
جرت على مدى العشرين سنة الماضية مواجهات إعلامية كلامية عالية النبرة بين فريق محور المُمانعة فرع لبنان، والفريق السيادي المُعارض له، وترافقت مع مجابهات خلال جلسات مجلسَي النواب والوزراء، متناولةً ملفات خلافية وتفاصيل دقيقة حملت بطيّاتها وجهات نظر متناقضة تماماً حول الشروط البديهية لبناء الدولة وحول كيفية تمكينها من السيادة على مؤسساتها، ومتداولةً بمسألة الشراكة الوطنية والأعمال المُخلّة بها، وطرح كل من الفريقين المتواجهين وجهة نظرته التي تُدعّم حججه، ووصلت المواجهات أحياناً إلى الشكل الأمني بلجوء فريق المُمانعة مرّات عدة إلى السلاح الذي تفرّد بامتلاكه.
ما كان مقصوداً من التمسّك الدائم لدى مسؤولي المعارضة بضرورة استعادة الدولة اللبنانية سيادتها كاملة غير منقوصة ومن دون تراضٍ أو شراكة مع أي طرف مهما علا شأنه، الهدف منه أن تكون الدولة بالفعل دولة بكل المعاني، وليست كأشباه الدول التي تحوذ على الاعتراف الأممي والدولي، لكنها بالوقت ذاته تفتقد للسيادة على مؤسساتها وأراضيها وحدودها ومواطنيها.
فالدولة الحقيقية العميقة هي الكاملة السيطرة على مؤسساتها، تعمل على تطبيق القوانين المرعية وعلى تنظيم العلاقات بين فئات المجتمع المكوّنة للوطن بين بعضهم البعض وبين هؤلاء والمؤسسات الرسمية، وأي حالة شاذة تنشأ داخل أي دولة، تؤدي حتماً إلى انحلالها وانفراط عقد إمرتها على مؤسساتها، وأي استثناء لهذه القاعدة الجوهرية، يأتي على حساب الاستقرار والشراكة والعدالة والحرّيات، ومصيره الفشل بنهاية الأمر، بعد أن يكون قد أنهك وأسقط الدولة وضرب العلاقات السليمة بين مكوّنات الوطن.
هذا في المنطق العام، أمّا في الدول المتنوعة التركيبة المجتمعية مثل لبنان، فالدستور يحتوي دائماً على بنود تحفظ الشراكة الوطنية، وأي محاولات لتجاوز أي بند من بنوده يؤدي إلى صدامات داخلية ويفتح الباب لتدخلات خارجية، والتجارب اللبنانية في السنوات الخمسين الأخيرة خير دليل على ذلك. فمع تفلّت السلاح الفلسطيني بدءاً من ستينيات القرن الماضي واستقوائه على المؤسسات الأمنية اللبنانية والجيش اللبناني، دخلت البلاد في أتون حروب أهلية بين الأطراف اللبنانية، فاستغلت القوى الخارجية الصراع الداخلي وأدخلت تناقضاتها على كافة القضايا اللبنانية، لتحوِّل لبنان، الذي كان يوماً عنواناً للتعايش بين الحضارات والالتقاء بين الثقافات المتنوعة،إالى ساحة للصراعات ولتصفية الحسابات فيما بينها.
ففي التجربة الأولى، اشتعلت المدن اللبنانية بالمعارك والقصف نتيجةً للتوازن بين الأطراف المتصارعة، المدعومة من جهة بالسلاح الفلسطيني واليساري ومن الجهة الأخرى من الدولة اللبنانية ومن بعض الدول الإقليمية والغربية، وانتهت هذه المرحلة بالسقوط للمشروع الخارج عن الدستور مع سقوط مرجعيته الخارجية. لكن في التجربة الثانية، كانت الغلبة لصالح النظام السوري على حساب المناطق الحرّة، فسقط لبنان بهوّيته وبدوره ضحية حسابات ومفاهيم هذا النظام المُناقض تماماً لصورة لبنان ودستوره. لكن أيضاً، لم تستمر التجربة الثانية بالتسلّط على البلاد بالرغم من السيطرة الكاملة على سلطات البلاد، فانتفض الشعب اللبناني على هذه التجربة في “ثورة الأرز” التي أخذت اسمها من طبيعة مفاهيم شعب الأرز ضد مفاهيم الأنظمة القمعية.
أمّا التجربة الثالثة، وهي الأخطر بين كافة التجارب في تاريخ لبنان منذ نشأته، فما زلنا نمرّ حتى الآن في مراحلها الأخيرة، وتكمن خطورتها هذه المرّة بأن قائد هذه التجربة يملك جنسية الدولة، وليس ثقافة الوطن، مما مكّنه من تفخيخ مؤسسات الدولة وتسييرها على وقع مفاهيم إيديولوجيته الفئوية، وألحقها بمرجعيته الممتدة من طهران إلى لبنان مروراً باليمن والعراق وسوريا وغزّة، فغدت الدولة اللبنانية إدارة لبنانية بخدمة مشروعه.
ثلاث تجارب حملت كلّ منها المعاني الكثيرة والعميقة حول طبيعة الصراعات التي جرت في لبنان في السنوات الخمسين الأخيرة، وما زالت تُرخي بثقلها المُدمّر على الوطن، وتدلّ بوضوح بأن لبنان سيبقى عرضةً للاهتزازات والصراعات عند كل اختلال للموازين أو دخول لعوامل خارجية لاستغلال التناقضات. ثلاث تجارب أثبتت عدم إمكانية تعايش المشاريع الإيديولوجية المنغلقة والفئوية على الأراضي اللبنانية، فإمكانية ترجمتها من مشروع إيديولوجي سلطوي إلى دولة حقيقة، مسألة مستحيلة، ولذلك فكل محاولة مماثلة ستؤدي حتماً بالبلاد والعباد إلى الذلّ والفقر والموت والتخلّف. ثلاث تجارب تُثبت أنه فقط “الدولة هي الملجأ للجميع”.
ما حصل بعد 7 تشرين الأول 2023 فضح أكاذيب محور المُمانعة وخبث ولؤم قيادته وبراعتها بالخداع، ووقاحتها باستغلال مآسي الشعوب تدعيماً لنفوذها الإقليمي، وكشف ضعف دويلة المحور أمام الدولة اللبنانية. فها هي الدويلة تركض خلف الدولة لإعانتها للملمة جراحها، بالمطالبة بالدعم المالي من صناديق الدولة ومن جيوب المُكلّفين اللبنانيين، وبالاستيعاب السياسي بطرح الحلول الوسطية، بعدما كانت تُرفع أصابيع المحور مُهدّدةً ومهولةً، وبالاختباء في المناطق الآمنة بعدما كانت تتهم هذه المناطق بالذات بالعمالة والخيانة.
كل هذا الواقع المُستجد، يؤكد أن قوة لبنان باقتصاده وبعلاقاته الدولية والعربية وبالحياد العسكري الكامل، وبثقافة التطور العلمي، وليس بالمشاريع الإيديولوجية المُسلّحة المرتبطة بمشاريع خارجية وغريبة عن الثقافة اللبنانية. قوة الشعب اللبناني “بالدولة ملجأ الجميع”.