيقه قبل إعلانه. احترام دستور الأمة اللبنانية وقوانينها، وحفظ استقلال الوطن وسلامة أراضيه. وهذا ما عمل عليه، طوال قيادته للمقاومة اللبنانيّة.

والأهمّ في فكر بشير السياسي أنّه آمن بأنّ قسمه الذي تلاه في 23 آب هو “على روح غائب”. كما قال في خطاب قسمه، وعلّل ذلك لأن “لا الدستور مصان، ولا القوانين مطبقة، لا الاستقلال كامل ولا الأرض محرّرة، لا الوطن سيد ولا الأمة موحدة”.

 

بشير “الحكيم” الذي خافوه … فاغتالوه

لم يكتفِ بشير بتشخيصه الحقيقي بكلّ جرأة للواقع اللبناني بل أعلن خارطة الطريق لتصويب المسار عبر “استعادة هذه المقدسات، وإعادة الاعتبار إليها، لا إلى احترامها فقط والمحافظة عليها”. وهو الذي أتى ليكمل هذه المهمّة؛ اعتبر بشير أنّ “الرئاسة قيادة لا حراسة. الحراسة يقظة جامدة، القيادة يقظة متحركة”.

وهذا ما لم نشهده يومًا بعد البشير حيث أضحت الرئاسة مجرّد حراسة جامدة. ولم تعد يومًا قيادة. وذلك لا يعود إلى تعديل صلاحيّاتها في الطّائف، بل إلى إرادة الرئيس نفسه الذي قرّر بعد الطّائف أن يكون حكمًا محكومًا لا حاكمًا حكمًا، كما نصّ عليه الدّستور. وإن مارس صلاحيّاته، فيمارسها بكيديّته التحاصصيّة حتّى يحافظ على وجوه السياسيّ. نتيجة لهذه العقليّة المريضة، فرغت الرّئاسة من جوهرها، والتزلّف للمصلحة الشخصيّة تحوّل إلى نوع جديد من الذميّة السياسيّة، وضاع الوطن كلّه، حتّى أضحى اليوم بلا رئاسة بعد موت الفخامة.

 

بشير قرّر المواجهة، لذلك اغتالوه.

بشير تحمّل مسؤوليّاته حتّى قبل أن يصبح رئيسًا فاغتالوه.

هو الذي أعلن احترامه للاستحقاقات الدّستوريّة قبل الوصول إليها. ورفض تمييع المواقف لأنّ “التأجيل خوف والتمييع ضعف، بينما نحن أمة شجاعة وقوية”. هو صنع قوّة أمّته اللبنانيّة. ورفض أن يحقّق قوّته الذاتيّة على حساب قوّة أمّته. وأعلن إقدامه على اتّخاذ القرارات الصريحة والسريعة.  لذلك خافوه… فاغتالوه.

 

من الوجود الجامد إلى الحضور الفاعل

اعتبر بشير الجميّل أنّ “الشرعية حضور في الشعب، لا وجود في الدولة”. واليوم صارت الشرعية بوجود منظّمة مسلّحة تدعم مافيا فاسدة في الدّولة، فأضحى الشعب مشرّدًا بلا دولة يبحث عن دولة حقيقيّة تأويه. لذلك، قرّر بعضهم الرحيل مع بشير وساحوا في أصقاع الأرض الأربعة، هائمين يبحثون عن هويّة تؤمّن لهم تلك الحرّيّة المجرّدة من الخوف. بينما آثر بعضهم الآخر البقاء والصمود إيمانًا منهم بأنّ مَن يصبر إلى المنتهى يخلص وتثبيتًا لمبدأ البشير بأنّ “الوجود فعل، والحضور تفاعل”. فصار حضور هؤلاء تفاعلا حيًّا استطاع أن يعيد ولو جزءًا يسيرًا من دولة البشير. حتّى إنّ هذا الحضور نجح بإعادة بعض الذين رحلوا مع بشير إلى مسيرة البشير، واستكملت المسيرة، فتحوّل وجودهم من هيئة، إلى هيبة في الحضور. وانتقلنا جميعًا من جدليّة الوجود إلى ديناميكيّة الحضور.

استطعنا على خطى البشير أن ننمّي الشرعية بمقدار ما جعلناها تقوم بدورها، عبر دفعنا الدّولة بوجودنا فيها إلى استخدام وسائلها وأجهزتها من دون استثناء ولا استئذان من أجل توفير الأمن والحرية لشعبها من دون تمييز. ولكنّ بعض الفلول والمرتهنين والفرحين بذمّيّتهم إمّا لغبائهم وإمّا لنشوتهم بالثلاثين من فضّة، غالبًا ما كانوا يرجعوننا إلى زمن السنوات الثمانية ما قبل الـ23 من آب 1982. لذلك، نحن هنا. كنّا هنا وسنبقى على خطى البشير لنحقّق ما صبا إليه. بشير آمن بدور الجيش الوطني لذلك ثقافتنا عمادها ومرجعها مؤسّسة الجيش الذي يقوم على احترام التركيبة اللبنانيّة التعدّديّة.

