
جيّد ان يُعدد ابراهيم الأمين في مقاله اليوم بعنوان “نعم…نحن لا نُشبهكم” عشرات الأسباب التي تؤكدّ اخيراً صحة كلام الاستاذ شارل جبّور عن ان الجماعة لا يُشبهوننا ولا نُشبههم، فهذا اعترافٌ واضحٌ منه ان جبّور كان على حقّ، خصوصاً بعد كل حملات التخوين والتهديد التي شُنّت عليه عندما قال ما قاله قبل مدّة.
وجيّد ان يعترف ابراهيم الأمين، ولو عن طريق الافتراء وتزوير الوقائع والمحاسبة على النوايا، بهذا الاختلاف في النظرة الى لبنان، مُقرّاً “بصعوبة العيش معنا في هذا البيت اللبناني او بناء دولة واحدة معنا”، فهذا حقٌ من حقوقه في ابداء الرأي.
ولكن ما هو غير جيدّ يا ابراهيم الامين، ان يُصار الى اغتيال هؤلاء الذين لا يُشبهونكم كما حصل منذ عام 2005 ومنذ الطائف، ومحاولة تهجيرهم من البلد وسلب ارادتهم التي لا تُشبهكم كما قلت بذاتك، حتى يصفى لكم الجوّ لوحدكم فيه، وحتى يكون لبنان الدمار والخراب يُشبهكم وحدكم، بدل ان تتجرأوا بكل شجاعة وعقلانية ووطنية على طرح موضوع “العيش معاً” على بساط البحث السياسي والدستوري بكل اخلاقية وديموقراطية وصدقية وتفاهم، ليقيم كلٌ منا حسابات الربح والخسارة في عيشه مع هذا الآخر، واتخاذ الخطوات الدستورية المستقبلية على ضوء ذلك.
صحيح انكم لا تُشبهوننا يا ابراهيم الأمين، ولكن ليس للأسباب التي عددّتها في مقالك اليوم، بل لأنكم بكل بساطة لا تُشبهون احداً على هذه الكرة الأرضية بطولها وعرضها سوى من يلتزم بولاية الفقيه حصرياً، فأنتم حتى لا تُشبهون نصفكم الآخر داخل البيئة الشيعية بالذات، التي تختلفون معها في ثقافة العيش والحياة والنظرة الى مستقبل لبنان.
هل تريد ان تقول لنا مثلاً ان ابن حركة امل، يحب هذه الحركات التي حصلت “اسناداً لغزّة” من دون استشارته ولا موافقته ولا ارادته، وادّت الى خراب بيته ومقتل احبائه، وهو الذي كان يتنعّم منذ 34 سنة بالخيرات التي يُغدقها عليه وعلى مناطقه في الجنوب، رئيسه نبيه برّي؟
هل تريد ان تقول لنا ان ابن حركة امل او الشيعي المعتدل الذي يضع كأس الويسكي في المساء ليمزمز فيه بجانب عائلته، بدل ان يكون “مطاوعاً” آخر من جماعتكم يحفر الانفاق ويتحضر للموت، يُشبهكم؟
هل تريد ان تقول لنا ان اللبناني الذي يحب الحياة والبحر والسهر يُشبككم، وانتم الذين استكثرتم عليه مجرّد الاستجمام على الشاطىء تحت طائلة الانتقاد والتخوين والتكفير، مثلما قال رئيس كتلتم محمد رعد منذ فترة؟
ايهما افضل واجمل واكثر رقياً وحضارةً، ان يستجّم الانسان على الشاطىء من دون ان يؤذي احداً او يُزعج احداً، ام ان يخزّن الأسلحة تحت المنازل والمقابر ويحفر الأنفاق ويعلن الحروب الآحادية، مستجلباً الموت والدمار لكل الناس؟
هل تريد ان تقول لنا ان السنّي اللبناني الذي يتفاعل مع قضايا سنّة سوريا والعراق ومصر وكل العالم الاسلامي، تماماً مثلما تتفاعل بيئتك يا ابراهيم الأمين مع قضايا الشيعة حول العالم، ولكن بفارق وحيد هو سلمية هذا التفاعل والتزامه بالقوانين اللبنانية، هل تريد ان تقول لنا ان هذا السنّي الذي عايش اغتيالكم للرئيس الحريري واجتياحكم لبيروت، وعاين ما فعله سلاح “المقاومة” مع ابناء الشعبين السوري والعراقي وقصفه للسعودية والامارات، يُشبهكم بالفعل؟
هل تريد ان تقول لنا ان التزام سنّة لبنان بقضية فلسطين الصادق والحقيقي، يُشبه “التزامكم” بهذه القضية الذي هو في حقيقته مجرّد متاجرة بهذه القضية خدمةً لأعداء العرب واعداء فلسطين واعداء الاسلام؟ توقف عن هذا المزح السمج يا ابراهيم.
هل تريد ان تقول لنا ان الموحدين الدروز في لبنان يُشبهونكم ويُشبهون مشروعكم التوسعي المذهبي، وهم الذين يؤمنون بلبنان اولاً، قبل ان يكون هناك شيء اسمه لبنان بمئات السنوات؟ هل تريد ان تقول لنا ان هؤلاء العرفانيين التوحيديين الصبورين العقلاء يُشبهون ثقافة الاستقواء والتهديد وعرض العضلات المتواصل، وثقافة الجهل والجنون والتحدي وحفلات الاستقواء اليومية، وصولاً الى تقويض استقرار لبنان والجبل واستباحة المناطق اللبنانية تحت شعارات “المقاومة”؟ هل ما حصل في جويّا وفي عاليه يُشبهكم مثلاً؟
اذا كان بعض الناس يبلعون الموس ولا يرفعون من وتيرة انتقادهم لكم ولسلاحكم و”مقاومتكم” فهذا تلافياً منهم للفتنة، وعملاً بمقولة “الله يسعدكم بالسلاح ويبعدو عنا وعن عيالنا”، وليس لأن هؤلاء يُشبهونكم بشيء. توقفوا اذاً عن جعل الناس “يُشبهونكم” بالقوة والتخويف والتهديدات المبطنة والاغتيالات، فهكذا نوع “شبه” هو اعمق انواع الاختلافات اكثرها عداوةً مُضمرة تنتظر ساعة الحقيقة.
هل تريد ان تقول لنا ان الشعوب الغربية الديموقراطية المتحضرة المتصالحة مع نفسها، تُشبهكم مثلاً؟
هل تريد ان تقول لنا ان الدول والشعوب العربية تُشبهكم حقيقةً؟ بماذا يُشبهكم ما يجري اليوم في السعودية والامارات والخليج والاردن ومصر، من نهضةٍ وعمران وتمدن وانفتاح؟ اذا كان كل هؤلاء يُشبهونكم بالفعل، فلماذا كل هذا الاصرار على تقويض امن واستقرار هذه الدول، حتى تُشبهكم في الخراب والدمار والبؤس والتشرد والموت؟
حتى بعض اليساريين او القوميين العلمانيين في لبنان الذين يؤيدون القضية الفلسطينية بالفعل وربما يقفون معكم في حربكم ضد اسرائيل اليوم، يعرفون جيداً بأنهم لا يُشبهونكم الا بهذه النقطة حصرياً، اما عندما ينتفي دوركم في الصراع مع اسرائيل بعد التطبيق المتشدد للقرار 1701 على اقل تقدير، فلن يعودوا يُشبهونكم بشيء، خصوصاً اذا حاول مشروعكم العقائدي الارتداد على الداخل اللبناني لفرض “جمهورية” على النسق الايراني سيكون هؤلاء العلمانيين اولى ضحاياها، اسوةً بما حصل لأمثالهم في ايران، من شنق ونفي واعدامات.
هل تريد ان تقول لنا يا ابراهيم الأمين ان المنظمات الحقوقية والمنظمات الدولية وحقوق الطفل والمرأة تُشبككم بشيء؟
هل تُشبهكم مثلاً بما تزرعونه في رؤوس اطفالكم من افكارٍ عن الموت والجهاد والقتل؟
هل تُشبهكم في موقفكم العقائدي من موضوع الديموقراطية والتعددية التي هي مفاهيم حضارية غربية تتناقض مع فكركم العقائدي من الفها الى يائها؟
هل تُشبهكم في نظرتكم للمرأة ودورها في المجتمع؟ من يُشبهكم يا ابراهيم سوى دمار غزّة، وصور الموت والاشلاء، وانهيار الدولة، والافلاس والفساد؟
حتى النظام السوري بذاته لا يُشبهكم مع كل قبحه، لأنه يقوم بالحد الأدنى على فكرٍ لا طائفي، واي فكرٍ طائفي او مذهبي متشدد يُشبهكم، هو فكرٍ يُهدد له استقراره ووجوده وتوازناته الداخلية، لكنه مُجبرٌ “اخاكم” لا بطل، اقلّه حتى إشعارٍ آخر.
من يُشبهكم يا ابراهيم الأمين، بالله عليك قل لنا؟ هل كوريا الشمالية تُشبهكم؟ ما هي نقاط التلاقي الحضارية والثقافية والدينية بينكم وبينها؟
الا تعرف يا ابراهيم الأمين ان فكرك العقائدي يتلاقى مع اليهودي اكثر من تلاقيه مع الفكر الالحادي في كوريا الشمالية مثلاً؟ هل روسيا المسيحية تُشبهكم؟ من يُشبهكم؟
بماذا تُشبهكم اي دولةٍ في العالم؟ اين هي الدولة التي تُشبهكم والتي فيها دولة من جهة ودويلة وسلاح متفلت داخل هذه الدولة من جهةٍ ثانية؟ من يُشبهكم يا ابراهيم الأمين؟
هل دول المواجهة ودول الطوق، من سوريا، الى الاردن، الى مصر تُشبهكم؟ هل تُشبه سلاحكم داخل الدولة واستباحتكم لكل شيء تحت شعار “مقاومة اسرائيل”؟ هل انتم اكثر وطنية واكثر عروبة واكثر “مقاومة” لاسرائيل من الاردن ومصر؟
حتى نظام الأسد الذي تتغنّون بأنه اكثر من يُشبهكم، لا يسمح بوجود سلاح ميليشياوي متفلّت على ارضه، ولم يفتح جبهة الجولان اسناداً لغزّة، ولا يقبل بأن تصبح المناطق التي يسيطر عليها في سوريا قاعدةً لنشر افكاركم العقائدية يا ابراهيم الأمين خشية تأليب السنّة السوريين ممّن يؤيدون نظامه عليه.
حتى اقرب المقربين اليكم يحاولون التنصل من شُبهة انهم “يُشبهونكم”، فمن يُشبهكم يا برهوم؟
هل مقدمة الدستور اللبناني تُشبهكم؟ بماذا تُشبهكم كلمة “لبنان وطن سيد حر مستقل” و”لبنان جمهورية ديموقراطية”، وانتم لا تعترفون بأن لبنان هو جمهورية ذات سيادة قائمة بحد ذاتها اصلاً، بل جزءاً من ولاية الفقيه!
وبماذا تُشبهكم كلمة “ديموقراطية”، وفكركم يقوم على مفهوم الشورى لا الديموقراطية؟ حتى ابسط بديهيات مقدمة الدستور اللبناني لا تُشبهكم يا ابراهيم.
بماذا تُشبهكم عبارة “لبنان عربي الهوية والانتماء…وعضو مؤسس في الامم المتحدة..ويلتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان…”، وانتم لا تعترفون اصلاً بكل منظومة الامم المتحدة ولا بكل مواثيقها بل بالفتاوى الشرعية والتكليف الشرعي، ولا تعترفون بمفهوم العروبة بل بمفهوم الاسلام على طريقة الفقيه؟
بماذا تُشبهكم عبارة “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة” في مقدمة الدستور اللبناني، واين كان محل الشعب في مصدر السلطة التي اتخذّتم على اساسها قراراً بشن حرب مدمرة انطلاقاً من لبنان؟
بماذا تُشبهكم عبارة “لبنان يقوم على احترام الحريات العامة وحرية”، رحم الله كل صحافي وكل صاحب كلمة حرّة اغتاله الذين لا يُشبهونه، ولا يُشبهوننا، ولا يُشبهون لبنان، ولا يُشبهون اي شيء آخر في هذه الكرة الأرضية سوى الدمار والافلاس والموت والفشل، والدراما في لعب دور المُستضعفين والمُهمشين “الذين لا يُشبهون احد”، لمجرد استضعاف الناس وقهر الحرية وانتهاك سيادة الأوطان وتهميش واغتيال كل من لا يُشبههم.
اقرأ ايضاً: خاص ـ هدية من طهران لواشنطن على حساب “الحزب”؟