#dfp #adsense

المسيحيون في لبنان ليسوا بطارئين.. ولن يكونوا!

حجم الخط

المسيحيون في لبنانالمسيحيون في لبنانالمسيحيون في لبنان

لم يكن مفاجئًا ما ضج به الإعلام اللصيق بالممانعة أو الإعلام الذمِّي الطامح بالالتصاق من هجوم مبرمج منظّم على المسيحيين وتاريخهم وقياداتهم ورموزهم لهدف قديم جديد يقضي بتخويفهم وترويضهم وتطويعهم، فإخضاعهم لمشيئات من خارج سياقهم التاريخي والثقافي والسيادي وحتى الديني، كما لم تكن مفاجئة إحصائيات غب طلب القيمين على هذا الإعلام وهؤلاء المسؤولين من رسميين وغير رسميين. فمن درس تاريخ المسيحيين في هذا الشرق ومن خبر نضالهم ودورهم التأسيسي والريادي المستمر في لبنان والشرق والعالم، أيقن أن المسيحيين الأحرار لطالما تعرّضوا في الماضي لمثل ما يتعرّضون اليوم، عند كل منعطف خطير على لبنان يقف فيه المسيحيون بقادتهم الروحيين أو الزمنيين بصلابة مع الحق بوجه الباطل مع الحرية والسيادة بوجه خارقيهما والمعتدين عليهما من الداخل والخارج.

لا شك في أن التوقيت اليوم في طرح موضوع العدد بوجه المسيحيين، يلاقي الاعتراض اللبناني العام على ما يقوم به الحزب ومحوره من توريط كل لبنان، في ما ليس فيه ولا يخصّه ولا يقدّمه قيد أنملة في تحقيق ما سعى إليه اللبنانيون عبر تاريخهم منذ نشأة الكيان وتأسيس جمهوريته، وصولاً الى صياغة  دستوره الثاني والذي اعتبر لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه بتنوّعهم وتعددهم، مُسقطا أوهام أكثرية العدد بالمناصفة المنصوص عنها بوضوح مستلهما “نهائية الكيان” من الدور المسيحي المميّز فيه الذي اختصّ به لبنان من دون غيره من بلدان المحيط  المفتقرين لأبسط ما اغتنت به بلاد الأرز من ثقافة الحياة والعلم والتنوير والانفتاح ببصمتها المسيحية الخاصة الفريدة.

إن الدور الذي لعبه المسيحيون في لبنان وما زالوا ما هو إلا جزء يسير من الأثر الذي طبعوه في الشرق والبلاد العربية والعالم. يكفي في هذا المجال ومن التاريخ أن نذكر ما اتفق عليه المؤرخون عن الدور الذي لعبه المسيحيون العرب في النهضة العربية في القرن التاسع عشر، سواءً في جبل لبنان أو مصر أو فلسطين أو سوريا، ودورهم في ازدهارها من خلال المشاركة ليس فقط من الوطن بل من المهجر أيضًا، إذ كوّن المسيحيون في العصر الحديث النخبة المثقفة والطبقة البرجوازية مما جعل مساهمتهم في النهضة الاقتصادية ذات أثر كبير، على نحو ما كانوا أصحاب أثر كبير في النهضة الثقافية، وفي الثورة على الاستعمار بفكرهم ومؤلفاتهم، وعملهم.

يذكر على سبيل المثال في الصحافة سليم العنجوي مؤسس “مرآة الشرق” عام 1879، وأمين السعيل مؤسس مجلة الحقوق، وجرجس ميخائيل فارس مؤسس “الجريدة المصرية” عام 1888، واسكندر شلهوب مؤسس مجلة السلطنة عام 1897، وسليم تقلا وشقيقه بشارة تقلا مؤسسا جريدة الأهرام. وفي فقه اللغة العربية يذكر إبراهيم اليازجي وناصيف اليازجي وبطرس البستاني. وفي الوقت ذاته دخلت إلى حلب على يد المطران ملاتيوس نعمة المطبعة الأولى بأحرف عربية إلى “بلاد الشام” واستمرت في الطباعة حتى العام 1899.

الى ذلك، ساهم المسيحيون العرب في مقارعة سياسة التتريك التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي، وبرز في حلب على وجه الخصوص المطران جرمانوس فرحات والخوري بطرس التلاوي، وتأسست المدرسة البطريركية في غزير التي خرّجت عددًا وافرًا من أعلام العربية في تلك المرحلة، ولعبت الجامعات المسيحية كجامعة القديس يوسف والجامعة الأميركية في بيروت وجامعة الحكمة في بغداد وغيرها دورًا رياديًا في تطوير الحضارة والثقافة العربيتين. وفي العراق نشط الأب أنستاس ماري الكرملي، وفي الأدب يذكر جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومي زيادة وأمين الريحاني وشفيق معلوف وإلياس فرحات. وفي السياسة يذكر نجيب العازوري وشكري غانم ويعقوب الصروف وفارس نمر وبطرس غالي في لبنان ومصر. ونظرًا لهذا الدور المسيحي المتزايد في السياسة والثقافة، بدأت الحكومات العثمانية تحوي تباعًا وزراءً من المسيحيين العرب ومنهم آل ملحمة في لبنان. وفي المجال الاقتصادي، برز عدد من العائلات المسيحية ومنها آل سرسق وآل خازن وآل بسترس في الشام وآل السكاكيني، وآل غالي وآل ثابت في مصر، وهكذا فإن الشرق العربي قاد بمسلميه ومسيحييه نهضة ثقافية وقومية بوجه الإستبداد الذي شكّلت ركيزته جمعية الاتحاد والترقي وسياسة التتريك، ورسخت هذه النهضة كما يرى الأباتي بولس نعمان “المسيحيين العرب كأحد أعمدة المنطقة وليس كأقلية على هامشها”.

من المهم التأكيد ومن الواقع المعيوش على استمرار هذا الدور الفاعل الفعّال المتخطّي لأدوار من يدّعي العدد بفعل سياسته وممارساته وارتكاباته المعتمدة الاضطهاد والتهجير والتطهير وموجات التجنيس، في ما قاله على سبيل المثال رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب في إطلالتين في أواخر شباط 2023 وأوائل أيلول 2024. ومما ورد في إطلالته الأولى: “المسيحي في لبنان ليس بالعدد، فهو في الشرق بمثابة عنوان ولا يمكننا القيام بتعداد المسيحيين في لبنان… إن أجمل مستشفى هو للمسيحي وكذلك الأمر للمدرسة والجامعة والمطعم والفندق، فالمسيحي ليس بعدد. ما في مسيحي بخلّف 30 ولد وبكبن على الطريق. المسيحي ينجب ولدين ويصبحون شيئًا مهمًا في المجتمع، لذا لا يمكن اعتبار المسيحي عددًا إنما هو قيمة وعنوان ووجود وهو يعطي القيمة للبنان”.

وفي إطلالته الثانية يقول وهاب: “الدور المسيحي في لبنان هو دور الرسالة وليس العدد: المسيحي في لبنان هو الشعر والأدب والثقافة، المسيحي في لبنان هو جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمه، مارون عبود، الياس أبو شبكه، إيليا أبو ماضي. المسيحي في لبنان هو الذي اخترع العروبة، واليوم الكل يتكلم عنها ولكن لا يعرفون أن المسيحي ساهم باختراع هذه العروبة. المسيحي في لبنان هو المدرسة والجامعة التي تعلم فيها الكثير من اللبنانيين. المسيحي في لبنان دور وعنوان. المسيحي في لبنان ليس عددا، وهذا الكلام عن العدد لا قيمة له لأنه عند الكلام عن العدد يصبح لبنان بلا قيمة”.

كل من رأى “شهر” أعلام الممانعين لسلاح العدد والكمية، وكل من سمع قرقعته بوجه المسيحيين، عاد بالذاكرة الى الشهيد بيار أمين الجميل وتاريخ 16 كانون الثاني 2005 حين رد في العشاء السنوي لإقليم الكورة الكتائبي بسلاح دفاعي يعتمد “النوعية بوجه الكمية” على حسن نصرالله الذي هدد في 7 كانون الثاني 2005 باستعمال سلاح الأكثرية العددية في استفتاء عام و في قانون الانتخاب، كما رد على ما قاله النائب ناصر قنديل “وديعة” النظام السوري والحزب في كتلة الشهيد رفيق الحريري عن أن “الصوت المسيحي سيساوي صوتين مسلمَين في حال اعتماد القضاء”.

لم يختلف رد رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع في 1 أيلول 2024 أمام الهجمة والادعاءات والإحصاءات الأخيرة عن ردّ الشهيد بيار الجميل في 2005 وردّي وهاب في 2023 والـ2024، بقوله: “أمّا للذي يقول لنا أصبحتم قليلي العدد، فنقول له، قليلو العدد، كثيرو الفعل والإنتاجِ والخدمة العامّة، كثيرو الإشعاعِ في التربية والتعليم والطّبّ والفنّ والثقافة والحضارة والاقتصاد. معتصمون دائمًا أبدًا بالوضوحِ والصلابة والإندفاعِ والمواجهة في سبيل لبنان، كلّ لبنان… إنّ الكِرامَ قليلُ، وما همَّ من كانَ قليلُهُ مثلَنَا، شبابٌ تَسامى للعُلا وكُهولُ”.

وينسجم ما ورد أعلاه في الدور والثبات والإشعاع مع ما قاله شهيد 14 أيلول 1982 بشير الجميل في يوم الوعد في 22 تشرين الثاني 1980: “نحن الثابتون في لبنان والشرق، غيرنا يأتي حينًا ويذهب حينًا آخر. صحيح أن امتداد وجودنا ليس مستقرًا جغرافيًا، لكن وجودنا في حد ذاته دائم الاستقرار. نحن قديسو هذا الشرق وشياطينه، نحن صليبه وحربته، نحن نوره وناره، قادرون على إحراقه إن أحرقوا أصابعنا، وقادرون على إنارته إن تركونا على حريتنا”.

لقد أسقط منظمو الحملة التضليلية التزويرية كما أسقط أسلافهم رقمًا مهمًا في تعدادهم الطائفي والمذهبي، وهو رقم المغتربين والمنتشرين في العالم من أصل لبناني مستحقي استعادة جنسيتهم، وذلك خوفاً وتجنباً لسقوط المدّعي في شر ادعاءاته، وتكفي في هذا المجال الإشارة الى العدد الخاص الصادر عن دار Le Monde – La vie في باريس للعام 2018 صفحة 140 نشرة خاصة عنوانها: “L’ATLAS des peoples”، إذ أحصت النشرة 12 مليون من ضمن الدياسبورا اللبنانية، وقد جرى تقييم الدياسبورا اللبنانية حسب النشرة “في مراكز الإحصاء العالمية وخارج الإحصاءات المعلّبة والموجهة والفاقدة للمصداقية والموضوعية”.

وعن ظاهرة الاغتراب والانتشار، يقول الدكتور شارل مالك في كتابه “لبنان في ذاته” الصفحة 17 “ظاهرة الاغتراب اللبناني القديمة والحديثة فخر وعيب ومأساة… فخر بما يحققه المغتربون، وعيب لأن لبنان لم يوفّر لهم أسباب العيش، ومأساة لأنها ذات أبعاد انسانية وروحية.. هي أبعد وأعمق مما يتصوّر المحللون الاقتصاديون والإجتماعيّون والسياسيّون”… ويصدق في هذا الإطار ما قاله الباحث الدكتور نبيل خليفة في صحيفة “نداء الوطن” في 2 آذار 2023 عن “إنّ وجودنا في قلب العالم هو جزء أساسيّ من وجودنا في قلب لبنان”. وانطلاقًا من ما قاله رئيسا المقاومة المسيحية – اللبنانية بشير الجميل وسمير جعجع عن “الشعاع” و”النور” الممتدَين من لبنان والشرق الى العالم، وتأكيدًا على ما ورد في إحصائية 2018 المذكورة أعلاه نستطيع أن نخلص الى ما خلص إليه البطريرك المقاوم الراحل مار نصرالله بطرس صفير مطْمَئِنِّينَ مُطَمئِنين: “مهما قست الأيام ومهما عظم المصاب نحن في هذه البلاد لسنا بطارئين… نحن من أنشأنا لبنان ولن نكون غرباء فيه”.

 

كتب أنطوان سلمون في “المسيرة” ـ العدد 1757

 

إقرأ أيضًا

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل