
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
كالعادة تقف زحلة دار السلام، على فوهة أزماتها مثل الجندي الى جبهة كرامة. هي مدينة المقاومين حين تدعو الحاجة، ولكنها أيضًا مدينة السلام، مدينة الإنسانية حين تقرع طبول التعاضد الوطني وحين ينده الواجب. الدنيا مواجهات والنازحون من الجنوب تجاوزوا المليون مواطن، توزعوا على مناطق لبنان كافة، ومن بينها زحلة.
لم تقف المدينة متفرجة على آلام الجنوبيين النازحين، بل لبست عدّة المساعدة ونزلت الى ميدانها الإنساني بكل قدراتها، لتكون الى جانب أبناء وطن جرّحتهم الخديعة أولًا، ومن ثم همجية الحرب.
دخلت زحلة في تحدٍ جديد وكبير، كما غالبية المدن والبلدات الآمنة في لبنان، لتتحول مدارسها الى مراكز إيواء النازحين وليتحول عدد كبير من أبنائها، الى خلايا نحل لا تهدأ. لم تبخل المدينة على ضيوفها بأي شيء، فكانت السند لمن تدمرت منازلهم وشُردوا من أرزاقهم وبيوتهم، وتحولوا الى نازحين في وطنهم.
لا أرقام دقيقة ثابتة عن عدد النازحين في زحلة ومحيطها، إذ يتغير الرقم تباعًا وكل يوم، بسبب تدفق آخرين، أو أحيانًا انتقال بعض النازحين الى أماكن أخرى، ولكن وبحسب محافظ البقاع الغربي وراشيا القاضي كمال أبو جودة، في زحلة 151 مركز إيواء، ونحو 15 الف نازح من بينهم الذين يتوزعون بين مستأجرين لمنازل أو يسكنون عند اقارب لهم.
“ومنذ نحو الستة أشهر، حين احتدت مسألة النزوح، عقدتُ اجتماعات مع منظمات دولية ومحلية في المنطقة، ووضعنا خطط معينة بحسب كل جمعية ما ستقدمه، ونسّقنا مع تجمع الصناعيين في البقاع الذين أمّنوا لنا مواد أساسية بداية، ثم تباعًا تولت الأمور، المنظمات والجمعيات والصليب الاحمر، وكل شيء يتم من خلال غرفة عمليات نراقب من خلالها سير الامور يوميًا” يقول.
الضغط كبير والشتاء على الأبواب واحتياجات النازحين تبدو أكبر بكثير من قدرة زحلة على استيعابها، لذلك يحاول المحافظ أبو جودة مع فريق عمله طرح الصوت “نحن قادرون على أن نكمل لكن إذا طالت الأزمة فيجب أن يكون التعاطي مختلفًا، خصوصًا مع قدوم فصل الشتاء، ما يعني أننا نحتاج للمحروقات للتدفئة وآلات تدفئة وما شابه، عندنا استحقاق كبير جدًا ونحاول أن نؤمن كل تلك الاحتياجات الضرورية للنازحين، لكن المهم الا تطول الأزمة وإذا حصل، فنحن بحاجة ماسة لاستدامة تلك المساعدات” يقول أبو جودة، الذي يتابع كل التفاصيل مع مصلحة الصحة ودائرة الشؤون الاجتماعية والأجهزة الامنية في الدولة، إضافة الى وزير الداخلية “الذي يتابع معنا ساعة بساعة كل ما يجري والتواصل معه جيد جدًا. نحن نحاول قدر المستطاع تأمين المستلزمات الأساسية ومساعدة أهلنا ولكن أي إنسان يخرج من بيته سيعيش النقص الكبير” يقول أبو جودة.
لم تقف الجمعيات في زحلة على الحياد، بل سارعت لمد يد العون بكل ما لديها من قدرات، على الرغم من الضغوطات الهائلة التي تواجهها، “بمبادة من جمعية الناس للناس، إضافة الى مبادرات وجمعيات صغيرة، حركنا كتير أشخاص واطلقنا حملة “بالاتحاد منقدر نساعد” وهي حملة مساعدة وتضامن وسلام. دخلنا الى مراكز الإيواء ووجدنا أنه ينقصهم الترويقة، لذلك نحن نحضر لهم بين 500 الى 1000 منقوشة كل صباح في مدرستين للإيواء، ونحن نتعاون، إضافة الى كاهن الرعية في مدرسة الكلية وثانوية الراهبات الأنطونيات، وكاريتاس إقليم زحلة، مع جمعية أيام الرجاء التي تُعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، ورعية وادي العرايش والأب جيسكار بولس، وجمعية منسيين وجمعية cercle de la jeunasse catholique وشبيبة الألف التالت وسواهم، إذ أنشأنا ما يشبه التشابك الاجتماعي فيما بيننا، وكل يوم عندنا إضافة الى الترويقة التي نقدمها، فقرة ترفيهية تقوم بها تلك الجمعيات مداورة، للتخفيف من حدة الأزمة خصوصًا عند الأطفال، عانينا بعض الصعوبات بداية لكن الآن انتظمت الأمور أكثر، علمًا أن ضغط العمل تضاعف والتطوع أيضًا ازداد مع تفاقم الأزمة، والحمدلله الأيادي البيضاء كثيرة وبعد في خير بلبنان ويد ربنا دايمًا معنا ما بتتركنا” يقول عصام فحل الناشط الاجتماعي الذي كرّس أوقاته مع عدد كبير من الجمعيات والمتطوعين لمساعدة النازحين، من دون الأخذ في الاعتبار، الى أي طائفة أو حزب ينتمي هؤلاء المنكوبين في وطن الأرز والأزمات.
بداية واجهت زحلة تحديًا كبيرًا وحالًا من الفوضى، إذ وجدت نفسها في مواجهة آلاف النازحين الذين يزداد عددهم يوميًا، وسط حاجة كبيرة لكل المستلزمات “لكن الحمدلله استقرت الأمور تباعًا، بمساعدة الجمعيات والصليب الاحمر وكاريتاس وما شابه، وأنشأنا ما يشبه غرفة طوارئ لمراقبة ومتابعة كل التفاصيل، خصوصًا الأمنية، ونحن نتعاون مع الجميع ووضعنا عند كل مركز إيواء شبانًا لنا ينتبهون الى كل التفاصيل بالتعاون مع الأجهزة الأمنية طبعًا، ونوابنا يقومون بالواجب كاملًا. مررنا بظروف صعبة جدًا خصوصًا عندما أصر بعض النازحين على نصب خيمهم أمام كنيسة مار شربل ورفض رئيس الدير بطبيعة الحال، الآن تغيرت الأوضاع وانتظمت، ونحن نتعاون مع الأجهزة الأمنية في كل التفاصيل كي لا يدخل مسلحون الى مراكز الإيواء ونتعرض للقصف، ومراكز الإيواء كلها تحت حماية الجيش والقوى الأمنية، وزحلة لم تبخل على ضيوفها بأي شيء، نحن ملزمون بالمساعدة وإنسانيتنا تتقدم على أي أمر آخر” يقول آلان منير منسق زحلة في “القوات اللبنانية”.
في المناطق كافة تلعب البلديات الدور الرئيس في تنظيم عمليات النزوح خصوصًا لناحية مراقبة النازحين والحفاظ على الأمن. لم تسلم بلدية زحلة من بعض التجاوزات التي كادت أن تؤدي الى كارثة في المدينة، خصوصًا بعد استهداف مناطق متفرّقة من لبنان كانت تُعتبَر بعيدة عن مسرح الحرب، ولذلك “وحفاظًا على أرواح وممتلكات أهلنا وضيوفهم الكرام، تطلب منكم بلديّة زحلة ـ المعلقة وتعنايل، وخصوصًا من مؤجري المساكن بمختلف أنواعها:
ـ إبلاغنا فورًا ومن دون إبطاء بأسماء جميع المقيمين مع أعدادهم في كلّ شقّة.
ـ المبادرة إلى مراجعة البلديّة عند الشّكّ في أي أمر أو شخص أو حركة غير طبيعيّة، لمعالجتها سواء أكانت أمنيّة أم إنسانيّة أو غير ذلك.
ـ عدم التّغاضي عن كلّ ما يمكن أن يهدّد سلامتكم وسلامة المنطقة وسلامة ضيوفنا الأعزّاء، فهُم بين أهلهم وفي مدينتهم وعليهم أن يكونوا بأمان، انسجامًا مع عاداتنا وتقاليدنا الزّحلية العريقة.
ـ كما على ضيوفنا الكرام أنفسهم أن يتمتّعوا بالحرص نفسه، ويساهموا معنا في الحفاظ على أمن المنطقة، فتبقى ملجأً حصينًا أمينًا لكلّ قاصد وضيف ونازح قست عليه ظروف الحرب، كما قست علينا جميعًا”. كما ورد في البيان الذي أصدرته البلدية، محذّرة الوافدين إلى المدينة من حيازة الأسلحة والممنوعات كافّة، “لأنّنا وبالتّعاون مع السّلطات الأمنيّة المعنيّة سنكون مضطرّين إلى اتخاذ ما تنصّ عليه القوانين من إجراءات، ضمانًا لسلامتهم كما لسلامة أبناء مدينة زحلة”، كما طالب رئيس البلدية المهندس اسعد زغيب في بيان له وحذر الملتزمين حزبيًا بالابتعاد عن المدنيين، حفاظًا على سلامتهم.
عند نصب العذراء مريم، وقف نازح شيعي يصلي، وقف بمواجهة كاميرته وقال: “أهل زحلة إنتو الكرم والإنسانية والضيافة إنتو اهلي”. هذه زحلة مدينة العنفوان والإنسان، مدينة تصلي بخشوع لعذرائها التي تحمي البشر والحجر، مدينة الإيمان التي عندما دقّ الخطر عالبواب، فتحت أبواب المدينة لأهل البلد، وفتحت كوارة الخير فيها لتتشارك معهم الخبز والملح، ومعًا على مرّ الأيام وحلاوتها.
