
أمام ما يجري اليوم من مخاطر كبيرة ومن مآس وخسائر فادحة بالأرواح والأملاك، وانطلاقًا من أن المعطى الإنساني والأخلاقي هو ما يجب أن تتأسس عليه المقاربات السياسية، وانطلاقًا من أن ما يتعرض له أي من اللبنانيين من أي طائفة أو حزب يؤلم إنسانيًا ووطنيًا كل لبناني، ولا يدخل طبعًا في اطار العد والأرقام وعلوم الرياضيات والحسابات السياسية التي يتهم فيها “الحزب” وحلفاؤه الممانعون، خصومهم، مفترين مخوّنين مهددين.
انطلاقًا من هذا المعطى الإنساني الأخلاقي والاجتماعي، لا “الإحصائي”، قال الأمين العام لـ”الحزب” في 27 آب 2006، تعليقًا على خسائر حرب تموز التي أدت اليها عملية خطف الجنديين، “تسألينني لو كانت 11 تموز تحتمل ولو واحد بالمئة أن عملية الأسر بتوصّل لحرب كالتي حصلت، بتروح بتعمل عملية أسر، بقلّك لأ. قطعًا لأ. لأسباب إنسانية وأخلاقية واجتماعية وأمنيّة وعسكرية وسياسية. لا أنا بقبل لا الحزب بيقبل ولا الأسرى يلي بالسجون الإسرائيلية بيقبلوا ولا أهالي الأسرى بيقبلوا”.
هذا المعطى الذي أملى على أمين عام “الحزب” تلاوة فعل الندامة على الخسائر التي وقعت طيلة الـ33 يومًا من تلك الحرب، لم يُملِ ومن نفس المنطلق على من أطلق شرارة “الإسناد”، سلوك أي طريق من طرق الندامة أو المراجعة أو حتى التراجع، مع توقع نتيجة مماثلة لما حدث في الـ2006، وهذا ما تأكد لاحقًا بالخسائر المضاعفة أضعافًا وآخرها نتائج الساعات الأولى لما أسمتها إسرائيل “سهام الشمال” التي اقتربت من خسائر شهر تموز والتي شنت في يوم 23 أيلول 2024 وضاهتها، إذا ما “حُسبت” مع خسائر وضحايا الإسناد منذ الثامن من تشرين الأول 2023، مضافة اليها الخسائر الفادحة “غير المسبوقة” في مجزرتي 17 و18 أيلول وغارة 20 أيلول.
بعد كل ما مرّ وسبق ووقع، كان ملفتًا كلام نعيم قاسم في 22 ايلول 2024 في تأبين “القياديين” الذين سقطا في الغارة في قلب الضاحية الجنوبية بقوله: “لسنا بحاجة إلى إطلاق التهديدات ولن نحدد كيفية الرد على العدوان فلقد دخلنا في مرحلة جديدة عنوانها معركة الحساب المفتوح”.
إن أكثر ما لفت في الحديث عن “الحساب المفتوح” هو في عدم اكتراث قاسم أو حزبه أو محوره، للدفعات التي قد دفعها وسيدفعها اللبناني، أرضًا وشعبًا ودولة لتسديد هذا الحساب، من دمه وماله واقتصاده وازدهاره واستقراره…
هذا “الحساب المفتوح” على كل الاحتمالات السيئة، وقد رأينا نموذجها المكلف في الـ24 ساعة الماضية، كان قد تجنبه نصرالله في 4 كانون الثاني 2024، إذ تحدث عن “أننا نداري الوضع اللبناني والمصالح الوطنية اللبنانية”، الا أن المعطى الوطني في 2024 والأخلاقي في 2006، لم يمنع “الحزب” من تكرار “الحسابات الخاطئة” التي توقعها في تموز ووقع فيها، ليعود ويتوقعها ويقع فيها في جبهة الاسناد، إذ شدّد نصرالله في 11 تشرين الثاني 2023 قبل أقل من عام بقليل، “على أهمية الرهان على الوقت والضغط الدولي والرأي العام العالمي على إسرائيل وأميركا لوقف الحرب”، لافتًا إلى أن “الوقت أصبح ضاغطًا على الإسرائيليين، وعلى الموقف الدولي الذي يغطيهم نتيجة التظاهرات التي تحصل في الخارج، وأن الدعوات لوقف إطلاق النار ستتزايد، وأن العمليات التي نفذت سواء بالرد بالكاتيوشا أو بالمسيرات، هي أعمق مما مضى، ونحن في ارتقاء معيّن وهذا استلزمته المعركة… نحن في معركة الصمود والصبر وتراكم الإنجازات، والوقت الذي تحتاجه المقاومة والشعوب ويلحق الهزيمة بالعدو. الفشل الميداني والخشية من انفتاح الجبهات باتجاه أوسع وضغط المهجرين لدى الكيان في الداخل وضغط عوائل أسرى العدو ستضغط عليه وتضيّق الوقت لديه”.
إن خير تأكيد على “الحساب الخاطئ” وغير المدروس واللا مضبوط والذي يدفعه اللبنانيون عامة وبيئة “الحزب” خاصة من دمهم وأمنهم واستقرارهم وخيرة شبابهم وأبنائهم وأطفالهم، تكشّف في إشارة رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران مسعود بزشكيان لشبكة الـCNN الأميركية، بعد 24 ساعة فقط على شنّ العدو الاسرائيلي هجومه الجوي على لبنان، موثقا واثقاً: “أن الحزب غير قادر على الوقوف أمام اسرائيل بمفرده”.
