#dfp #adsense

بين لبنان الدولة ولبنان الساحة.. الغلبة لمن؟

حجم الخط

صراع مرير يعيشه لبنان اليوم بين من يعمل على بناء مؤسسات الدولة الدستورية والأمنية والقضائية وتقوية دورها لتستأثر وحدها بمهمة الدفاع عن لبنان، ومن يعمل على تقوية دور “الحزب” ومنحه وظيفة الدولة في الدفاع عن لبنان. وفي حين يستعين كل طرف ببراهين تاريخية وسياسية وجيوسياسية عديدة لتعزيز موقفه، ينقسم اللبنانيون، وكما دلت نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة في أيار 2022، والى حد ما بالتساوي بين هذين الطرفين.

إلا ان تراجع دور الدولة وارتباط “الحزب” ومؤيديه بأجندات خارجية، وتحديدًا بنظام ولي الفقيه في إيران ذات المشروع التوسّعي في الساحل الشرقي للمتوسط، أدى الى تحوّل لبنان الى مجرد ساحة لصراعات الشرق الأوسط.

للإحاطة أكثر بالأسباب البعيدة والجوهرية لهذا الصراع بين دعاة الدولة ودعاة الساحة، لا بد أولاً من إعطاء لمحة تاريخية عن هذا الصراع ومن ثم تبيان العناصر التاريخية الأساسية كما والإشكاليات الجيوسياسية المحورية لمنطقة الساحل الشرقي للمتوسط. وترتكز هذه الإحاطة بشكل أساسي على المنهجية العلمية، لتكون أكثر دقة مما يساعد في الخروج باستنتاجات وخلاصات قد تساعد في تعزيز موقف هؤلاء الداعمين للدولة ولدورها.

ظهر الانقسام بين اللبنانيين حول دور لبنان بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، إذ وفي حين أيّد قسم كبير منهم مشروع بناء دولة ذات مؤسسات متطورة تكون قادرة على حماية جميع اللبنانيين لمنع تكرار مأساة سياسة التجويع العثمانية بين الأعوام 1915 – 1918، روّج قسم آخر من اللبنانيين لفكرة لبنان الساحة ضمن مشروع بناء إطار سياسي عربي بقيادة ورثة شريف مكة الحسين يكون قادرًا على حماية كل الشرق وكل العرب وكل المسلمين في وجه السياسة الغربية، وتحديدًا الفرنسية، في المنطقة. إلا أن ظروفاً عديدة، من بينها الصراع البريطاني -الفرنسي، ساعدت في نجاح مشروع لبنان الدولة. كما ساعد الضعف السياسي الذي أصاب ورثة الحسين في التخلّي عن مشروع الدولة القومية وفي تقبّل غالبية المسلمين في لبنان تدريجيًا، ومنذ العام 1936، لمشروع لبنان الدولة. ولكن، وعلى الرغم من استقلال لبنان عام 1943، والذي حصل بفضل ظروف الحرب العالمية الثانية وتراجع الدور الفرنسي في الشرق، إلا أن الصراع بين لبنان الدولة ولبنان الساحة استمر، وذلك بفضل ظروف إقليمية في البداية. فعلى سبيل المثال، وخلال العام 1947 عاد الحديث عن مشاريع سياسية لمنطقة الشرق الأوسط، ومنها حديث عاهل الأردن الملك عبدالله الأول عن أنه من أنصار الدعوة الى إقامة سوريا الكبرى. إلا أن فشل تحقيق هذا المشروع عائد بشكل أساسي الى مصالح عدد من الدول العربية، وتحديدًا مصر والمملكة العربية السعودية، اللتان ما كانتا لتقبلان بهكذا مشروع يؤدي الى تكريس الملك عبدالله زعيمًا على منطقة الساحل الشرقي للمتوسط. كما كان للصراع بين لبنان الدولة ولبنان الساحة أثر كبير على الصراع على السلطة بين الأحزاب والقوى السياسية في عهد الرئيس بشارة الخوري (1943-1952). إذ قام الأخير، ومن خلال وجود غالبية نيابية موالية له أتى بها في انتخابات 1947 النيابية، من استغلال حرب فلسطين التي دارت رُحاها ما بين 15 أيار 1948 و10 آذار 1949 لمنح المجلس الحكومة سلطات استثنائية لإعلان حالة الطوارئ كي تمنع إصدار الصحف المعارضة وتخويف السياسيين بالتوقيف والسجن. في المقابل استغل بعض المعارضة هزيمة 1948، ففي 25 كانون الأول 1948، افتتح سامي الصلح مداولات مجلس النواب حيث صبّ جام غضبه على العهد، بقطبيه بشارة الخوري ورياض الصلح. ولم يتمكّن وقتها تيار بناء الدولة من تقوية دور الأخيرة في الصراع مع إسرائيل، إلا بعد التحوّل الذي طرأ على موقف مصر والتي أضحت مؤيدة لفكرة التفاوض مع إسرائيل، مما سهّل توصّل الحكومة اللبنانية في 23 آذار 1949 الى التوقيع على اتفاق الهدنة مع إسرائيل. ومع هذا التوقيع نجحت الحكومة باستئثار مؤسسات الدولة وحدها مسألة الصراع مع إسرائيل.

ولكن ومع بداية العام 1953، بدأ الشارع اللبناني يتحرك بنبض ناصري، خصوصًا أن تلك الفترة تزامنت مع انتفاضة التحرير في عدد من الدول العربية مثل الجزائر وتونس والمغرب، وبدأت منذ ذلك الوقت تظهر محاولات خارجية تهدف الى إضعاف دور الدولة في لبنان بهدف تحويله الى ساحة لصراعات الدول والأنظمة على زعامة الشرق الأوسط. وتجسّدت هذه المحاولات في تخطيط نظام جمال عبد الناصر في مصر للسيطرة على لبنان، من خلال استثارة مشاعر بعض اللبنانيين غرائزيًا لدفعهم لقبول انضمام لبنان الى الجمهورية العربية الموّحدة. إلا أن هذه المحاولة التي نتجت عنها حرب 1958 في لبنان لم تنجح وذلك بفضل سياسة الرئيس كميل شمعون، الرفض العربي المطلق، وتحديدًا السعودي، لتوسّع نفوذ عبد الناصر، وللتدخل الأميركي العسكري المباشر والدبلوماسي.

تجدّدَ الصراع بين لبنان الدولة ولبنان الساحة مطلع العام 1966، إذ بدأ لبنان يتأثر بالتحوّلات التي طرأت على الساحة الفلسطينية، خصوصًا مع ظهور السلاح الفردي في المخيمات. وبدأت الأوساط اللبنانية السياسية والإعلامية والثقافية تتناقل أنباء “العمل الفدائي”، وراحت المنظمات الطالبية وخلفها الأساتذة والدكاترة من القوميين العرب، وبينهم اللبنانيون والفلسطينيون والسوريون والمصريون والخليجيون والأفارقة العرب، في الجامعة الأميركية والجامعة اللبنانية والجامعة العربية، ينظمون المناسبات الاحتفالية لطرح قضية فلسطين بلغة حيّة يسندها السلاح الذي بدأ يرتفع في وجه إسرائيل. وكانت الجامعات والمعاهد اللبنانية الأخرى ترسل أصواتًا تحيّي وتؤيد وتتمثل في المناسبات بالوفود والخطباء. وفي أواسط العام 1966 أنشأت حركة فتح قيادتها الإقليمية الأولى في لبنان في مخيم تل الزعتر تحت قيادة راجي النجمي، وفي العام 1967 أنشأت قواعد تدريب سريّة في مخيمات الرشيدية وعين الحلوة وتل الزعتر وبرج البراجنة كان يديرها ضباط فلسطينيون كانوا قد خدموا في القوات المسلّحة السورية والمصرية. وبين عامي 1965 و1967 ارتفعت وتيرة الاشتباكات بين الفدائيين والجيش اللبناني، وخاصة بعد هزيمة 1967. ولم تنتهِ هذه الاشتباكات، والتي تزامنت مع أزمة سياسية خطيرة، إلا بخضوع الدولة اللبنانية لاستفزاز عبد الناصر وياسر عرفات وتوقيع اتفاقية القاهرة 1969، والتي تخلّت بموجبها الدولة اللبنانية عن سيادتها. فأدى ذلك الى تراجع وضعف مؤسسات الدولة، ومنها تحديدًا الجيش، لتنتهي هذه الحالة مع اندلاع الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975.

لم تكن الحرب الأهلية وخلال الخمسة عشر عاما سوى صراعًا مريرًا بين الدولة التي حاولت جاهدة وبكل ما تمتعت به من قوة لفرض ذاتها وتقوية دورها. إلا أن صراع الأحزاب والقوى السياسية التي كانت بأغلبها مسلّحة وقتذاك، كما صراع الأنظمة العربية، وتحديدًا في مصر وسوريا والعراق على زعامة الشرق الأوسط، والتي لم تكن ترى في لبنان سوى مجرد ساحة، أعاق وأفشل محاولات الدولة اللبنانية. إلا أن ضراوة المعارك العسكرية بين 1989 و1990، وتحديدًا بين حركة “أمل” و”الحزب”، وحربي التحرير والإلغاء اللتين أعلنهما العماد ميشال عون، وتزامنت مع الإرهاق النفسي والاقتصادي اللذين أصابا المجتمع ومع ظروف إقليمية ودولية مساعدة أدت الى التوصّل لاتفاق الطائف لوضع حدّ للحرب الأهلية ولانتصار فكرة لبنان الدولة على فكرة لبنان الساحة.

إلا أن مسار التوصّل الى هذ الاتفاق أظهر إرادة نظام البعث في سوريا في جعل الدولة التي ستُبنى بعد الحرب ضعيفة وعاجزة وذلك لترك مجال له للتدخل. وتجسّدت هذه المحاولات عبر وسائل عديدة. فكل من أثار أي تساؤل حول الموقف السوري في لبنان كان عرضة للإنذار والخطر. فالنائب السنّي عن البقاع، ناظم القادري، أثار مع زملائه مسألة المطالبة بانسحاب السوريين من البقاع، ولكن سرعان ما جرى اغتياله قبل عشرة أيام من انعقاد خلوة النواب في الطائف. وخلال مداولات الطائف، لم يعطَ مجال للنواب للتفاوض حول مسألة الانسحاب السوري، بل كان لهم قرار القبول أو الرفض لهذا الأمر، لأنه ووفق ممثلي اللجنة الثلاثية العربية لم يكن هناك من مجال لإدخال أي تعديلات حول الشق المتعلّق بسوريا لأن هذا النص قد جرى بحثه مع دمشق والتفاهم عليه أصبح غير قابل للتبديل، وأقصى ما يمكن عمله هو تقديم بعض الإيضاحات أو بعض الضمانات. وارتفع صوت العماد عون يهدد النواب بالبقاء حيث هم في حال موافقتهم على الوثيقة. عندئذ أصرّ النواب المسيحيون، المدعومون من البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، على تحديد شروط للانسحاب السوري، وفي هذا الإطار طالب النائب جوزف سكاف وبإصرار شديد على تحسين مضمون النص. وكاد الشق المتعلق بالاحتلال السوري أن يهدد الاجتماع برمته، فكبرت وقتذاك المداخلات والضغوطات العربية والدولية لإنجاح المؤتمر مهما يكن الثمن ومهما تكن العقبات. وبعد مفاوضات أجراها وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، ونتيجة لضغوطات بعض الدول العربية الرافضة لاستمرار الاحتلال السوري للبنان، قبل حافظ الأسد بإجراء بعض التعديلات على الوثيقة الأساسية.

وهكذا نجح النظام السوري في تحوّله الى سلطة رديفة لسلطة الدولة اللبنانية، والتي على أساسها يقرر في كل شأن داخلي، وتحديدًا في ما يتعلّق بتداول السلطة وفي الانتخابات النيابية، كما يقرر بالنيابة عن الدولة اللبنانية في السياسة الخارجية للبنان. بالإضافة الى ذلك، ولتعزيز موقعها الإقليمي كان نظام البعث في سوريا بأمسّ الحاجة الى تقوية علاقاته المتشعبة بنظام ولي الفقيه في إيران. وتعود هذه العلاقة بين سوريا وإيران بالزمن الى ما قبل الثورة الإسلامية بقليل، وتحديدًا الى العام 1976 عندما انضمت سوريا، ومن دون أن تدري، الى الجغرافية الدينية الشيعية. كما كانت سوريا، ونظرًا لتدهور علاقاتها بمصر بعد توقيع هذه الأخيرة على اتفاق السلام مع إسرائيل، أول دولة عربية تعترف بأول حكومة بعد الثورة الإسلامية في إيران. ونظرًا لكل هذه الأسباب، سمح الاحتلال السوري في لبنان بتنامي قوة ونفوذ ميليشيا “الحزب” وتحديدًا في البقاع. في المقابل، حصلت سوريا على النفط الإيراني بأسعار زهيدة، كما حصلت، وفي وقت لاحق، وبعد توقف المساعدات التي كانت تقدمها دول الخليج إليها، بسبب التحالف السوري-الإيراني، على بعض المساعدات المالية الضئيلة من إيران. ويأتي ذلك أيضًا ضمن سياسة التوسّع في الشرق الأوسط والتي ينتهجها نظام ولي الفقيه منذ تأسيسه عام 1979. وتندرج عملية تأسيس حزب في لبنان من قبل إيران ودعمه له في إطار ما تعانيه هذه الأخيرة من عقدة جيوسياسية تُعرف le complexe obsidional والمتأتية من كونها واقعة في هضبة تحيط بها الجبال من كل الجهات، كما أنها من بين الدول القليلة التي لها حدود مشتركة مع دول كثيرة، هي على عداوة مع أكثريتها. لذلك، تجد نفسها مضطرة لإبعاد خطر هذه الدول عبر التوسّع في كل الاتجاهات، أضف الى ذلك أن توسّعها باتجاه المتوسط، من خلال حصولها على موطئ قدم في لبنان، هو أيضًا بهدف الضغط على الدول الغربية للاعتراف بها كقوة إقليمية، واجبار هذه الدول على التفاوض معها في شؤون الشرق الأوسط. لذلك يُعتبر “الحزب”، وبحسب تصريحات كبار مسؤوليه، أداة في هذا المشروع الإيراني. وهذا الارتباط هو شديد للغاية، نظرًا للدور المحوري الديني والسياسي الذي يلعبه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في تحضير الظروف لعودة الإمام المهدي المنتظر. وبناءً عليه، تُعتبر أوامر المرشد أوامر إلهية وُجب تنفيذها من دون أي اعتراض، حتى لو نتج عنها معاناة واضطهاد وصولاً حتى الى الشهادة، وما هذه الأخيرة، وبحسب عقيدة ولاية الفقيه، إلا تشبهًا باستشهاد الحسين إبن الامام علي بن أبي طالب وحفيد الرسول محمد. وبالتالي، فإن الاستشهاد في سبيل مشروع ولي الفقيه أمر لا مفر منه إذا ما اقتضت الحاجة إليه.

ساهمت هذه السياسة الإيرانية، ونظرًا لنجاح إيران في فرض نفسها في الصراع العربي ـ الإسرائيلي نتيجة العلاقات المتشعبة التي نسجتها مع حركتي “الجهاد الإسلامي” و”حماس”، في استمرار هذا الصراع. وبدورها وجدت دمشق مصلحة لها أيضًا نظرًا لأن نظام البعث في سوريا قائم بدرجة أساسية على مسألة الصراع مع إسرائيل، وبالتالي فإن بقاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي يسمح لهذا النظام بالاستمرار في تثبيت دعائم سلطته الديكتاتورية، وباستمرار الفساد الذي يستفيد منه كبار قادته. وهذا ما عبّر عنه صراحة نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام قُبيل انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991 في قوله “إن الحفاظ على جو الحرب في سوريا يساعد على إخفاء الأخطاء الداخلية”.

من هنا لم يقتنع “الحزب” باتفاق الطائف واعتبره أدنى المطلوب، بحجة أن الحزب كان يطمح الى تطوير الصيغة اللبنانية بطريقة تؤدي الى إلغاء الطائفية السياسية. ولكن حقيقة عدم اقتناعه بالاتفاق تعود الى تضمين هذا الاتفاق بندًا يطالب بحل الميليشيات وانتشار الجيش في الجنوب والعودة الى اتفاق الهدنة الموقع العام 1949. أضف الى ذلك أن مشاركة “الحزب” ولأول مرة في الانتخابات النيابية عام 1992 قد أتت بهدف إقحام التطرّف الإسلامي في النظام السياسي في محاولة للسيطرة عليه. وقد تضمن برنامج “الحزب” الانتخابي بصريح العبارة “تعزيز مسيرة المشروع الإسلامي وتحصين خطواته وتثميرها، وانسجامًا مع المعطيات الفقهية التي تمثل لنا هاديًا ومرجعًا ودليلاً ….”. وهكذا أشرك النظام السوري “الحزب” في سيطرته على الدولة لتقليص دورها وتكريس دور لبنان الساحة. وبعد انسحاب الاحتلال السوري من لبنان في نيسان 2005، ورث “الحزب” الدور السوري، وتحديدًا في سيطرته على دور الدولة ومؤسساتها الدستورية والأمنية والقضائية. من هنا تُشكّل عملية استمرار عداوة إيران للدول المجاورة، كما واستمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، مصدرًا لشرعية نظام ولي الفقيه، وبالتالي لوجود ودور “الحزب” في لبنان.

الى دور الدافع الديني في انخراط “الحزب” في مشروع ولاية الفقيه، هناك المعطيات الجيوسياسية لمنطقة الساحل الشرقي للمتوسط. فهذه المنطقة ولأسباب عديدة، أهمها جغرافية، لم تعرف وحدة سياسية مركزية منذ الألف الثالث قبل الميلاد كما كان الحال في وادي النيل وبلاد ما بين النهرين وهضبة الأناضول، إذ لم تساعد الجبال والأودية والرؤوس الجبلية المتقدمة في البحار في الساحل الشرقي للمتوسط من إنشاء كيان سياسي واحد ذات خصائص ثقافية ولغوية ودينية مشتركة. فأدى ذلك الى تحوّل ظهور ممالك دول صغيرة يسّهل الهجوم عليها ولكن يصعب السيطرة عليها. لذلك قامت الإمبراطوريات في الألف الثاني والألف الأول الى استخدام هذه الممالك كتوابع لها vassal states واستخدام منطقة الساحل الشرقي للمتوسط كمنطقة حروب بالوكالة un champs de bataille par procuration. وأبلغ مثال على ذلك، ما حدث مع حنون ملك غزة، إذ قام الأخير سنة 716 قبل الميلاد، بالثورة على الإمبراطورية الأشورية بدعم من مصر. ولكن لدى وصول الملك الأشوري سرجون الثاني الى أبواب المدينة، لم تنفع نداءات الاستغاثة التي وجهها الملك حنون لفرعون مصر. فهرب حنون الى مصر متأملاً بالحصول على مساعدة عسكرية من مصر لاستعادة مدينته. إلا أن مصر، ولتفادي هجوم أشوري على أراضيها، قامت بتسليم حنون الى الملك الأشوري. ولم يكن هذا الواقع مختلفاً كثيرًا في مملكة صور. فإبان وصول الإسكندر الكبير غازيًا سنة 332 قبل الميلاد، قام ملك صور، عزيملك، وبأمر من الإمبراطورية الفارسية، التي كانت قد منحت مملكة صور امتيازات تجارية وسياسية على حساب بقية المدن الفينيقية، بالعمل على تأخير تقدم الإسكندر عبر الامتناع عن الرضوخ له. فما كان من الإسكندر إلا أن قام بردم البحر للوصول الى جزيرة صور وإحراق المدينة وقضى عليها.

بعد القرن الرابع بعد الميلاد، تحولت مدن-دول منطقة الساحل الشرقي للمتوسط الى الأقليات الدينية الممتدة من الشمال الى الجنوب مع العلويين، ثم المسيحيين، فالدروز والشيعة واليهود. ترتبط كل أقلية، كما كانت ترتبط المدن-الدول في الألف الثاني والألف الأول قبل الميلاد بدولة عظمى أو مؤثرة شابكة معها علاقات متشعبة، تبدأ بالسياسة لتمتد الى الدين والثقافة والمجتمع والاقتصاد. لذلك تكتسب كل دولة عظمى أو مؤثرة شرعية لدورها من خلال وجود ودور الأقلية الدينية في المنطقة. وأبلغ مثال على ذلك هو الدور الإيراني المتقدم والذي يتخذ شرعية له من خلال الشيعة في جنوب لبنان والبقاع، ودورهم في الصراع العسكري مع إسرائيل. ونظرًا لارتباط الدور الإيراني اليوم بمشروع ولي الفقيه التوسّعي في كامل الشرق الأوسط، فقد حوّلت ايران، وللأسف الشيعة، الى مرتزقة لهذا المشروع. ومن أجل هذا المشروع يدفعون أثمانًا بشرية ومادية باهظة جدًا. وبغض النظر عن الحجج غير المنطقية المعطاة في عملية تفسير الدور العسكري الذي يريده “الحزب” في الصراع مع إسرائيل، فإن هذا الواقع يحول اليوم دون قيام دولة في لبنان وقيام مؤسسات الدولة الدستورية والأمنية والقضائية بمهامها في قيادة المجتمع والدفاع عنه وتطويره.

إلا أن استرجاع “لبنان الدولة” يبقى الهدف الذي من أجله استشهد أكثر من 15 ألف مقاتل في صفوف “القوات اللبنانية”، وعبَّدوا الطريق لبناء “الجمهورية القوية”.

• أستاذ جامعي وباحث في تاريخ الشرق الأوسط في جامعة Illinois في الولايات المتحدة الأميركية.

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل