
أمام الاداء الإيراني الجديد القديم في الاستفادة والاستغلال للقضايا العربية وفي استثمار المقاومات والنضالات والتي لم تصب يومًا في مصلحة أو خدمة أي قضية من القضايا العربية وأولها القضية الفلسطينية، ولا في مصلحة بلدان تلك المقاومات وأولئك المناضلين بل على العكس، وهو ما تكبده لبنان وحزب إيران في لبنان وبيئته من تسديد الفواتير بالدم والاستقرار والأمن والعمران والخذلان من النظام الإيراني الساعي الدائم لتجيير الفواتير المدفوعة بالأثمان الباهظة لمصلحته وأمنه والحفاظ على استمراره وتحقيق أطماعه وطموحاته، ولن يكون موقف الجمهورية الإسلامية في إيران الملتبس المتناقض والمتردد الذي سبق وواكب اتفاق وقف اطلاق النار الا دلالة على ما نقول.
فمع بروز بشائر اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 1701، أتت نصيحة أو فتوى مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران، الإمام علي خامنئي للشعبين اللذين دفعا أكبر الفواتير استقرارًا وتدميرًا ودمًا، خدمة للقضية الفلسطينية وكرمى لعين النظام في إيران، ليؤكد أن “على الشعبين اللبناني والفلسطيني أن يدركا أن الطريق الوحيد لمواجهة الكيان هو الكفاح المسلّح”، ويأتي كلام المرشد التوجيهي النافذ، بعد سقوط ما يناهز مئات الآلاف في غزة والضفة ولبنان من الضحايا، بين قتيل وجريح، وتدمير الأبنية والوحدات السكنية، والملايين من المهجرين المهاجرين والنازحين، وعشرات مليارات الدولارات من الخسائر المادية والاقتصادية المباشرة وغير المباشرة.
كما أتت زيارتا وزير الخارجية الإيراني الى رئيس مجلس النواب لتصب في محاولة تعطيل موافقة لبنان الرسمي، بتفويض من “الحزب”، على ما أصبح لاحقًا من جوهر وصلب الاتفاق الموقع بين لبنان وإسرائيل، بموافقة “الحزب” وبرعاية وقيادة أميركية ملتزمة بآلية تنفيذ الـ1701 plus والتي تؤذن بانتزاع “ورقة المقاومة” من الحدود الجنوبية وبالتالي من “الحزب” ومن وليّه الإيراني.
لا شك أن البراغماتية أو التقية التي ينتهجها الإيراني وصولًا الى الهدف الأسمى والقضية الوحيدة له وهي “الحفاظ على النظام”، هي التي تجلّت في المعلومات التي وردت في كتاب “حلف المصالح المشتركة ـ التعاملات السرّية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة”، للكاتب الإيراني ـ تريتا بارزي، اذ نقرأ في الصفحة 338 ـ 340 منه: “أعدّ الإيرانيون اقتراحًا شاملًا بيّن حدود صفقة ضخمة محتملة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران، تعالج كافة نقاط النزاع بينهما. وكتب صادق خرازي، نجل شقيق وزير الخارجية الإيراني وسفير إيران لدى فرنسا، المسودة الأولى للاقتراح. ثم رُفعت المسودة إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية للمصادقة عليها، والذي طلب بدوره محمد جواد ظريف ـ السفير لدى الأمم المتحدة ـ مراجعتها قبل إرسالها إلى الأميركيين، ووضع اللمسات الأخيرة عليها. وفي حوار حول الاحترام المتبادل، عرض الإيرانيون وقف دعمهم لحركة ح. والجهاد الإسلامي ـ الإخوة الإيديولوجيون لإيران في صراعها مع الدولة اليهودية ـ والضغط على المجموعتين لكي توقفا هجماتهما على إسرائيل. وفي ما يتعلق بالحزب، وليد أفكار إيران، وشريكها الأكثر جدارة بالاعتماد عليه في العالم العربي، عرض رجال الدين دعم عملية نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي صرف”.
هذا ما دفع رئيس النظام الايراني مسعود بزشكيان على أبواب الحرب الثالثة التي شنتها إسرائيل على لبنان وتحديدًا بعد اعتدائي البايجر واللاسلكي واستهداف ابراهيم عقيل مع قيادة الرضوان وقبيل استهداف نصرالله، وتحديدًا في 24 ايلول 2024 الى القول: “إن السلام والأمن يجب أن يحلا محل الحرب وسفك الدماء في العالم، وعن أن إيران ليست كما تظهرها بعض وسائل الإعلام، ونحن مستعدون للعيش بسلام وأمن مع الجميع في العالم”، وما عاد وأكده وزير خارجيته عباس عرقجي أن بلاده مستعدة لبدء مفاوضات نووية إذا كانت الأطراف الأخرى راغبة في ذلك”، كما أكد أننا “سنركز جهودنا على بدء جولة جديدة من المحادثات حول الاتفاق النووي”.
وهذا ينسجم الى حد بعيد مع ما كان قاله سابقًا الرئيس الايراني الراحل حسن روحاني في 19 ايلول 2015 عن أن “الموت لأمريكا” هو مجرّد شعار، وما قاله مرشد الثورة الإسلامية الإمام علي خامنئي في 9 ايلول 2024 عن أن “لا ضير في التراجع التكتيكي أمام العدو والتراجع قد يكون في الميدانين العسكري أو السياسي”، ولا ينسجم طبعًا مع ما دعا اليه خامنئي نفسه مؤخرًا، الشعبين اللبناني والفلسطيني محملًا إياهما تبعات الهجوم الانتحاري والإقدام الكفاحي المسلّح أمام العدو “في الميدانين العسكري والسياسي”، مضحيًّا بهما كرمى للغاية الكبرى السامية بالنسبة للإيرانيين الا وهي الحفاظ على النظام الايراني.
إن أول من عبّر عن غائية هذه البراغماتية وتلك التقية، مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران ومرشدها الإمام الخميني عند قيام الثورة الإسلامية في 1979 بقوله في إحدى خطبه: “الحفاظ على النظام الإسلامي الإيراني من أوجب الواجبات، وهو أهمّ من الحفاظ على حياة الإمام المهدي”… وعاد وكرّره في 7 تشرين الثاني 2022 عضو البرلمان الإيراني، حسين جلالي، أن حفظ النظام القائم في “الحفاظ على النظام من الواجبات، حتى أهم من الحفاظ على حياة الإمام المهدي”، كذلك عبّر وزير الخارجية الإيراني بالإنابة علي باقري كني، كاشفًا ومن نفس المصلحة الإيرانية العليا، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع مستشار الأمن القومي العراقي في 13 حزيران 2024 عن أن “خلافات أميركا مع إيران ترجع للحصة التي خصصوها لنا، نحن لم نقبل بذلك، ونسعى للحصول على حصتنا في المنطقة”.
قد تكون عبارة “التفرغ للتهديد الإيراني” التي أطلقها بنيامين نتنياهو، كسبب أساسي لقبول حكومته باتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما أثار ويثير خوف النظام الإيراني، ولطالما سعت إيران من خلال تحريكها واستغلالها لأذرعها عبر إشعالها للجبهات عن بعد، الى تجنب تجرع كأسه المرّ منذ قيام نظام الولي الفقيه في إيران، وقد يجد الإسرائيلي بدعم أميركي باختبار الستين يومًا الممتدة الى انطلاق عهد ترامب، فرصة ذهبية سانحة لإزالة هذا التهديد عبر قطع الرأس المحرّك للمحور المعادي للشيطانين الأكبر والاصغر.
.jpg)