




الوادي السَّالك كالفاصلة من أعلاه الإيليجيّ حتى بحره التحوميّ متسربلاً بوقار الزمان وجلال المكان، مكتملاً بما نسَّق له الرسام الأزلي من أشكال وألوان تظهِّر في طبيعته إيحاءات الإبداع الإلهي..
هو وادٍ مِن أعرق عقائد أوديتنا اللبنانية ذات الطَّبيعتين والمشيئتين والصِّفتين: طبيعةٌ أرضيّة تستلهم ملامح النَّعيم، وطبيعة تجذب العيون إلى مملكة نسكية يتقاسمها السماويون مع الأرضيين. مشيئةٌ يريدها لها الربُّ واديًا تحمل معالم جبل قدسه، ومشيئة محقَّة تريدها هي من الربّ وثيقة موقَّعة بمشيئته، تثبِّت انتمائها إليه. وهي ذات صفة حقوقيَّة تدعم أحقيَّتها التاريخية بإرث شارات مار يوحنا مارون الحبروية، وصفة تنفيذية توكل إليها إشارات دمغ عقاريَّة لأرض ملكوتيَّة، سندات ملكيَّتها تعود لأجيالٍ من حبساء وزهاد استوطنوا محابسها المئة!
حربا وادي المدعوين لاكتشاف ومعاينة آثار أقدام ذاك الوافد إلى بستان الزيتون، ترافقه نفسه الملتاعة الحزينة حتى الموت، وتؤانسُه صلاته المصطبغة بمزيج عرقِه ودمِه، وتشدِّده مناشدة ابن لأبيه: “أجز عني هذه الكأس”، سرعان ما حوَّلها إلى نشيد: “لتكن مشيئتك لا مشيئتي”. وادي حربا في صيغة ليلة الأسرار هي “وادي قدرون” التي عبرها رجل الجسمانية المتروك من الأرض والسَّماء، ماشيًا من دون تردُّد إلى قبلة يهوذا.. وفضَّةٍ كانت ثمن تسليم حمل الله تسليمًا يدفعه مِن لحمه الممزّق بالسِّياط ومن تمزُّق مشاعره بنكران صوت: “لا أعرف هذا الرجل…” وبأصوات الهائجين المطالبين بإعدامه صلبًا، يحمِّله كامل مسؤولية التزامه أمانة وعده لمن أرسله، كي يحمل الوجع الكونيَّ الأعظم. ليلة موازاته خشبة ممزود ميلاده بخشبة صلبه حتى باب قبر يوسف الرامي، أسَّس ملك الملوك وسيد السادة وحبر الأحبار كأوَّل صرح بطريركيٍّ رفعه على مدماك، علّاه وثبَّته على مدماك مناداة سياميَّة بطرسية وجَّهها لعميد تلامذته سمعان كيفا بن يونا: “بطرس بطرس هوَّذا الشيطان قد جاء يغربلكم أذهب وثبِّت أخوتَك”!!
أوائل القرن الميلادي الرابع، احتضنت أنطاكيا المقدَّسة ولادة وطفولة وفتوة وشباب ورجولة رائدٍ سريانيٍّ من روّاد نهضة النُّسكِ القورشيِّ ومناسك القورشية، يواجه بها ويتصدَّى لنهضات ذلك الزمن المائج الهائج الصَّاخب، المُتخم بنزعات فكرية وفلسفية وعقائدية ولاهوتية، تناقص بعضها البعض وتلاطم بعضها البعض وتكفِّر وتهرطق بعضها البعض…
نهضة نوابغ التخرج من مدارس الزهدِ في قفار المملكة الأنطاكية العظمى كما في براريها، هي التي ترهَّب لأجلها مارون الإلهي القورشي المعروف بالسيِّد الصَّغير، الذي لو لَم يحثّ الروح القدس القديس يوحنا فم الذّهب لِكَشف الألغاز عن سيرة حياته الخفية المذهلة العجيبة، لَبَقيت كنوز الراهب الرّائد طيّ غياهب المذكَّرات التاريخية وذاكرات المؤرِّخين. دخل مارون وأدخل أمَّته في رهبانيَّة منيعة الإيمان بأصحاب سيادةٍ لم يعرف رأسهم التاج ولا يمناهم الصولجان، اكتسبوا سيادتهم من غسل أقدام الودعاء والمساكين والبسطاء بسكب الماء الخدوم والدَّمع الرحوم والقلب الحنون، ونالوا عظمتَهم مِن ترميم خواطر المنبوذين والمشرَّدين والمحتقَرين المطرودين من أمام وجوه عظماء القصور المتجبِّرة المتعجرفة الباغيّة. دخل مارون وأدخل معه أمَّته إلى هيكل قديم فوق قورش، كان في سالف الجهالة موبوءًا بالعبادات الوثنية، وملوَّثًا بالطقوس المصنَّمة ومسكونًا بالأشباح الفرِّيسية ومصابًا بتقادمهم الاستعراضية. والحضور الأغنى والأجدى الذي أراده السيد الصَّغير لأبناء رعية “القطيع الصَّغير” هو غيابهم البطوليّ التام عن أباطيل مجتمعٍ مهووسٍ بالهرولة الجماعية، إلى أسواق نخاسة أمجادٍ باطلة معروضة للبيع بالعملة الصَّعبة وبأثمان باهظة، يدفعها فقراءٌ لا يملكون غير القصور والخدم والحشم والذَّهب والجواهر والنفوس الفارغة كليًا من جوهر الإنسان والإنسانية، والمعدومة من روح الذي تجرَّد من ألوهته وبذل شعاع دمه البشري ليغسل البشرية من عتمتها الموروثة عن آخر نجمة انطفأت في أديم جنة الإنسان الأول!!
“تحومَن” الأرامية تترجمها وتفسِّرها وتظهِّرها حدودنا المار يوحنَّاوية المارونية المُكتسبة جغرافيًا وتاريخيًا من حدود صروحنا البطريركية الأولى، التي أرادها الحبر المصلوب يسوع شكلاً مطابقًا لشكل صليبه، ورمزًا لأبرشية جبل الجلجلة، ومقامًا يوازي مقام بطاركةٍ رشَّحوا أنفسهم لخوض انتخابات ثيابهم الراعوية المتمثِّلة بثياب سيِّدهم المُقترَع عليها تحت مَجرى دمائه!
من صرح تحوم محابس وادي حربا الذي اختاره يوحنا مارون مقرًا ساحليًا تشكَّلت قاعدة الصَّليب الرمز والعنوان، الذي امتدت على قياسه العمودي والأفقي بدايات صروح بطاركة المارونية العريقة الأساسية. من صرح وادي حربا وصولاً إلى صرح كفرحي ثم الصعود يمينًا باتجاه صرح سيدة يانوح، تبيانًا لذراع الصَّليب اليمين، ثمَّ الامتداد شمالاً إلى صرح سيدة إيليج إكمالاً لذراع الصَّليب الشَّمال وختمًا بصرح سيدة قنوبين الذي يكتمل به أعلى الصّليب تاج رأس المصلوب الذي لم تكن تيجان البطاركة الموارنة إلا نسخةً عنه ونسيجًا من أشواكه ودروبهم تسلك دروبه، وأجسادهم تترصَّع وتتطوّب برشاش دمه، وسنوات حياة جهادهم القورشي والعمودي واليانوحي والإيليجي والقاديشيِّ تُختَم بحشرجة نِزاعه وبصوته الجَّهير: “يا أبت قد تم كل شيء بين يديك أسلم روحي”!!
تحوم ضيعة الباب القدسي المفتوح على مدار الأعوام والنذورات لزوّار أضرحة الثالوث الحرديني والحملاوي واللحفدي، الذي بعد كنية قضاء مار يوحنا مارون أضاف على بلاد البترون وسام تسميته قضاء القديسين، عبر بوابة بلدة الدروب المزنّرة بالزهر، والتنظيم الريفي الأرقى، والبيوت الأشبه بأيقوناتٍ عمرانية قديمة، يمرُّ مرورًا يوميًا، شعب رفقا وقديس كفيفان وشعبية النعمة اللحفدي أسطفان الفلاحين الطوباويين والطوباويين الفلاّحين !
تحوم صرح وادي حربا المظلومة بالترجمة الجغرافية الخاطئة والمجحفة التي تترجمها بأنَّها مجرَّد حدود، تفصل ما بين محافظتَي جبل لبنان ولبنان الشمالي، في حين أنَّ تسميَّتها الأرامية “تحومو” ترتقي إلى لغوية الربّ كما الى ألسنيّة الروح في التفسير الأصدق والأوضح لحدود خط الدفاع الأول والتي شكَّلت تحوم الموقع القيادي المركزي الذي قاد منه القائد يوحنا مارون عام 694 مسيحية، أول وأشرس معارك الدفاع عن الكيان الماروني من الحاقدين الدائمين على شعبٍ تسلَّم أمانة الحفاظ على وديعة الإيمان بالقداسة والبطولة والشهادة للكرامة والحرية.. كما أنَّ تحوم صرح وادي حربا تبقى عبر أجيالها المتواصلة من 1400 سنة الدَّليل الدائم العاصي على النسيان، الذي يدل أبناء هذا الجيل على أمكنة وأزمنة قلاع بطاركة مملكة مارونيا، التي انتقلت إليها كامل مهمات الفداء، من جبل الصَّلب الأورشليمي إلى جبالٍ لبنانية، لوحاتُ صلبانها حَفرٌ لشعار واحد موحّد: “مجد لبنان أعطي لهم”!