 

بشير النّهج

نهج البشير علّمنا كيف نكون في السلطة وكيف نعارض متى قرّر النّاس عدم منحنا أصواتهم.  “معارضة سياسة الدولة ربما هي ضرورة برلمانية. معارضة مؤسسات الدولة هي حتمًا ضرر وطني”، وهذا ما نقوم به اليوم مع المعارضة البرلمانيّة الدّستوريّة إذ نقف بوجه من هم متسلّطون على السلطة ليكون “الوفاق حكم لا لقاء، إرادة وطنية لا إجماعًا وطنيًا”، كما اعتبر البشير في 23 آب. ولعلّ هذا ما أدّى إلى اغتياله.

بشير رفض منطق التسويات الذي يبحثون عنه اليوم تحت مسميات طاولة الحوار والوزير الملك والثلث المعطّل وغيرها من البدع.  حيث اعتبر أنّ “الإرادة الوطنية ممارسة ديموقراطية. بينما الإجماع الوطني تسوية ديموقراطية. والوفاق قناعات موحدة تجاه الوطن، لا تنازلات متبادلة بين فئات الوطن. والتنازل افتئات من حق، وهذا يترك انزعاجًا. الاقتناع صدى الحق، وهذا يترك ارتياحًا”.

لذلك اغتالوه وأسقطوا نهجه المؤسّساتي. فهم لا يريدون الممارسة الديموقراطيّة بل التسوية على حساب الديموقراطيّة. ويعملون على تثبيت نهج التنازلات على حساب الكرامات. لذلك تعطّلت محرّكات الدّولة بعد البشير. وساد منطق التسويات. وسقطت المؤسسات في المحظورات. مرّة مع المحتلّ السوري وبعده مع الرّديف للاحتلال الايران المتمثّل بوجود منظمة “الحزب” الذراع العسكري للجمهوريّة الاسلاميّة في إيران، هذه المنظمة التي نجحت بأدلجة قسم كبير من اللبنانيين وفقًا لأجندتها الخاصّة إمّا بالترغيب وإمّا بالترهيب.  وعوض ان نكون اليوم دولة الأمة لا دولة الإدارة كما أرادها البشير، صرنا أميمةً بلا دولة، بعضنا ارتضى العيش في دويلة حتّى أعطاها شرعيّة الوجود فأضحت هي بذاتها الدّولة. ولأنّنا على خطى البشير تمسّكنا بأمّتنا اللبنانيّة وبمنطق الدّولة ولن نرضى بسواه.

 

بشير ونظريّة “الدّولة الأمّة” وما بعد إسقاطها

وبين دولة الأمّة ودولة الإرادة صار لبنان دولة المزرعة التي رفضها البشير. وتمّ طمس الحقيقة القوميّة. وبعد البشير لم تتسلّم الأمّة الدّولة إلا في جزء يسير منها في العام 1986، يوم نجح حزب “القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع بإقامة منطقة حرّة ذات مشروع سياسي واضح الأهداف، خطّ أسسه المفكّر الكبير أنطوان نجم بمشروع سياسيّ واضح يحاكي التركيبة المجتمعيّة اللبنانيّة. وعاد ليسقط حلم البشير يوم دخل حصان طروادة إلى المنطقة الحرّة وضرب القوّة الضامنة على قاعدة “من بيت أبي ضربت” ولأنّ أعداء الانسان أهل بيته. هكذا كان. وهكذا صار. ومرّة جديدة سقط حلم البشير، ولم يسقط الحلم. والمواجهة مستمرّة. والمسيرة مستمرّة. ليتحقّق هذا الحلم، فتعتلي الأمّة الدّولة وتعود الكرامة الوطنية إلى نصابها، لا خوف ولا قلق، لا غبن وحرمان، لا وصاية وانتداب، لا تبعية واحتلال، لا ضغط وإكراه. وعندها فقط تنتهي مرحلة الاستضعاف.

“لا تدخل في شؤون لبنان الداخلية، لا تسلل عبر الحدود، لا خرق للأجواء والمياه الإقليمية، لا اتفاقات تحت وطأة السلاح، لا تعهدات في ظل الاحتلال، لا غريب يخرج على القانون، لا طارئ يستوطن البلاد، لا دبلوماسي هنا يتعاطى مع غير حكومة لبنان، لا دبلوماسي لبناني هناك ينفذ سياسة غير لبنانية. لا فروع لأحزاب مستوردة”.

ولعلّ هذا هو الجزء الأهمّ من مشروع البشير.  ويوم سقط البشير. تحقّق نقيض هذا الكلام بالتمام. فصار التدخّل في شؤوننا الدّاخليّة مشروعًا سوريًّا وإيرانيًّا وحتّى أمميًّا. وحدودنا باتت سائبة. وتعهّدنا بعضنا لبعض في ظلّ الاحتلال بعد ذلك السابع من أيّار في العام 2008 حفاظًا على ما تبقّى من وطن. لكنّنا تحفّظنا واحتفظنا بحقّنا في الرّدّ الذي جاء بعد أربع عشرة سنة في انتخابات العام 2022. ومارسنا جزءًا من حقّنا في تقرير مصيرنا. ولا بدّ واصلون إلى الحقّ الأكبر لأنّ “جوهر القضية اللبنانية هو حرية شعب لا وحدة أرض”.  هكذا أراد البشير في 23 آب وهكذا سيكون.

وهكذا اعتبر بشير بانتخابه لحظة تاريخية لبناء “دولة الأمة، التي طالما حلمنا بها وهيأنا لها الطريق بالعزم والدم، بالتضحيات والشهداء. إن دولة الأمة تطل على العالم، تولد مع ولادات أخرى في هذا الشرق”. وهذه الدّولة لمّا تولد بعد لأنّ بعض اللبنانيّين رهنوا ذواتهم لأمم غير الأمّة اللبنانيّة تحت مسميات مختلفة. ولكنّنا واصلون إلى بناء دولة امّتنا اللبنانيّة لأنّنا أمميّون نؤمن بالأمّة لا بالملّة. لأنّنا نحرص على حرية الآخرين وأمنهم ووحدتهم، ولكن حريّ بالآخرين أن يحرصوا على أمننا وحريتنا ووحدتنا. وهذا ما لم يفهمه هؤلاء حتّى بعد انقضاء أكثر من أربعة عقود على رحيل البشير. وهذا ما سمح لمشروع الدّويلة بأن يتحوّل إلى دولة. لكنّنا بالمرصاد لهذه المشاريع كلّها لنستعيد دولة البشير. ولا بدّ من أن نستعيدها ولو على جغرافيّة تتّسع لأحلامنا ومن يؤمن بها فقط.

 

الأسس السبعة لثورة البشير

لقد حدّد بشير مفهوم المجتمع الجديد ودوره، مثلما حدّد مفهوم الدولة الجديدة ودورها مطلقًا العناوين الرئيسة للدستور البشيري كالآتي:

1  ـ يجب أن يبقى مجتمعنا اللبناني أصيلا، حرًّا، منفتحًا، ومتعدّدًا.

2  ـ أصالته التراثية لا تعوق انطلاقته الكونية.

3  ـ انفتاحه الشمولي لا يطغى على جوهره الذاتي.

4  ـ حريته المتنوعة لا تسيء إلى حرمة نظامه.

5 ـ تعدديته الحضارية لا ثؤثر على وحدته السياسية والكيانية.

6  ـ لا أولوية في الولاء، ولا شركة في الولاء، ولا ولاء إلا للبنان.

7  ـ يجب أن يكون مجتمعنا اللبناني طموحًا يجسّد التراث، يواكب التقدم، يحتاط للمستقبل، يغرف من المعرفة، يتمسّك بالقيم، يتعظ بالأحداث، ينظر إلى البعيد سياسيًا وأمنيًا وإلى فوق روحيًا ومثاليًا”.

لعلّ هذه المفاهيم السبعة البشيريّة هي المدخل إلى الثورة الاجتماعيّة الحقيقيّة التي وحدها قد تنقذ ما تبقى من مجتمع لبناني. ويجب أن نتّعظ من تجاربنا لأنّ من لا يتعلّم من تجارب التّاريخ يخرج من الجغرافيا. ومَن لا يتّعظ من ماضيه لا يستحقّ مستقبله أيًّا يكن.  فولادة الأمم بحسب البشير هي “أصعب من هدمها كما إن تضحيات السلام أصعب من تضحيات الحرب. الأولى عزّ، الثانية عزيزة… فالوطن استحقاق لا انتماء فحسب. ليس الوطن ولادة بل معمودية. لأنّ الولادة تجعلك إنسانًا، المعمودية تجعلك مواطنًا. الولادة تجعلك مساهمًا في الأرض، المعمودية تجعلك مساهمًا في الوطن. الوطن لا يتوزع علينا، بل نحن ننتشر فيه”.

هذا هو وطن بشير الجميّل، وطن الـ10452كم2 الذي حلم به. وما زلنا حتّى اليوم بلا وطن.  لئن شعرنا بلحظة أنّنا قاربنا من تحقيق هذا الوطن يوم كان لنا لبناننا من كفرشيما إلى المدفون وكانت لهم لبنانات لا تشبه لبنان البشير. ميثاقنا كما اعتبر البشير في 23 آب “بين العظمة والتواضع، بين الانتصار والنجاح، بين الحكمة والقوة، بين الشهادة والحياة”. ونحن هنا لنشهد لهذا الحقّ الذي يجسّده وطن البشير الذي نستكمل مسيرة الوصول إليه مع رئيس حزب “القوات اللبنانيّة” اليوم سمير جعجع لأنّه سار على خطى البشير. ونحن معه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل