




ساد الصمت، الجميع الى أماكنهم، دخل الحكيم وستريدا، ساحة معراب تحت وقع أجراس القداس السنوي… نحن ننتظر ونعرف ما ننتظره تمامًا. كشافة الحرية… طبعًا، نحن ننتظر دعساتهم حين تقرع عنفوانا على قلوبنا، ثم يدخلون. “علية عليّة بيارق الضجيج الأليم… بيارق يا بيارق الضجيج الأليم”، أغنية الرحابنة الرائعة من مسرحية “جبال الصوان” التي صارت نشيدهم، وإذ بهم يدخلون يحملون إكليل الغار ثم القرابين، دقائق ويدخل فوج آخر على نغمة “وحياة اللي راحوا ويللي صاروا الحنين”، رائعة رحبانية أخرى من مسرحية “صيف 840″، لا صوت الا تلك الدعسات المرصوصة بانتظامها ودقتها الفائقة، والكل قلوب تخفق لشباب وصبايا يمشون المرصوص في كشافة الحرية وكأنهم منذ جاؤا الحياة تدرّبوا على تلك المشية.
تكرج قلوبنا معهم، يا الله شو حلوين، كل منهم كأنه ولد من أولادنا، هذا هو الشعور ليس أقل، خطوات متناسقة مدوزنة ع الإبرة، انتظام، دقة، التزام لا متناهي، مشيتهم العسكرية كأنها وتر وطن يقرع بإلحاح على عنفواننا، تمشي قلوبنا مع دعساتهم المرصوصة تلك، ودعساتهم تمشي على دعسات “القوات اللبنانية”، وهي عمليًا دعسات على طريق لبنان الغد الذي يليق بكل ذاك الجمال والصبا والعنفوان، “بقدر بعد انضم بهالعمر لكشافة الحرية يا جيلبير؟” يضحك جيلبير سمعان، مشرف عام كشافة الحرية، “الانضمام ما الو عمر محدد رفيقة المهم الالتزام” يقول.
عمر كشافة الحرية أقل بقليل من عمر نضال “القوات اللبنانية”، تحديدًا منذ بداية التسعينات، حين بدأ الاحتلال السوري يرخي بقبضاته السامة على عنق لبنان، ويلاحق مناضليه في الاتجاهات كافة. في البداية كان اسمها “كشافة المستقبل” وكانوا يتلقون التدريبات الكشفية في معهد غوسطا، العام 1994 وبعد تفجير كنيسة سيدة النجاة واتهام الحكيم بهذه الكارثة وحل حزب القوات، توقفت نشاطات المناضلين وحصل ما حصل.
26 تموز 2005، خرج الحكيم من الأسر وعادت التحضيرات لإعادة إحياء الكشافة، التي تغير اسمها الى “كشافة الحرية” انطلاقًا من شعار “طلعنا على الضو طلعنا على الحريي”، فكانت كشافة الحرية صيف 2006 والتي تحتفل بعيدها السنوي كل 26 تموز، وفاء لذكرى تحرير الحكيم، والتي انضمت لاحقًا الى اتحاد كشافة لبنان.
“يمكن لأي شخص الالتحاق بكشافة الحرية ابتداء من عمر سبع سنوات، وحتى عمر الثلاثين، القصة ليست في الاعمار رفيقتي انما في الرغبة والحماس والالتزام” يقول جيلبير.
“نحن نقسِم الفرق الكشفية حسب أعمارهم ليكونوا متجانسين ومتقاربين في التدريبات وفي كل شيء، من 7 لـ12 هم جراميز، ومن 12 حتى 17 سنة هم كشافة ومن عمر 17 حتى الثلاثين وما فوق يكونون كشافة جوالة او scout routier، ولكل مرحلة شارة خاصة بها، عندنا مخيمات صيفية دائمة إضافة الى مخيم الميلاد ومخيم عيد الفصح، هذه مخيمات سنوية ثابتة، عدا عن النشاطات البيئية الاجتماعية والثقافية والترفيهية وطبعًا الدينية المتواصلة” يقول جيلبير.
عدد كشافة الحرية يتجاوز الـ700 شاب وصبية يتوزعون حسب رتبهم، ولكنهم جسم واحد مرصوص على الالتزام والانتظام والعمل الدؤوب. “كل سنة يزيد العدد لأننا أصبحنا كشافة معروفة بالدقة وبالتنظيم العالي وطبعًا بالتزامنا بقضية القوات اللبنانية” يقول جيلبير بفخر كبير عن رفاقه، ويخبر كيف يتمرن الشباب والصبايا لقداس الشهداء وبأي حماسة يعملون لأنهم يعرفون أن هذا القداس يعتبر حدثًا سنويًا بالنسبة لـ”القوات اللبنانية” وللحكيم تحديدًا.
“بقداس الشهدا بيفكروا الناس إنو التمرينات تحصل قبل أسبوعين فقط او ما شابه. أبدًا، لكن نحن في كل اجتماعاتنا عنا نظام مرصوص، ونبدأ التدريبات للقداس بشهر أيار مرة بالاسبوع، وتتكثف التدريبات في شهر آب بطبيعة الحال. في القداس رهبة كبيرة وثمة خوف داخلي من حصول أي هفوة وما شابه على الرغم من التدريبات المكثقة، بس يفوتوا عالقداس يخرجون منه بمعنويات عالية جدًا، وطبعًا التزامنا ودقتنا وخشوعنا هو أقل ما يمكن تقديمه لشهدائنا”، يقول جيلبير.
اللافت هذه السنة في قداس الشهداء، كان العدد الكبير من صبايا الكشافة المشاركين، وواحدة من تلك الجميلات قدمت المشعل للحكيم لإضاءة نصب الشهيد، هل الأمر مقصود جيلبير؟
“لا أبدًا، هيك ساقبت، والسنة شاركت مجموعة كبيرة من الزغار بين الـ 11 و13 سنة، وهي المرة الأولى التي يشاركون بقداس الشهداء، والمفارقة أن مشيتهم المرصوصة كانت أفضل حتى من الكبار، حقيقة فاجأونا جدًا، تعبنا معهم بالتمرينات وتبيّن كم هي إرادتهم قوية وحماستهم عالية للمشاركة”. ثم يردف جيلبير “بتعرفي فيرا انو هالصبايا والشباب بيعقدوا وبيكبروا القلب، هم جاهزون أساسًا لتعاليم الكشافة التي تعلمهم الاتكال على أنفسهم أكثر وتمنحهم قوة الشخصية، في المخيمات يتعلمون كل شيء، الحراسة الطبخ النظافة حب الوطن وتقوية العلاقات الأخوية بين بعضهم البعض، وطبعًا طبعًا يصبحون أكثر فهما لـ”القوات اللبنانية” وقضيتها المقدسة” يقول جيلبير سمعان.
قبل قداس الشهداء، بأيام قليلة تتصدر صفحات الرفاق، صور للحكيم مع كشافة الحرية في خلال التمرينات في معراب. يظهر بوضوح وشفافية مطلقة، حب الحكيم ورعايته لهم، تمامًا بمقدار اهتمامه بطلاب “القوات اللبنانية” وحبه الكبير لهم، ونحن طبعًا لا يمكن الا أن نغار قليلًا اليس كذلك جيلبير؟ يضحك سمعان “يا رفيقة ما تنسي انو هالشباب والصبايا هني مستقبل لبنان، الغد لنا من خلالهم، من الكشافة يخرجون الى مصلحة الطلاب، ومن بعدها الى كوادر الحزب ومن ثم الى الشأن العام بالسياسة، وبدي قول كلمة أخيرة، شكرًا لكم رفاقي بكشافة الحرية، انا فخور بكم جدًا جدًا”.
لما سألت جيلبير عن عمر الدخول الى الكشافة قال ضاحكًا “لا يهم”، كي لا اصاب بخيبة التقدم بالعمر ربما، وأنا أجيب أن عمر الدخول مرهون فقط بنبض القلب، والقلب قوات يا ربي، وقلبنا يلاحق دعساتهم في القداس وفي الحياة، هم نبضنا وهم “الغد لنا”، ولهم سيكون وطنًا مرصوصًا على دعسات الحرية والكرامة.
